المجلس المركزي والرسالة الفلسطينية

بقلم: اللواء محمد عبد المقصود

بدأ المجلس المركزي الفلسطيني اجتماعاً غير عادي أمس لمدة يومين، بعنوان «القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين» لتحديد سبل الرد على القرارات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بالقدس والضفة الغربية (الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، والبدء بإجراءات نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وتصويت حزب «الليكود» الحاكم على ضم المستوطنات المقامة في الضفة الغربية والقدس إلى إسرائيل - قرار الكنيست بعدم تغيير حدود مدينة القدس «الموحدة» إلا بموافقة ثلثي أعضاء الكنيست «80 عضواً »، في الوقت الذي رفضت فيه حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» المشاركة في الاجتماع احتجاجاً على عدم التنسيق معهما بشأن المبادئ الحاكمة لمواقف القوى والفصائل المشاركة، حيث يرتبط عدم حضور حركة «حماس» والذي يمثل أول مشاركة لها بالمجلس برغبتها في إدخال تعديلات لإصلاح مسار المنظمة، وتغيير ميثاقها السياسي ليسمح بانضمام الحركة، أما فيما يتعلق بمشاركة الجهاد الإسلامي فهناك عدة أسباب منها رفض المفاوضات مع إسرائيل، وتبني نهج الكفاح المسلح كخيار استراتيجي، مع عدم الاعتراف بدولة فلسطين على حدود 1967، والمطالبة بالعودة إلى حدود 1948والقدس الشريف كاملة عاصمتها، فضلاً عن رغبتهما في عقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت, تمهيداً لتشكيل حكومة وحدة وطنية لإدارة الأراضي الفلسطينية، والدعوة لتشكيل آلية دولية لحل القضية الفلسطينية، تكون برعاية الأمم المتحدة، في ظل الانحياز الأمريكي الكامل لإسرائيل.

يعد المجلس المركزي أكبر هيئة تشريعية منبثقة عن المجلس الوطني الفلسطيني (أعلى هيئة تشريعية تمثيلية للشعب الفلسطيني) وهو مسئول أمامه، ويتكون من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس المجلس الوطني، وممثلين عن فصائل حركة المقاومة والاتحادات الشعبية والكفاءات الفلسطينية المستقلة، وبالتالي فإن الرسالة الفلسطينية من وراء قرارات المجلس المركزي وهو الإطار الأعلى تشريعاً في منظمة التحرير الفلسطينية، تفوق بمضمونها الرمزية، لأنها تدخل في نطاق الفعل، إلا أن امتناع فصائل التيار الديني عن المشاركة يضعف من فرص التوافق على آليات لتنفيذ ما يتم التوصل إليه من قرارات داخل المجلس، حيث تشير محصلة مناقشات اللجنة السياسية المعنية بالتحضير للقرارات ( تضم أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقادة الأحزاب الفلسطينية الأعضاء بالمنظمة)، إلى السعي لطرح مسألة تعليق اعتراف المنظمة بإسرائيل لحين اعتراف الأخيرة بالدولة الفلسطينية، والعمل على اعتبار فلسطين دولة محتلة ووضع خطة للانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة، مع البدء في تحديد العلاقات الأمنية والاقتصادية والسياسية مع إسرائيل، تنفيذاً لقرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة التي عقدت عام 2015، مع تأكيد ضرورة العمل من خلال مجلس الأمن لتوفير حماية دولية للفلسطينيين، والتقدم أمامه مجددا بطلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، خاصة بعد تصويت 138 دولة في نهاية عام 2012 على عضوية فلسطين في الأمم المتحدة كدولة مراقب، فضلاً عن بذل مزيد من الجهود لفتح تحقيق قضائي من قبل المحكمة الجنائية الدولية التحقيق في جرائم حرب ارتكبها قادة إسرائيليون ضد الفلسطينيين.

تتزامن التحركات الفلسطينية مع تنامي حملة التحريض التي يشنها كل من قادة إسرائيل، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو، والسفيرة الامريكية لدى الامم المتحدة نيكي هيلي ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، حيث كان من المتوقع أن تدفع الولايات المتحدة 125 مليون دولار لوكالة الغوث «الأونروا» مع بداية الشهر الحالي، غير أن ذلك لم يحدث، وذلك لإجبار الجانب الفلسطيني على العودة إلى مائدة المفاوضات، وبما يطرح العديد من المخاطر على قيام الوكالة بدورها في مجالات التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية للاجئين، خاصة مع تقاعس عدة دول ومنظمات دولية عن دفع التزاماتها للوكالة، والتزام الولايات المتحدة بتحمل ثلث ميزانية وكالة الغوث، وليس هناك مجال للشك ان وكالة الاونروا تتعرض لعملية تصفية تدريجية مركزة، تشارك فيها بعض الدول الأوروبية والمنظمات الدولية والاقليمية، بهدف التمهيد لإنهاء ملف اللاجئين الفلسطينيين وشطب حقهم في العودة، وتوطينهم في اماكن وجودهم، وتحويل الوكالة الى وكالة إقليمية تمولها الدول العربية كمدخل لنزع البعد الدولي من قضية اللاجئين، وتحويلها الى قضية عربية إقليمية، عبر مشاريع التطوير الحضري والتمليك تمهيداً لإلغاء مخيمات اللاجئين.

وفي ضوء خطورة المرحلة الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية فإن اجتماع المجلس المركزي يجب أن يكون بداية لتحقيق وحدة وطنية حقيقية شاملة في المنظمة والسلطة، وعلى أساس برنامج وطني يجسد القواسم المشتركة، من أجل مسار جديد وعملية سياسية جديدة في إطار الأمم المتحدة، من خلال مؤتمر دولي مستمر وكامل الصلاحيات، وتكون مرجعيته القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، واعتبار فلسطين دولة تحت الاحتلال، ومن ثم استمرار المواجهات ضد الاحتلال بكل أساليبها المشروعة، كما يجب على المحتل أن يدفع ثمن استمرار احتلاله، وسيطرته على مقدرات الشعب الفلسطيني، وبما يتطلب ضرورة تعامل القوى الفلسطينية بواقعية مع طبيعة المرحلة الراهنة، حتى لا يكون منبراً للخطابة والمزايدات، وتكون قراراته قابلة للتنفيذ.

عضو مركز الدراسات الإسرائيلية

عن «الأهرام» المصرية