نصرة القدس.... وقوة مصر الناعمة

بقلم: اللواء محمد عبد المقصود

شكل موقف الأزهر الشريف بإقامة مؤتمر دولي نصرة للقدس ـ الذي عقد في القاهرة على مدى يومين ـ حدثاً مهماً يوضح أن للقدس مرجعياتها الدينية الكبرى التي تدافع عنها، فحضور ممثلي الديانات الثلاث، وبمشاركة ممثلين من 86 دولة، فيه رسالة للعالم أجمع بأن حماية القدس ليست مسئولية الفلسطينيين وحدهم، بل للمسلمين والعرب عامة، فالرسالة واضحة بأن الشعوب العربية والإسلامية لن تتخلى عن الأرض والمقدسات الدينية للاحتلال الإسرائيلي، وكذلك القرار الأخير الذي اتخذه الإمام الأكبر برفضه استقبال نائب الرئيس الأمريكي، في دلالة واضحة على موقفه المشرف والرافض لقرارات أمريكا الباطلة والظالمة بحق الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية، هذا بالإضافة إلى موقف بابا الأقباط في مصر البابا تواضروس الذي استنكر هذا القرار، ومناشدة القيادات الدينية المسيحية بضرورة التصدي لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي تهويد الأماكن المقدسة للمسيحيين والتي تخص أكثر من ملياري مسيحي في العالم، وبما يمكن أن يشكل مزيداً من الضغوط على القيادة الأمريكية للتراجع عن قرارها الظالم ضد مدينة القدس، ولكبح جماح سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الاستمرار في إجراءاتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني والمدينة المقدسة.

ويكتسب مؤتمر الأزهر أهمية خاصة نتيجة مشاركة العديد من الشخصيات التي تمثل الطوائف الدينية الثلاث، ومن ثم تأثير المؤتمر على المحيطين العربي (الإسلامي/المسيحي/اليهودي)، والإسلامي، بما يكمل الدائرة المحيطة بالقدس، حيث عقد المؤتمر احتجاجاً على إعلان الإدارة الأمريكية اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل ونيتها نقل سفارة بلادها من تل أبيب إلى المدينة المقدسة، كما أن عقد مؤتمر الأزهر الدولي جاء بعد نحو شهر من قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في إسطنبول بتركيا، ومن شأن استمرار عقد المؤتمرات واستمرار الحراك والتحرك الشعبي والرسمي، السياسي والميداني الفلسطيني، كذلك استمرار عقد المؤتمرات، والندوات وحتى التظاهرات في المحيط العربي والإسلامي، أن يواصل الضغط من أجل سحب الإعلان الأمريكي، خاصة بعد تراجع الإدارة الأمريكية عن تمرير «صفقة القرن» ، واضطرارها إلى عدم تضمين زيارة نائب الرئيس مايك بنس رام الله، كما أنها اضطرت ترامب شخصياً إلى نفي ما أعلنه نيتانياهو من أن نقل السفارة سيكون هذا العام.

وقد أكد الأزهر الشريف رفضه أي محاولات للتأثير على مستقبل قضية القدس، كما اقترح شيخ الأزهر «أحمد الطيب» تخصيص عام 2018 ليكون عاماً لمدينة القدس يشمل تعريفاً به ودعماً مادياً ومعنوياً، ونشاطاً ثقافياً وإعلامياً متواصلاً لدعم قضية القدس، فضلاً عن مبادرة الأزهر بتصميم مقرر دراسي عن القدس الشريف يُدرَّس في المعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر لترسيخ الصورة الذهنية لدى العرب والمسلمين بأن القدس هي العاصمة الأبدية لدولة فلسطين المستقلة، والتي يجب العمل الجاد على إعلانها رسميًّا والاعتراف الدولي بها، مع الرفض القاطع لقرارات الإدارة الأمريكية الأخيرة، مع حث الهيئات والمنظمات العالمية للحفاظ على الوضع القانوني لمدينة القدس، وتأكيد هُويتها، وبما يبرز دور الأزهر في تشكيل الفكر الإسلامي والتأثير في وجدان المسلمين.

ولا غرابة في تعمد التيارات المتأسلمة التي تعمل وفق أجندات خارجية التسفيه من شأن الأزهر ومحاولة الاعتداء على شيخه الجليل والمساس برموزه الدينية لأن القوى الدولية التي كانت تشجعهم تعلم قيمة هذه المؤسسة العظيمة ودورها في حماية المقدسات الإسلامية ، وتشكيل وجدان المسلمين الذين شكلوا حائط الصد في مواجهة القوى الاستعمارية التي حاولت السيطرة على القدس عبر التاريخ . تجدر الإشارة إلى حرص الرئيس محمود عباس على استثمار المؤتمر لكسب مساندة الأمة العربية والإسلامية لدعم القدس والمسجد الأقصى الذي يتعرض شهرياً لنحو 40 اعتداء من قبَل سلطات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، ويشمل ذلك اقتحامه وتدنيسه من مسئولين ونواب ومجموعات استيطانية، مؤكداً أن التواصل العربي والاسلامي مع فلسطين والفلسطينيين ومع مدينة القدس وأهلها على وجه الخصوص، هو دعم لهويتها العربية والاسلامية وليس تطبيعاً مع الاحتلال أو اعترافاً بشرعيته، بل إن الدعوات لعدم زيارة القدس، بدعوى أنها أرض محتلة لا تصب إلا في خدمة الاحتلال ومؤامراته الرامية إلى فرض العزلة على المدينة.

وقد رحب علماء الأزهر في ختام مؤتمر الأزهر لنصرة القدس بدعوة الأزهر بتخصيص عام 2018 للقدس، والتي فتحت الباب من جديد لزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى بعيداً عن التطبيع الذي يتخذه البعض ذريعة لمقاطعة تلك الزيارة. ولا شك فإن مطالبة الرئيس الفلسطيني العرب والمسلمين والمسيحيين بزيارة القدس الشريف وبكثافة لدعم عروبة مدينة القدس وشعبها ستجد صدى كبيرا لدى الشعوب العربية والإسلامية، ولكن لا ينبغي ممارسة أي ضغوط للتأثير في قناعات المواطنين، ولتترك القيادات السياسية والدينية الحرية للأفراد لاتخاذ المواقف التي يرونها مناسبة، فليس هناك خيانة دينية او اخلاقية او سياسية او ثقافية باتفاق الجميع من شد الرحال إلى المسجد الأقصى والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في الأراضي الفلسطينية.

إلا أن هناك واجبا على القيادة الفلسطينية لمواجهة انتهاك حرمة الأماكن الدينية المقدسة، من خلال دعوة المجموعة العربية وأعضاء المجتمع الدولي بأسره إلى إبرام معاهدة دولية يكون موضوعها الأوحد حماية الأماكن الدينية المقدسة وتحريم ما ينتهك هذه القدسية، إضافة إلى عرض هذه الانتهاكات لدى المنظمات الدولية وتذكيرها بأن الأراضي المحتلة تحت حماية المجتمع الدولي كله، وعليه حماية المقدسات، وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة وأن الأمر ليس منوطاً بالجانب الفلسطيني والإسرائيلي، لاسيما مع مواصلة الجانب الإسرائيلي مساعيه لفرض سياسة الأمر الواقع في تهويد القدس، وفي إقامة حفريات تحت الأقصى المبارك.

...عن «الأهرام» المصرية