ترامب يلقي الثلاثاء خطابه عن حالة الاتحاد وسط عزلة غير مسبوقة لاميركا

واشنطن - "القدس" دوت كوم-سعيد عريقات- سيلقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء غد الثلاثاء، 30 كانون الثاني 2017 خطابه الأول عن "حالة الاتحاد" منذ توليه الرئاسة قبل أكثر من عام المادة الثانية ، الفقرة الثالثة من الدستور الأميركي الذي يقتضي أن يوجه الرئيس رسالة (شفوية أو مكتوبة) إلى الكونغرس يفصل فيها أوضاع البلاد.

ومن المتوقع أن يسلط الرئيس ترامب في خطابه الأول عن حالة الاتحاد الضوء على "إنجازاته البالغة" وعلى القضايا المحلية التي تشغل الرئاسة مثل الاقتصاد والأمن والهجرة والانقسامات الأميركية الحزبية ويطالب بتمويل "الجدار" الذي سيشيده على الحدود مع المكسيك (بقيمة 20 مليار دولار) مقابل عدم طرد قرابة مليون ونصف مقيم في الولايات المتحدة المقيمين تحت قانون مؤقت يسمى بـ"قانون الحالمين" كما سيتحدث أيضا عن إنجازاته في مجال السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي، وإستراتيجيته للأمن القومي التي كشفها يوم 18 كانون الأول الماضي التي اعتبرها مرتكزه الأساسي للمضي قدماً في تنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة، والتي تشمل التعامل مع الصين وروسيا كقوتين منافستين، ومواجهة ما وصفه بـ"الأنظمة المارقة"، في إشارة إلى نظامي كوريا الشمالية وإيران، فضلاً عن التهديدات الإرهابية.

واعتمد ترامب في إستراتيجيته التي أعلنها بعد مرور أسبوعين على اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة إسرائيل على أربعة ركائز أساسية وهي:

1) حماية الوطن والشعب الأمريكى وطريقة الحياة الأمريكية.

2) تعزيز الرخاء الأميركي.

3) الحفاظ على السلام من خلال القوة.

4) الدفع قدماً بتأثير الولايات المتحدة. كما أنه من المحتمل أن يصيغ سياسته الخارجية في خطابه من منظار "الاحتفال بالعظمة الأميركية كمثال ساطع للعالم".

ومن المتوقع أن يعرج الرئيس ترامب سريعا على "اعترافه بالقدس عاصمة إسرائيل" تنفيذا لقرار الكونغرس عام 1995 وإدانته لـ "الاتفاق النووي الإيراني" كأسوأ صفقة في التاريخ وبرنامج كوريا الشمالية النووي.

ويعتبر الكثير من الخبراء أن سياسة ترامب الخارجية خلال عامه الأول كانت في أفضل حالاتها "مرتبكة" وفي أسوأ حالاتها "غير عقلانية وغير مترابطة محفوفة بالتخبط والتقلب" بحسب قول استاذ العلوم السياسية (الشرق أوسطية) في جامعة أوكلاهوما جاشوا لانديس.

ولعل من أبرز قرارات ترامب بعد مرور أكثر من عام على رئاسته هو قراره الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل وعزمه نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس وخفض المساعدات الأميركية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أنوروا) بأكثر من 52% ومن ثم إعلانه الخميس الماضي أنه سيجمد المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية عقاباً للفلسطينيين الذين "ينكرون الجميل" حيث قال "عندما أبدوا (الفلسطينيون) عدم احترام تجاهنا قبل نحو أسبوع بعدم سماحهم لنائب الرئيس (مايك بينس) بمقابلتهم، ونحن نعطيهم ملايين الدولارات مساعدات ودعما، وهي أرقام هائلة، أرقام لا يفهمها أحد. "هذه الأموال لن تذهب إليهم ما لم يجلسوا ويتفاوضوا من أجل السلام".

وتشير المراجعة الفعلية لسياسة ترامب الخارجية أنه باستثناء قراره تبني المواقف الإسرائيلية الليكودية بشكل كامل، لم يطرأ الكثير على السياسة الخارجية الأميركية رغم الشعارات الرنانة مثل "أميركا أولا". ولعل المتابع يستكشف أن درجة محاكات السياسة الخارجية الأميركية التي تمت ممارستها أثناء إدارة الرئيس السابق باراك أوباما هي نفسها وأن درجة الاستقرار في إدارة عجلة السياسة الخارجية الأميركية عالية، رغم الانطباعات المعاكسة، والتي تنبع أحيانا من عدم محبة العالم لسلوك الرئيس الأميركي ترامب، خاصة وأن العالم (باستثناء إسرائيل وحفنة من الدول الأخرى) ينزعج من لجوء الرئيس الأميركي إلى الابتزاز حيث هدد الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة بقطع المساعدات المالية عنهم في حال تصويتهم إلى جانب الفلسطينيين وضد قراره الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل كما فعل يوم 21/12/2018 الماضي.

