..نحو مواجهة فاعلة لمخططات ترامب وأهداف الصهيونية

بقلم: فيصل ابو خضرا

رداً على مقال الاستاذ خير الله خير الله الأخير الاثنين الماضي في "ے" أريد أن أقول بأن الشعب الفلسطيني تعب من نظريات ومقولات الاستسلام وفي مقدمتها مقولة أن مفاتيح الحل بيد أميركا، لأن السياسة الأمريكية ومنذ عهد ترومان وهي تتعامل مع الدول العربية والشعب الفلسطيني بتعال وانحياز للاحتلال وتتجاهل بأن لهم قضية فلسطينية مقدسة. ومنذ عهد ترومان الى آخر رئيس امريكي لم يجرؤ أحد على إعلان حقيقة السياسة الأمريكية، الا في عهد المتصهين ترامب، الذي "بق البحصة" حسب المثل اللبناني، ولمن ينسون نقول أنه عدا عن هذه السياسة الاسرائيلية فإن هدف اسرائيل ليس فلسطين فقط، بل قسم من الأردن وجنوب لبنان وصولاً الى نهر الليطاني.

كما أن محاولة انتقاد القيادة الفلسطينية لمقاطعتها نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، ومقارنة هذا الموقف بموقف الملك عبد الله الثاني الذي التقى بنس، كما ورد في المقال المذكور، هي مقارنة غير واقعية، وفي كل الأحوال كشف بنس خلال جولته الكثير من المواقف المتطرفة لادارته. ولا بد هنا الا ان أذكر قمة القذارة التي تفوه بها ترامب في مؤتمر، دافوس، الاخير حيث قال أن القدس أصبحت خارج المفاوضات وأن الدولارات التي يدفعها للسلطة والأونروا لا يمكن ان تستمر الا بقبول السلطة العودة الى طاولة المفاوضات، وينسى هذا الأعمى سياسياً، بأن المبالغ التي يدفعها ليست منّة من أمريكا، لأن الشعب الفلسطيني لا يريد كرم أمريكا وغير أمريكا فنحن شعب له املاكه في فلسطين والتي سرقها الاحتلال الاسرائيلي حليف واشنطن بقوانين شيطانية، كما ان سبب وجود مخيمات اللاجئين هو مواقف امريكا ودول الغرب، ولذلك فان من مسؤولية المجتمع الدولي والدول التي تسببت ولا زالت بمأساة للاجئين استمرار دعم الاونروا الى حين عودة اللاجئين حسب القرار الأممي رقم ١٩٤. ونذكر ترامب، الذي يقول امريكا اولاً، بأن أمريكا وليومنا هذا دفعت من جيوب دافع الضرائب الأمريكي مليارات طائلة من الدولارات قيمة أسلحة ومنح للاحتلال لا ترد منذ العام ١٩٤٨ لقتل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

منذ العام ١٨٩٧م تكون الحركة الصهيونية قد مضى على تأسيسها قرن وربع القرن، منذ مؤتمر بازل، وقبل هذا المؤتمر بقليل نشر كتاب ثيودور هرتزل، "الدولة اليهودية" الذي أعطى لتلك الحركة أسسها الايديولوجية والسياسية ، ورسم لها سياستها واستراتيجيتها.

قرن وربع من التحولات والمآسي والحروب والآلام، لا يمكن أن تنتهي الا بعودة الحق لأصحابه الحقيقيين، مهما استطاعت الحركة الصهيونية الذهاب عكس التاريخ والدين، وهي التي استطاعت بناء دولة مصطنعة من ألفها الى ياءها، واستطاعت اغتصاب كل ما لدينا...أرضنا ووطننا، أي فلسطين التاريخية جميعها التي كان يفترض أن تكون اليوم من أهم وأقوى الدول العربية اقتصادياً وعسكرياً.وبدلاً من ذلك ففلسطين محتلة بقوة السلاح والإرهاب والمكافيلية والمال من قوم غرباء عن فلسطين، بينما أهل البلاد مشردون ولاجئون في جميع أصقاع الأرض.

