التفكير خارج الصندوق

بقلم: الدكتورة أماني القِرم

من المعروف أن التفكير داخل الصندوق هو نمط تقليدي للتفكير يقدم حلولاً متوقعة ومتعارف عليها لمشكلة ما ضمن حدود المتاح، بينما التفكير خارج الصندوق هو الإبداع والابتكار لحلول جديدة تتحدى الأفكار التقليدية والنمطية المسيطرة على العقل.

ويعد الصراع الفلسطيني الاسرائيلي أحد أبرز الصراعات التي يمكن أن يطبق عليها هذا النوع من التفكير خاصة أن جميع الطرق التقليدية لحله قد باءت بالفشل. فحين تم توقيع قرار نقل السفارة الأميركية للقدس دافعت الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية عن هذا القرار بالقول أن "ترامب فكر خارج الصندوق"، رغم أنني أعتقد أنه قد أطاح بالصندوق كله. على أية حال وكمثال لهذه المقاربة وفي محاولة لكسب بعض من أوراق اللعب الفلسطينية في هذا الصراع، نجد أن هناك ثلاثة محاور مهمة من الضروري أن تتمركز ضمن أبجديات العمل الفلسطيني والتي يمكن أن تغيّر المعادلة: الجبهة الداخلية، والموقف العربي ، والإطار الدولي.

الجبهة الداخلية: لا مجال في هذا المضمار سوى توحيد الصف الداخلي، فالمجتمع الفلسطيني منقسم بين كتلتين كبيرتين هما فتح وحماس، والشكل الحالي لسيطرة كل منهما على قسم من الأرض الفلسطينية هو صيغة غير مقبولة وغير نافعة لتحقيق رؤية كليهما في ظل جملة المتغيرات في موازين القوى. وسياسة الخطوة - خطوة في تحقيق المصالحة هي سياسة فاشلة بكل المقاييس ولا تجد لها صدى على أرض الواقع. حيث لا يمكن الإمساك بملف والانتهاء منه ثم الانتقال للملف الذي يليه فتكتشف أنه يعيدك إلى المربع الأول. فجميع الملفات العالقة بين الطرفين متشابكة ومعقدة ويجب التعامل معها كرزمة واحدة. حماس أظهرت براجماتية ملفتة يمكن للسلطة الفلسطينية أن تستفيد من هامش المرونة لديها لاحتوائها والتوصل لتسوية داخلية تتضمن شراكة حقيقية في جميع الأطر المؤسساتية الفلسطينية.

الموقف العربي: إن الاعتماد المطلق على أن الموقف العربي سيبقى بجانبنا دوماً يعتبر فرضية أكل الدهر عليها وشرب. وهذا ليس معناه أن الدور العربي غير مهم، بل بالعكس، فإن تسوية فلسطينية اسرائيلية هي مصلحة عربية بالأساس. ولكن يجب علينا كفلسطينيين من كلا الحركتين الكبريين فتح وحماس استيعاب متغيرات الوضع الاقليمي والمصالح العربية والتهديدات التي تواجهها وأولوياتها أيضاً فالإيثار ليس من صفات الدول . وعليه فإن ربط المصلحة العربية بالمصلحة الفلسطينية هو أمر ليس سهلاً ولكنه ضروري للخروج من المأزق.

الإطار الدولي: ليس فقط أوروبا بعد الانحياز الأمريكي لاسرائيل، بل يجب تنويع مصادر الدعم من الدول التي يمكن أن تؤيد حقنا كفلسطينيين في أمريكا اللاتينية وشرق وجنوب آسيا وأفريقيا. واتباع أسلوب الدبلوماسية الشعبية هو أنجح طريق لكسب التعاطف الشعبي والرسمي لهذه الدول. لا يجب الاعتماد فقط على الصورة النمطية للفلسطيني المقهور من الاحتلال فهي صورة باتت مملة في العالم ويجب تجديدها لإمكانية توصيل رسالتنا بصورة تناسب العصر ومقتضياته.

لا شك في أننا بحاجة إلى مراجعة فكرية لوضع رؤية سياسية واضحة تناسب الظروف الدولية الحالية والإقليمية لأن دونها الفشل الذريع هو الناتج الحقيقي. والمراجعة الفكرية تتطلب تغييراً وتنويعاً وتجديداً في العقول والأفكار والشخوص لتقييم النتائج وتمييز القيّم من السفه والدجل السياسي.

ومع الاحترام لكافة القرارات التي اتخذت في المجلس المركزي إلا أنني أجد أننا مازلنا نفتقد لفلسفة ورؤية سياسية جامعة يمكن أن يضعها مجلس حكماء يجمع شخصيات فلسطينية متعددة من الخارج والداخل يضع أهدافا تكتيكية ويرسم سياسات قصيرة وطويلة المدى.

amaney1@yahoo.com