وبالنسبة لحلف الناتو كان ترامب قد رفع سؤالا بشكل فج عما إذا تجاور الزمن حلف الناتو، ولكنه لم يتغير شيء بالنسبة لموقع الولايات المتحدة، فلا زالت الولايات المتحدة عضواً كاملاً، وتعهد ترامب باحترام المادة 5 ، والتي تُلزم الولايات المتحدة بالدفاع عن أي عضو في الناتو.

أما عن سياسة الولايات المتحدة اتجاه روسيا، فبالرغم من النقد اللاذع لها، إلا أن واقعها مشابهٌ جداً للسياسات التي كانت قبل انتخاب ترامب، حيث فرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية على روسيا، والتي تؤكد أن العلاقات الثنائية هي الأسوأ منذ عقود (علما أن العقوبات أعلنها الكونغرس ابتداءً ولكن عارضها ترامب) في حين ان مصالح الولايات المتحدة في أوكرانيا مشابهة جداً كما هي التزامات الولايات المتحدة مع دول البلطيق وأوروبا الوسطى والشرقية، حيث تتموقع القوات والمناوبات والتدريبات.

وحتى بالنسبة لإيران ، فإن الرئيس يرفع وتيرة التوتر مع إيران كون ذلك يعزز من شعبيته لدى قاعدته وحزبه الجمهوري الذين يعتبرون "صفقة النووي الإيراني هي نتاج الديمقراطيين ولا بد من تعديلها، إلا أن الاتفاق لا يزال قائماً ، رغم محاولات الإدارة إرباك الاتفاق من خلال المزيد من العقوبات على إيران كون ذلك ينسجم مع الإستراتيجية الإسرائيلية.

أما بالنسبة لمواجهة إيران في الساحة اليمنية فإن إدارة ترامب تؤدي دورا مزدوجا في محاربة القاعدة، من خلال طائراتها المسيرة في حضرموت ومأرب، لكنها تدعم الصراع العربي بقيادة السعودية والإمارات ضد أنصار الله الحوثيين وتغذيه لصالح التحالف لإضعاف الكماشة الإيرانية الداعمة للحوثيين وإشغالها في هذه الساحة المعقدة وحرفها عن بؤرة الصراع مع إسرائيل.

أما في سوريا فهنالك من يقول أن الولايات المتحدة لا تمتلك إستراتيجية واضحة فيها، حيث أن الرئيس السابق أوباما ابتدأ حملة القصف "لداعش" منذ شهر آب 2014 والذي استمر عبر سنة ترامب الأولى علما بأن ترامب قرر التدخل بشكل مباشر ، وقام بقصف الأراضي السورية في 6 نيسان 2017 الماضي ومن ثم أمر إنزال جنود القوات الأميركية الخاصة والعمليات الخاصة في الرقة وتحالف مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية، وهو الآن بصدد إنشاء حرس حدود أو أمن داخلي يضم اكثر من ثلاثة الآف متطوع من هذه القوات، لرسم معالم كيان كُردي مستقل على الحدود التركية مع تنسيق الأوضاع مع روسيا في تقاسم النفوذ، ما أثار الحليف التركي ودفعه للتقارب مع الروس والإيرانيين، ومهاجمة عفرين والسيطرة على مساحات كبيرة في الأراضي السورية.

وفيما يخص السياسات الداخلية، وفي الوقت الذي لم يحقق ترامب فيه الكثير من وعوده الانتخابية ، حيث لم يستطيع إلغاء برنامج الرعاية الصحية "أوباما كير"، ولم يستطع (حتى الآن)أن يشرع ببناء جدار الفصل مع المكسيك ولازالت سياساته تجاه المهاجرين عنصرية وغير مرضية، كما وأخفق في تمرير قانون الموازنة، واقتصر على موازنة مؤقتة بسبب تمسكه بتمويل جدار المكسيك وزيادة الإنفاق العسكري على حساب وزارة الخارجية، كما انه ما يزال (ترامب) يهاجم الإعلام، ولا زال الأمن الداخلي يتعرض لتحديات وثغرات وهجمات إرهابية، في وقت تمكن من تمرير قانون "تخفيض الضرائب" الذي يستفيد منه الأغنياء في الولايات المتحدة بامتياز.

ويستطيع ترامب التبجح بالوضع الاقتصادي (خاصة البورصة)، واحراز تقدم اقتصادي ملحوظ (واكتفاء الولايات المتحدة ذاتيا من خلال استخلاص النفط الصخري) بالمجمل، ولكن مع ذلك هنالك احتجاجات وأصوات معارضة لسياسات ترامب الداخلية والخارجية ، حيث يتهمه البعض بوضع الولايات المتحدة في حالة عزلة بسبب انفراده بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وانسحابه من اتفاقية المناخ في باريس واتفاقية التجارة الحرة مع الصين وإعادة التفاوض حول معاهدة نافتا لدول أمريكا الشمالية لأنها لا تروقه.

ويخشى البعض أنه في ظل إدارة ترامب فانه يبدو ان واشنطن سترسخ في سياساتها الخارجية والداخلية خيارات حرجة ستنعكس سلبياً على المبادئ الديمقراطية والليبرالية للمجتمع الأميركي وتدفع لتبني مفهوما يجعل أمريكا تسير ضد العالم برمته، وهو طرح وخيار يتعارض ويتنافى مع صورة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية.