لا فرصة لأي حل يتجاهل الشعب الفلسطيني ويبحث عن شرعية أو مصداقية عربية مزعومة

بقلم: زياد ابو زياد

لا بد من إيجاد وسيلة لفتح قناة للتواصل مع أمريكا إن كنا نريد أن يكون لنا تأثير في مجريات ما يدور بشأن الحل الذي تسعى أمريكا لفرضه علينا بالرغم من أن الإدارة الحالية تتعامل معنا بعجرفة وازدراء وتنظر إلينا كطرف غير فاعل في معادلة أحداث المنطقة بعد أن قررنا مقاطعتها وأعلنا الحرب الإعلامية عليها ، ووجدت من بين العرب من يحرضها علينا ويدعوها إلى إسقاطنا من حساباتها.

فمقاطعة أمريكا لن تؤدي إلى عزلها بل ربما إلى عزلنا ، والمجتمع الدولي مضطر في نهاية المطاف للتعامل مع ما تقرره أمريكا وخاصة في الشأن الشرق أوسطي ، وعلينا أن نحاول على الأقل تخفيف سرعة اندفاع أمريكا والتأثير في ما تُعده من صفقة إقليمية أو إعاقتها وعرقلتها انتظارا لمتغيرات أمريكية أو دولية أو إقليمية قد تحدث وتضطر أمريكا معها الى التخلي عن مبادرتها الحالية التي هي حسب كل المؤشرات والدلائل صفعة تصفوية للقضية الفلسطينية وتكريس للاحتلال والضم والاستيطان.

وعلى الإدارة الأمريكية أن تفهم بأن من الخطأ الفادح تجاهلها للقيادة الفلسطينية وعلى رأسها محمود عباس وادعائها بأن الرئيس عباس لا يريد التفاوض ولا يريد الحل السياسي وقبولها لهذا الادعاء الإسرائيلي المغرض ، وعليها أن تفهم أيضا ً بأنه لن يكون هناك قائد فلسطيني يملك الجرأة والرؤية والمصداقية الوطنية يقبل بأقل مما قبل به الرئيس عباس الذي يبدى قدرا ً مذهلا ً من المرونة والتخلي عن العنف والإيمان بأن الحل لا يتأتى إلا من خلال العمل السياسي والدبلوماسي ويبذل قصارى جهوده لنبذ العنف قولا ً وفعلا ً إيمانا وقناعة لا محاولة لإرضاء هذه الجهة أو تلك.

فالقناعة لدى القيادة الفلسطينية بالحل السياسي لا يجوز أن تكون سببا ً للعداء معها ومحاولة استبعادها رضوخا ً للأهواء والضغوطات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة التي تخشى المرونة والبراغماتية الفلسطينية وتحاول نزع الشرعية عنها والتشكيك فيها. ولا بد من إدراك أن هناك عاملين رئيسيين يؤثران في التحرك الأمريكي ، الأول هو هيمنة اليمين المسيحي الإنجيلي مع اليمين اليهودي الصهيوني على الإدارة الأمريكية الحالية، والثاني هو تبلور قناعة لدى كتلة من الدول العربية بأن القضية الفلسطينية أصبحت عبئا ً عليها وأنها تريد الخلاص من القضية الفلسطينية حتى تتمكن من رفع الحرج عنها في التعامل العلني مع إسرائيل ضد ما تسميه بالخطر الإيراني وترى في إسرائيل الحليف والشريك في الحرب ضد إيران وتقيم معها علاقات أمنية واستراتيجية خاصة تريد أن تنقلها من الخفاء إلى العلن.

وحين نسمع أو نقرأ قول مبعوث الإدارة الأمريكية جيسون غرينبلات بأن الفلسطينيين طرف في التسوية التي تريد إدارة ترمب فرضها ولكنهم لا يملكون قول " لا " لأن الأمر يتعلق بالإقليم لأنه شأن إقليمي ، فإن علينا أن نفهم بأن الخطة الأمريكية التي يتم طبخها تعتمد أساسا ًعلى قبول إسرائيل لها لأنها من صنع إسرائيل في ثوب أمريكي ، كما تعتمد على قبول ومباركة الكتلة العربية آنفة الذكر التي تريد أن " تزيح " القضية الفلسطينية عن الطاولة حتى لو كانت القدس ، بزعم أنها تريد أن تتفرغ لمواجهة الخطر الإيراني.

فالإدارة الأمريكية تمعن في تجاهل الجانب الفلسطيني معتمدة على تلك الكتلة العربية التي ترى فيها بمثابة البديل العربي الذي هو على أهبة الإستعداد لمنح الشرعية العربية للنهج والمخطط الأمريكي الإسرائيلي. فما الذي نستطيع أن نعمله إزاء هذا التكالب العربي الأمريكي الإسرائيلي علينا ؟!

في رأيي المتواضع جدا ًأن على القيادة الفلسطينية أن لا تغلق كل الأبواب مع الإدارة الأمريكية وأن تسعى للبحث عن وسيلة تستطيع من خلالها شرح وجهة النظر الفلسطينية للإدارة الأمريكية مثلما هي على استعداد لشرحها لغيرها في محاولة للتخفيف من سرعة اندفاعها وتهورها. وعلى القيادة في نفس الوقت الكف فورا ً عن مجاملة الدول العربية المتماهية مع أمريكا وإسرائيل وأن تكشف مواقفها وضغوطها عليها وسيرها دون ضوابط أو كوابح في الركب الأمريكي الإسرائيلي.

وعلى إيران أيضا ً ، أن تدرك بأنها في سياساتها إزاء العالم العربي ومحاولاتها للتدخل في الشأن الداخلي العربي وخاصة في اليمن والبحرين وجنوب المملكة السعودية ومناكفاتها المستمرة للملكة قد دفعت العرب إلى حضن أمريكا بحثا ً عن حليف في مواجهة ما هُيء لهم بأنه الخطر الإيراني. وعلى إيران إن كانت تريد أن تحمي مصالحها وأن تخرج من دائرة الاستهداف أن تُدخل تغييرا بمقدار مئة وثمانين درجة في سياساتها الإقليمية وخاصة إزاء الدول العربية ، وأن تكبح جماح الغلاة من بين قادتها وأن تبني جسور الثقة مع جيرانها العرب وتتخلى عن أطماعها في إعادة بناء إمبراطورية فارس.

فالسياسة الإيرانية الحالية هي وصفة دمار لإيران ولحلفائها في المنطقة وصك تبرير لاستمرار العدوان الغربي ضد الشعب العربي في فلسطين وسوريا ولبنان وضد الإيرانيين أنفسهم.

نحن نقف في وسط دوامة من الصراع الإقليمي تغذيها السياسة الإيرانية إزاء دول الجوار من حولها ، وتدير رحاها إسرائيل التي تسعى للهيمنة والسيطرة على الإقليم برمته ومن ورائها الإدارة الأمريكية والأطماع التبشيرية.

ولا شك بأننا في وسط هذه الدوامة من الصراع الإقليمي الدموي المدمر نقف أمام محاولة خبيثة لإعادة صياغة الإقليم سياسيا ً وجغرافيا ً وعلينا أن نظل فاعلين في الساحة السياسية على الأقل لأننا إن لم نتواجد على الخريطة السياسية فلن نستطيع التواجد على الخريطة الجغرافية.