القدس مهد الأنبياء

بقلم:محمد خليفة

خرجت المسيرات الحاشدة للتعبير عن الغضب، خاصة يوم الجمعة الماضي، بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وخرج بعدها أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، في شريط يدعو فيه المسلمين إلى تجنب الغضب، مذكراً إياهم بحديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، الذي يقول فيه إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ. وهكذا فضيلة العلامة، أدرعي، ينصح المليار ونصف المليار مسلم، الذين غضبوا بسبب قرار ترامب، بأن يلتزموا السنة النبوية عند الغضب، ولم تكد تمضي ثلاثة أسابيع على القرار الأمريكي حتى كشف وزير الإسكان الإسرائيلي أن حكومته تخطط لبناء مليون وحدة استيطانية في الضفة الغربية ومدينة القدس.

إن صورة الرئيس الأمريكي، وهو يحمل دفتر التوقيع، لن ينساها التاريخ، باعتبارها لحظة فارقة، ليست فقط في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، وإنما في تاريخ المنطقة، وربما العالم أجمع. فإذا كان هذا القرار بالنسبة للرئيس ترامب يمثل وعداً انتخابياً قطعه على نفسه إبان حملته الانتخابية، وها هو يفي بوعده، معتبراً العرب مجرد ظاهرة صوتية لا قدرة لهم على مجابهة إسرائيل أو أمريكا، فإن القدس باعتبارها رمزاً إسلامياً ومسيحياً، عاش فيها الأنبياء وفيها قامت عشرات الحضارات عبر آلاف السنين، وفي كل المحافل الدولية كانت قرارات الأمم المتحدة تؤكد أن للقدس وضعاً خاصاً، وأنها ستأتي في المرحلة النهائية للمفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل. ولذلك لا يمكن أن تحل مشكلتها بمجرد توقيع على وثيقة، وإن وقعها رئيس أقوى دولة في العالم. وها هو الرأي العام العالمي يقول كلمته، وليس المنطقة العربية وحدها، فقد خرجت المظاهرات في العديد من دول العالم، منها دول أوروبية حليفة للولايات المتحدة، كما عبر العديد من قادة العالم عن عدم رضاهم عن القرار الذي اتخذه ترامب بشكل أحادي دون أي اعتبار لأي اتفاقيات أو مفاوضات أو معاهدات. دون أن يدرك أن اتخاذ قرار بهذه الأهمية يمكن أن يحول المنطقة إلى كرة من لهب، أكثر مما هي عليه الآن. وجعل العالم يغلي بمسلميه ومسيحييه ويهوده.

وكان أول إجراء قامت به الخارجية الأمريكية هو: تشكيل خلية خاصة برصد ردود الفعل، وقياس مدى قوتها، وإمكانية امتدادها، لكن اللافت أن الردود التي قصدت الخارجية الأمريكية قياسها، ليست موجة الاستنكار والشجب الرسمي التي صدرت من معظم العواصم العالمية، ولكن التعليمات هي: تكليف كل الهيئات الدبلوماسية الأمريكية في العالم العربي والإسلامي برصد كل تحركات الشارع والمجتمع المدني، وبعث تقارير إلى الخلية إياها لوضع «بارومتر درجة الغضب الإسلامي»، وإمكانية تداعياته على سلامة الأمن القومي الأمريكي، لإدراكهم أن من شأن هذا القرار أن يؤدي إلى توتر العلاقات بين واشنطن وحلفاء مسلمين آخرين في الشرق الأوسط، مثل السعودية.

وتشترك أمريكا ودول عربية في مخاوفها من تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة. ووجه الأمير تركي الفيصل السفير السابق بواشنطن انتقادات شديدة لخطوة ترامب، وقال في رسالة مفتوحة إلى ترامب: «سفك الدماء والاضطرابات ستتبع قرارك الانتهازي؛ لتحرز مكسباً انتخابياً»، وأضاف: «قرارك قد شجع أقصى القوى تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي لتبرير ادعاءاتهم العنجهية على كل الفلسطينيين، لأنهم يأخذون قرارك رخصة لطرد الفلسطينيين من أراضيهم وفرض نظام دولة عبودية عليهم».

وتابع: «قرارك قد شجع إيران وأتباعها على الادعاء بأنهم من يدافعون وحدهم عن الحقوق الفلسطينية».

إن قرار ترامب بدعم دويلة إسرائيل، من خلال تغيير عاصمتها من «تل أبيب» إلى القدس. أي: تغيير عاصمة إسرائيل بقرار أمريكي لا بقرار «الدولة العبرية»، وذلك في انتهاك سافر لحقوق الشعب الفلسطيني. وإذا كانت أحسن طريقة للتخلص من أي مشكلة هي تصديرها نحو الخارج، فإن ترامب قرر هذه المرة، بل لأول مرة في التاريخ، أن يقوم بصفته رئيس دولة بتحديد عاصمة «دولة أخرى»، وهو انتهاك للقانون الدولي، وتعريض السلم والأمن الدوليين للخطر، ويخالف قرار مجلس الأمن الدولي الذي صدر في شهر آب من العام الماضي، وكان قاطعاً فيما يتعلق بجريمة الاستيطان حيث حسم موضوع الضفة الغربية باعتبارها أرضاً محتلة، وأن المستوطنات فيها مخالفة للقانون الدولي، وأكد أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية أرض تحتلها «إسرائيل» منذ عام 1967. ومن هذه الهيئات محكمة العدل الدولية، التي أصدرت فتوى في عام 2004 بشأن الجدار العنصري «الإسرائيلي»، ومجلس الأمن، والجمعية العامة التابعان للأمم المتحدة في شتى القرارات التي اعتمدت على مدى السنوات الخمسين الماضية، تأكيد وضع الضفة الغربية كأرض محتلة، ونقل المستوطنين الإسرائيليين، ومصادرة الأراضي، وهدم المنازل، وتشريد المدنيين الفلسطينيين في انتهاك للقانون الدولي الإنساني والقرارات ذات الصلة.

عن "الخليج"