لماذا أصبحنا أكثر تخلّفًا؟

بقلم: الدكتورة أماني القِرم

نحن متخلّفون.. هذه حقيقة لا جدال فيها، والتخلف ليس صفة تخص أحدنا دون الآخر ولا تستثني أيًّا منا مثقفاً كان أو متعلماً. كما أنها لا تحطّ من قدرنا كبشر أو كعرب بل هي سمة عامة مميزة لنا عالمياً كوننا أبناء جزء من العالم يطلق عليه ضمن التصنيف الغربي مصطلح ما يسمى بالعالم الثالث، وهو مرادف الجهل والفقر والتطرف وجملة أزمات تعطينا حصيلة نهائية هي التخلف . ويحلو للبعض ان يخفف من حدة اللغة عبر تصنيف الأشياء فيقول اننا في العالم العربي نشهد تخلفًا تقنيًّا بسبب أوضاع اقتصادية معينة، أو تخلفًا سياسيًّا بسبب الأوضاع الاجتماعية.

وبرأيي أن أنواع التخلف كلها واحدة ترتبط ببعضها البعض عضويًّا ضمن سلسلة متتالية لا يمكن فيها استئصال نوع دون الآخر. ولست هنا بصدد تفسير ظواهر مجتمعية أو فلسفية بل احاول طرح جدلية للنقاش تتمحور حول سؤال لماذا أصبحنا أكثر تخلفا؟؟ وسؤالي نابع من شيئين: الأول: هو الرؤية التي ننظر بها جميعنا للأمور، فمثلاً: نقيس قوة أي مؤسسة بقدرة استحضارها لعدد الخبراء الأجانب فيها، وحين نريد أن نضمن لأولادنا تعليماً متميزاً نضعه في مدرسة أو جامعة أجنبية وياحبذا لو كانت أمريكية. مثال آخر تزاحم بعض الدول العربية على شراء أحدث الأسلحة المصنعة غربيا لتفاخر بقدرتها العسكرية. ومثال ثالث وعجيب بات الاتصال التليفوني لرئيس أمريكا بأحد الزعماء العرب هو العنوان الرئيسي والأهم في نشرات الأخبار وهلمّ جرا..

الشيء الآخر: هو مناسبة اندلاع الثورات العربية، ففي مثل هذا الشهر من العام 2011 قامت موجات ثورية في العالم العربي، ويعترض كثير من السياسيين على التسمية باعتبار أنها حركات احتجاجية لم تصل الى مرحلة الثورة، بينما آخرون يعتبرونها مؤامرة خارجية لاختراق العالم العربي ـــ رغم أنه لم يكن هناك قبلها أية بوادر لنظام عربي وحدوي أو طليعي ــــ وبغض النظر عن اختلاف مسمياتها ومطالبها الا ان هذه الموجات كانت تسعى في النهاية الى إحداث تغيير على جمود الوضع القائم عبر مطالب إصلاحية تطورت لمطالبات بتغيير أنظمة الحكم . والتغيير في المفترض يقود الى التحسين، ولكن النتيجة بعد سبع سنوات هي فوضى عارمة ومزيداً من الاختراق الخارجي وتدهور الوضع الداخلي لنصبح أكثر تخلفاً. فهل يا ترى السبب هو المطالبة بالتغيير؟ في المطلق لا..

لقد جُبل العقل العربي على الولاء للعشيرة والقبيلة والقائد، وهو الأمر الذي يعني استمرارية الوضع القائم وبالتالي إلى حتمية الاستقرار. بمعنى أن هذه الاستمرارية هي الضمان الوحيد للأمان، فمع مرور السنين تتولد قوى مجتمعية واقتصادية ونخب ثقافية وفكرية تستفيد وتدين بالولاء للسلطات الحاكمة. وأخطر ما أنتجته ثورات عام 2011 هو تسويق سيادة معادلة التغيير يساوي الفوضي عبر هذه النخب.

كما أنه من الملاحظ تصارع قوتين بخطين متوازيين لدحض هذه الثورات: الأنظمة القائمة والفكر الديني السياسي . ومن الطبيعي أن تعمل الأنظمة القائمة برجعيتها وبيروقراطيتها في الاتجاه المضاد للثورات للحفاظ على حياتها. أما الفكر الديني السياسي فقد قام بالعزف على وتر الدين واستغلاله لحساب السياسة عبر إسباغ الفتاوي على كل تحرك مجتمعي إما بالتحليل إو بالتكفير حسب المصلحة. ومن يعارض.. عذاب في الدنيا والآخرة بناء على رؤيتهم بالطبع . والمفارقة أن هذا الفكر هو البديل الجاهز الوحيد لأي سلطة سياسية عربية قائمة والتي بدورها تتخذه كفزاعة للمواطنين.

إن الجمود الذي يجتاح العالم العربي اليوم والشكلية السياسية سببهما تهالك البنية الاجتماعية والاقتصادية والتي تقود الى غياب التنمية الفكرية التي توقفت عن إصدار مشاريع تنويرية ترتكز على إعمال العقل دون تغييب الوعي تستطيع أن تواجه المشاريع الفكرية التي ترسخ نشر الغيبيات والوعي السلبي . أصبحنا أكثر تخلفًا لأننا نحارب التغيير ونقضي على أية محاولات لأفكار إبداعية واجتهادات خلاقة على صعيد الدولة والدين والمجتمع ونبقى في فلك التاريخ الذي مضى..

amaney1@yahoo.com