من المفاوضات إلى الإملاءات، ماذا تبقى لحل الدولتين؟

بقلم: دلال عريقات

حدثتني صديقتي عن والدها الذي يعاني من داء السرطان منذ عدة سنوات، وبعد التشخيص قرر الأطباء إخضاعه للعلاج الكيماوي تبعه العلاج بالراديو وما زالت حالته تتراجع والمرض ينتشر أكثر فأكثر فحاول الأطباء مرةً أخرى العلاج الكيماوي وهي تنظر بأسى لجسم والدها النحيل يوماً بعد يوم، لم تفقد الأمل حتى صارحها الأطباء مؤخراً أن حالته لا علاج لها واقترحوا إعطاء جرعات دواء مسكنة للآلام حتى تأتي مشيئة القدر دون ان يقوموا بالمزيد من التجارب البائسة!

تعكس هذه التجربة، ما نعانيه على مستوى الوطن، فمنذ نهاية الثمانينات وإعلان منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، اتجهت قيادة المنظمة نحو استراتيجية جديدة قي التعامل مع الاحتلال، حيث انتقلت م.ت.ف من استراتيجية الكفاح المُسلح إلى إستراتيجية المفاوضات تحت إطار العملية السلمية التي تبنتها دول أوروبية أولها إسبانيا ثم النرويج ومنها انبثقت اتفاقيات أوسلو إلى واشنطن حيث تم توقيع الإتفاق.

لن نخوض الْيَوْمَ بالأسباب التي جعلت أوروبا تتخلى عّن قيادة عملية الوساطة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وسنركز على حقيقة أن الولايات المتحدة أصبحت الراعية الرسمية لهذه المحادثات التي اعترفت بموجبها م.ت.ف بدولة اسرائيل وبالمقابل حصلت على اعتراف بالمنظمة كممثل وحيد للفلسطينيين أينما وُجِدوا. لقد أثبتت التجربة أن الطرف الأمريكي، وإن كان أكثر إعتدالاً تحت إدارة كل من الرئيس بوش وكلينتون وأوباما، إلا أن كل الإدارات الأمريكية لم تلعب دور الوسيط النزيه كما تنص أدبيات الوساطة، التي تؤكد في تعريف الوسيط على ما يلي:

١- ليس طرفاً بالنزاع وليس منحازاً (مبدأ الحياد)

٢- يقرب وجهات النظر ويعزز الثقة بين الأطراف

٣-يسهل عملية التفاوض

٤- لا يفرض الحلول

في عهد الرئيس دونالد ترامب، تم تدمير التعريف النظري للوساطة، وإتضحت الصورة أكثر وأصبح الإنحياز لخدمة المصالح اليهودية صريحاً، وعلى ما يبدو واضحاً للعلن أن الصفقة التي ستطرح من قبل هذه الإدارة هي صفقة عملية، واقعية وقابلة للتطبيق من وجهة نظر أمريكا وإسرائيل. هذه الصفقة التي تستثني القدس وتستثني اللاجئين قد تبدو عملية ومنطقية لبعض الأطراف، ولكن قيادة م.ت.ف قد عبرت عن موقف وطني واضح متمثل برفض هذه السياسات الإملائية وفرض الجديد من الحقائق والسياسات العنصرية على الأرض. الْيَوْمَ وبرغم التعاطف الأوروبي وغيره مع الشعب الفلسطيني إلا أن دول العالم لا تتجرأ للوقوف بوجه أمريكا التي تهدد مصالحها.

منذ ربع قرن ونحن نتبنى استراتيجية التفاوض مع الجانب الإسرائيلي لأننا دُعاة سلام، ولأننا أصحاب حق ولإيماننا بالشرعية الدولية وقوة القانون، الْيَوْمَ يكرر المتحدثون باسم الحكومة الإسرائيلية أكاذيبهم ويحاولون تغيير الحقائق ويعتمدون على تضليل الجماهير والمراقبين فيروجون لفكرة أن الطرف الفلسطيني بحاجة لقيادة شجاعة لتحقيق السلام، ويروجون لحقيقة أنهم انسحبوا من قطاع غزة وكانت النتيجة كارثية بإشارة منهم لعدم قدرة الفلسطينيين على إدارة القطاع متجاهلين حقيقة أن شارون في ذلك الوقت انسحب لوحده ولَم ينسق مع السلطة الفلسطينية وقد انسحب صورياً في حقيقة الأمر وأبقى الفضاء الجوي والبحري والبري للقطاع تحت رحمة الاحتلال محولاً غزة لسجنٍ كبير، وقد فشلنا نحن كفلسطينيين بإظهار هذه الحقيقة بسبب الإنقسام الذي لم ننجح بحله منذ عقد من الزمان!

يروج الإسرائيليون لقضية دعم السلطة الفلسطينية لعائلات الشهداء وخاصة الأسرى ويعتمدون بروايتهم على الرواتب التي تقدمها م.ت.ف إلى عوائل الشهداء والأسرى ويلعب الإسرائيليون بالكلمات والحقائق ليبرروا سياسات دونالد ترامب المتمثّلة بقطع وتقليص المساعدات الأمريكية للدولة الفلسطينية والضغط من خلال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين. ندرك تماماً حقيقة التنسيق الأمريكي الإسرائيلي العربي وجاء هذا واضحاً في خطاب نتنياهو في داڤوس قبل أسبوع عندما تحدث عن تحالفات غير عادية وقوية، لم يكن يتوقعها، تجمع بين دولة اسرائيل والعالم العربي.

السؤال الذي على م.ت.ف التفكير به الْيَوْمَ: إن باتَ واضحاً أن هناك تآمر عربي لتقديم صفقة أمريكية تخدم اسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية على شكل إملاءات ستُفرض على الشعب الفلسطيني عاجلاً أم آجلاً، وآخذين بعين الاعتبار سياسة البلطجة الترامبية وإزاحة القدس عّن طاولة المفاوضات، فكيف تحفظ قيادة منظمة التحرير ماء وجهها ؟ سمعنا عن المصالحة وحل الإنقسام وسمعنا عن التحضير لاجتماعات على مستوى وطني عالٍ وسمعنا عن انتخابات، ولكن عملياً نشهد عدم استقرار وتراجع على كل المستويات، وبالتالي بالرغم من إدراكنا للضغوطات الخارجية التي تُمارس، فمن يتحمل المسؤولية عن عدم الاستقرار ؟

من البراغماتي وتماماً كما فعل الأطباء، أن يتم الإعتراف رسمياً ونهائياً أمام العالم عّن فشل الاستراتيجية التفاوضية باعتماد حل الدولتين ما دام الاحتلال، وما دامت أكاذيب دولة الاحتلال، وما دام التوغل الإستيطاني الذي لم يترك مكاناً لحل الدولتين.