اقتصاد غزة يدخل مرحلة موت سريري

رام الله- "القدس" دوت كوم- بعد انقضاء نصف النهار دون أن تبيع سوى اليسير من خضرواتها المعروضة على بسطتها، اضطرت الستينية أم رامي الديب للوقوف على قدميها والمناداة على المارة علهم يبتاعون بضاعتها المعرضة للتلف.

لكن نداءات الفلسطينية وإغراءها للزبائن بتخفيض الأسعار لم تفلح في جذبهم للشراء، وبقيت بضاعتها كالطماطم والخيار والبطاطس والفلفل والزهرة وغيرها مكدسة على حالها، كباعة كثيرين يعجزون عن تصريف بضاعتهم جراء التراجع الحاد في الحركة الشرائية.

وبدأ هذا التراجع يتصاعد -حسب حديث بائعة الخضار للجزيرة نت- بعد إجراءات السلطة الفلسطينية المتعلقة بخصومات الرواتب على موظفيها قبل ثمانية أشهر، خصوصا أنهم يمثلون جزءا أساسيا من الفئات القادرة على إنعاش الأسواق بمجرد استلامهم للرواتب الشهرية.

وساهمت هذه الأوضاع في عدم مقدرة أم رامي على توفير الاحتياجات الأساسية لعائلتها المكونة من عشرين فردا من الأبناء والأحفاد، بعد أن كانت تساهم في إعالتهم منذ عشرين عاما.

وإذا كان الحال بهذا السوء مع بائعة في سوق شعبي، فإنه أكثر صعوبة مع خضر أبو ندا صاحب مصنع لمستحضرات التجميل والأدوية، جراء تعرضه للحبس سبع مرات لعدم مقدرته على الإيفاء بالتزاماته المالية، بعدما كان يزود مؤسسات حكومية بمستلزمات بملايين الشواكل في سنوات سابقة.

انهيار التجارة...

ورغم أن أزمة أبو ندا بدأت منذ احتراق مصنعه خلال حرب عام 2014 فإنها تفاقمت بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، إذ لم يفلح في تصريف منتجاته بالأسواق كجزء من تداعيات انهيار الحركة التجارية واستمرار دفعه للضرائب رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية، وفق حديثه للجزيرة نت.

ويضاف إلى تراجع الحركة الشرائية إلى حدودها الدنيا وبلوغها أقل من الثلث منذ عدة أشهر، كجزء من مؤشرات تدهور الأوضاع الاقتصادية؛ الأزماتُ المركبة والمتناقضة بالعلاقات التجارية والسيولة الضعيفة والعجز الشامل وارتفاع أعداد الشيكات المرجعة بصورة غير مسبوقة، بحسب رئيس جمعية تجار الألبسة في غزة عماد عبد الهادي.

وتكشف مؤشرات رسمية وأهلية أخرى عن تفاقم الأوضاع الاقتصادية بغزة، حيث تزيد نسبة البطالة عن 42%، في حين تبلغ معدلات الفقر 65%، وتجاوز انعدام الأمن الغذائي 70%، بينما يعتمد 80% من السكان على المساعدات المقدمة من المؤسسات الإنسانية كوكالة الغوث وغيرها.

وتعاني القطاعات الاقتصادية بمختلف مجالاتها من منع الاحتلال إدخال أصناف كثيرة من احتياجاتها الأساسية منذ شدد الحصار على غزة عام 2007، إضافة إلى منعه التصدير خارج القطاع إلا بحدود ضيقة للغاية.

ويعزو رئيس جمعية تجار الألبسة بلوغ الأوضاع الاقتصادية ما يصفها بحافة الانهيار ودخولها مرحلة الموت السريري، إلى استمرار الحصار الإسرائيلي وإجراءات السلطة الفلسطينية المتعلقة بخصومات الرواتب والتقاعد المبكر وضعف وتوقف رواتب موظفي حكومة غزة السابقة، إضافة إلى تعرض القطاعات الاقتصادية لإنهاك وضغوط كبيرة طوال سنوات الانقسام.

منطقة منكوبة...

وبينما يؤكد رئيس الجمعية للجزيرة نت أن سوء الأحوال الاقتصادية حاليا غير مسبوق حتى في أشد فترات الحصار والحروب، يتوقع أن يكون العام الحالي كارثيا وأقرب إلى عام رمادة إذا لم تتدخل الحكومة بإجراءات عاجلة لإنقاذ الحياة الاقتصادية واعتبار غزة منطقة منكوبة.

وبالتوازي مع بدء بعض الأسواق الغزية تنظيم إغلاقات لمحالها التجارية احتجاجا على سوء الأحوال الاقتصادية، تداعت غرفة تجارة وصناعة غزة إلى عقد اجتماع موسع للتجار ورجال الأعمال لتفادي انهيار كامل خلال الفترة المقبلة.

هذا الانهيار يحذر رئيس غرفة تجارة وصناعة غزة وليد الحصري من حدوثه، في ظل غياب أفق قريب لحل ينتشل القطاع الخاص وينقذ معه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية في غزة.

وفي مقابل وصف الحصري أثناء حديثه للجزيرة نت المرحلة الراهنة في غزة بالأصعب والأكثر سوءاً وتدهوراً، طالب بالمضي قدماً في المصالحة الوطنية لإعطاء أمل للفلسطينيين، ثم اتخاذ الحكومة قرارا بإعفاء القطاع الخاص من الضرائب لمدة عام كحد أدنى، والضغط لإنهاء الحصار الإسرائيلي بشكل كامل.

ولم يستبعد المسؤول الفلسطيني انهيار المنظومة الاقتصادية بشكل أوسع خلال الفترة المقبلة، مما قد يضطر التجار ورجال الأعمال إلى اتخاذ خطوات تصعيدية، من بينها إغلاق الأسواق والمحال والمرافق التجارية بالكامل، وفق تقديره.