الحركة الصهيونية المنبثقة عن المجتمعات الأوروبية هي مناقضة لهذه المجتمعات تحمل في داخلها الحذر المتبادل بين المسيحية واليهودية في العالم الأوروبي، لكن الحركة الصهيونية عرفت كيف تجيّر هذا التناقض لصالحها، توهم المجتمعات الأوروبية بأنها تعمل لصالحها، فتذهب المصالح الأوروبية وتبقى المصلحة الصهيونية، وما من شك بأن الاوروبيين كانوا دوماً هم الأكبر التقاء مع الحركة الصهيونية. فأوروبا كانت تريد إخراجهم منها والصهيونية تريد "الوطن اليهودي" في فلسطين.

يقول هرتزل في كتابة «الدولة اليهودية»: بالنسبة لأوروبا سنقيم هنالك «في فلسطين» جزءاً من السور المضاد لآسيا، وسنكون حراس الحضارة المتقدمي الموقع ضد البربرية».

لكن هرتزل الذي يتكلم عن حراسة «الحضارة» الاوروبية لا يهمه إلا أمر واحد وهو تحقيق مشروعه الاستعماري في فلسطين. وهو يراهن بذلك على بريطانيا، فيقول لها سأقوم بخدمة مصالحك عند قناة السويس في الطريق البحري الجديد الى الهند. وقد بذل هرتزل كل جهده للقاء السلطان العماني عبد الحميد لاقناعه ببيع فلسطين لقاء مبلغ من المال ولكنه فشل في ذلك المسعى، مما جعله يعود الى بريطانيا والتي كانت صديقة لليهود أثناء الحرب العالمية الأولى عن طريق الصهيوني وايزمان والبليونير روتشلد.

وبدأ المشروع الصهيوني الذي رسمه هرتزل بتحقيق أمر في غاية الغرابة والسخرية وهو إعلان بلفور الذي مضى عليه مائة عام عجاف على الشعب الفلسطيني.

هذا ملخص تاريخ الصهيونية التي استطاعت في مكيفلتها الذكية إقناع الغرب، وعلى رأسه عدوتنا الاولى امريكا، ان تحتل فلسطين، وبعض أجزاء من دول عربية مجاورة مما دفع هذه الدول لابرام صلح مع المحتل، بدون حل للقضية الفلسطينية.

ونسأل أنفسنا الآن نحن أصحاب الأرض الحقيقيين: هل نستطيع بالاعتماد على أنفسنا وسواعد شبابنا واطفالنا وشيوخنا إستعادة حقوقنا كاملة من هذا المغتصب بقوة سلاح الغرب وسلاح أمريكا وقلب الطاولة على أعدائنا وانتزاع الحرية؟

الاجابة: نعم نستطيع.

ان الحاضر العربي والحاضر الفلسطيني ومعطياتهما يشيران الى أننا غارقين بعدة أمور لا بد لنا بأن نتخطاها لنعيد جذوة الشعور والإحساس بأن فلسطين لنا مثلما كانت لأجدادنا، والمأساة التي حلت بنا هي التي تصنع الشعوب المؤمنة بحقها في إستعادة حقوقها كاملة، بحيث تكون أكبر من مأساتنا، فكيف نكون بكبر المأساة وبعمقها؟ وكيف تبلور فينا مأساتنا أعظم ما في أنفسنا الجماعية وأعظم ما في روح شعبنا، إيماننا طبعاً، لكن ذاكرتنا أيضاً، وعقلنا، ومجموع أفعالنا وتصميمنا على إستعادة أرضنا التي لا معنى من دونها لوجودنا كشعب، ولا معنى لنا ولحياتنا من دونها.

هذا هو هدف حياتنا الأسمى، وهذا هو شرف وجودنا، وهذا هو قدرنا.

ان عدم المسؤولية الاخلاقية والسياسية والتاريخية لكل ترامب ونتنياهو يجعل الشعب الفلسطيني يقرف من المثل العليا التي كانت وما زالت تتبجج بها امريكا، وكأننا من الممكن أن نبيع ذرة تراب من بلادنا بحفنة دولارات قذرة، ونحن نؤمن ان لا وطن لنا غير فلسطين وأنه يجب تحرير قدسنا المقدسة التي تدنس كل يوم من قطعان المستعمرين. فاذا كان ترامب فعلاً صادقاً بالقول أن امريكا أولاً، ويتكلم عن ملايين الدولارات التي دفعت لنا، فالأجدر به ان يعود الى خزينة أمريكا وسيجد بأن اميركا دفعت للمحتل بليارات الدولارات منذ العام ١٩٤٨، كما ان التخبط في السياسة الأمريكية يجعلنا نشك في قدرة ترامب العقلية.

لذلك ننصح السلطة وفتح وحماس وجميع الفصائل والأحزاب والمجتمعات الفلسطينية بالأتي:-

اولاً : إلغاء أي شيء أسمه فصيل أو حزب أو تنظيم، ونعود كما كنا شعباً فلسطينياً واحداً يريد استعادة وطنه وأرضه وأرض أجداده وهذا يعني لا انفصال بعد اليوم.

ثانياً: الابتعاد عن الوعود والخطابات الرنانة التي تلهب الجماهير المغلوبة على أمرها، ونعيش في الواقع الذي نحن فيه، أي شعب يريد الاستقلال والحرية مهما طال الزمن، ولكن بالصبر والعزيمة القوية نريد الوصول الى الاستقلال وتحرير فلسطين.

ثالثاً: تبقى السلطة الفلسطينية المنتخبة من الشعب لدعم الشعب الفلسطيني سياسياً كما هو قائم الآن وبقيادة الأخ الرئيس محمود عباس، الذي وقف بشجاعة وقفة رجل يمثل كرامة الشعب الفلسطيني بجميع أطيافه، خصوصاً رفضه الواضح للسياسة الأميركية، بالرغم من ردود الأفعال الأمريكية من جانب ترامب.

رابعاً: حشد جميع الطاقات البشرية، والمادية، والمعنوية، لخلق جبهة شعبية واسعة ليس لها أي سياسة الا هدف واحد هو مقارعة الاحتلال سلمياً ليل نهار، بدون توقف، وهذه القوة تعمل بشكل منظم وضمن استراتيجية واضحة.

خامساً: تشكيل مؤسسات في الخارج والداخل لجمع المال فقط، لإعالة الشعب ودعم النضال بإشكاله السلمية.

سادساً: تشكيل لجان وقواعد شعبية في كل شارع وقرية ومخيم ومدينة ولها من القوة والخبرة في التصدي للإحتلال ومستوطنيه دفاعاً عن شعبنا وأرضه وممتلكاته.

سابعاً: العمل على حشد دعم عربي واسلامي لا محدود بواسطة سفاراتنا بالعالم أجمع، لدعم الشعب الفلسطيني ودعم الصمود الأسطوري، ليس لفلسطين فقط ولكن للعرب والمسلمين واحرار العالم.

ثامناً: ان نبتعد عن الدخول في أي نقاش سياسي يبعدنا عن هدفنا الأسمى وهو التحرير.

تاسعاً: العودة الى أصالة الثورة، اي لا إعلام ان كان «داخلياً» او «خارجياً».

نحن الآن نعيش تحت ضغوط عالمية، وحتى من أقرب المقربين لنا، لذلك علينا النظر للواقع المؤلم الذي نحن فيه والسبب المباشر هو كثرة الفصائل والأحزاب التي تفرق ولا توحد.

طبعاً هذا الكلام لا يعجب الكثيرين ولكن الحقيقة بأننا الآن شعب تائه لا يعرف مصيره الحقيقي الا بوعود من الصعب تحقيقها، ليس لها الا تكريس عذاباتنا، ومع الأسف ما زلنا نبحث عن فتات ما لنا من حقوق، مما يبعدنا عن الثوابت التي نسعى الى تحقيقها، مثل قطع أموال الأونروا أو مفاوضات عبثية ليس لها أي من مقومات التحرير والاستقلال، بل تحول شعبنا الى شعب خادم للإحتلال، ويجعل لاجئينا يبحثون عن لقمة الخبز.

فهل هذا ما يريده شعب الجبارين؟

طبعاً لا وألف لا!.