بريطانيا الاستعمارية: تدمير الكيانية الفلسطينية

بقلم:خالد الحروب

تحكمت في فلسطين ومصيرها، في حقبة الاستعمار العسكري البريطاني التي بدأت سنة 1917، ثلاثة سياقات دولية ثقيلة الوطأة والتأثير في الواقع الفلسطيني وقلصت هوامش الحركة إلى الحد الأدنى. السياق الأول هو سياق التوافق الدولي عبر صك الانتداب الذي أصدرته «عصبة الأمم» في تموز 1922 والذي اعتبر أن مسؤولية بريطاينا في فلسطين تتمثل في تسهيل إقامة وطن قومي لليهود (نسخاً عن تصريح بلفور سيئ الصيت عام 1917). وهذا معناه أن الدول الكبرى آنذاك، وأهمها المنتصرة في الحرب العالمية الأولى: بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، روسيا، تقف بقوة خلف المشروع الصهيوني. السياق الثاني المُتصل بالأول عضوياً هو تصدي بريطانيا «بإخلاص» لتنفيذ تصريح بلفور والإعلان علانية أن تنفيذ التصريح هو السياسة والهدف المُحددان لغايات الانتداب البريطاني في فلسطين وفق صك الانتداب المذكور، أي أن الوظيفة المناطة في بريطانيا كدولة منتدبة على فلسطين هي تسهيل إقامة وطن قومي لليهود فيها.

والسياق الثالث إقليمي ويتمثل في الهشاشة العربية التي رافقت حقبة الاحتلال البريطاني لفلسطين، حيث كانت غالبية البلدان العربية خاضعة إما للاستعمار البريطاني نفسه أو الفرنسي، والمستقلة أو شبه المستقلة منها كانت ضعيفة بنيوياً وتواجه تحديات البناء والاستقلال. ولم تتوقف هشاشة الوضع العربي عند درجة عدم تقديم أي إسناد حقيقي للفلسطينيين، بل تجاوزته إلى ما هو أبعد إذ تم توظيفها والتلاعب بها ضد الكيانية الفلسطينية بخاصة مع الحكم الهاشمي الناشئ في شرق الأردن، والطامح إلى ضم نصف فلسطين إلى أراضيه (الضفة الغربية والقدس).

على ذلك، ومن منظور موضوعي بحت يأخذ هذه السياقات الثلاثة في الاعتبار يتبدى لنا ضيق هامش العمل والمناورة وانخفاض سقف النضال أمام الحركة الوطنية الفلسطينية الضعيفة أصلاً، والتي وجدت نفسها في مواجهة مشروع كولونيالي عالمي الصبغة ومؤيد من الدول الكبرى بحماسة. حتى لو امتلك الفلسطينيون آنذاك أفضل القيادات السياسية الممكنة واستطاعوا تجاوز خلافاتهم كلها لما تمكنوا من كبح جماح المؤامرة الهائلة التي كانت أكبر من قدراتهم وقدرات إخوانهم العرب المجاورين لهم أيضاً. فالمشروع الصهيوني كان آنذاك قد تحول مع دعم «عصبة الأمم» إياه مشروعاً أممياً مدعوماً من الدول التي انتصرت في الحرب الكونية الأولى، فكيف يمكن أي قوى محلية ضعيفة ولا تتمتع بأي دعم دولي أو إقليمي من إيقاف المد الهائل لذلك المشروع؟ ولا يعني هذا أبداً إيجاد مسوغات لسوء إدارة القيادات والحركات الفلسطينية في تلك المرحلة، ولا التساهل في محاكمة تلكؤها المتكرر في التقاط جوهر الصراع آنذاك، وكون بريطانيا هي العدو الأول والجذر المؤسس لنمو ونجاح الصهيونية في فلسطين. كما لا تبرر تلك المُحددات السياقية تواصل الانقسام داخل الحركة الوطنية وفشو العائلية والمصلحية والانتهازية وأمراض أخرى عديدة. لكن الشيء المرير الذي يستوجب الإشارة إليه هنا هو أن تلك المُحددات السياقية والضاغطة على العمل الوطني الفلسطيني لا تزال كما هي حتى هذه اللحظة. فهناك الدعم والتأييد الكبير اللذان تحظى بهما إسرائيل من جانب الدول الكبرى، وقبل ذلك كله أصبح «المشروع الصهيوني» دولة ذات شرعية أممية تقف وراءها الأمم المتحدة باعترافها الباكر والرسمي بها، ثم هناك سياق الضعف العربي الإقليمي وهشاشته وخلافاته على امتداد عقود طويلة، وهي الخلافات التي وُظفت لإضعاف الوضع الفلسطيني وإنهاكه.

لكن، كيف اشتغلت بريطانيا على تنفيذ تصريح بلفور و «إلزام» عصبة الأمم إياها بكونها الدولة المنتدبة على فلسطين، بتسهيل إقامة وطن لليهود فيها؟ يمكن رصد، وبما تتيحه المساحة المتوافرة هنا، بعض الخطوط العريضة للسياسة البريطانية الاستعمارية في فلسطين التي لعبت دور القابلة القانونية في ولادة الدولة الصهيونية. وأهم ما تمكن الإشارة إليه ابتداءً هو تبني الإدارة البريطانية خلال ثلاثين سنة من احتلال فلسطين سياستين متعاكستين تماماً في فلسطين: الأولى هي تدمير أي احتمالات لنشوء أي كيانية وطنية فلسطينية، أو قيادة فلسطينية وطنية موحدة، أو اقتصاد وطني متمأسس ومستقل، أو تعزيز الشعور الوطني الجمعي لدى الفلسطينيين وتبلوره باتجاه التوق لإقامة دولة مُستقلة nation state. والسياسة الثانية هي دعم وتطوير ورعاية تأسيس البنى التحتية لإقامة دولة يهودية بما يعني ذلك تعزيز القيادة السياسية التمثيلية ومأسستها، وتكريس الاقتصاد القوي والمستقل، وبناء قوة عسكرية تشكل نواة الجيش الذي حارب العرب سنة 1948، وتسهيل الهجرة اليهودية من أجل خلق كتلة سكانية كبيرة تحمل عمليات البناء المؤسساتي الحثيث.

وعلى صعيد الكيانية السياسية التمثيلية، عملت الإدارة البريطانية على تعزيز ودعم مأسسة سياسية وقيادية وسط اليهود، والتعامل مع المنظمة الصهيونية العالمية (والوكالة اليهودية والمنظمتان عملياً أسماء للتداخل المؤسساتي ذاته) بكونها الممثل الرسمي السياسي والشرعي لـ «الشعب اليهودي في فلسطين»، في الوقت الذي رفض فيه تشرشل مقابلة الوفد الفلسطيني في لندن في أوائل العشرينات بكونه يمثل عرب فلسطين، وقبل الجلوس معهم بصفتهم الشخصية فقط.

ولأن الهجرة اليهودية كانت هي الركن الأساسي لكل المشروع الصهيوني وتوقف على نجاحها ودوام تدفقها إلى فلسطين نجاح المشروع برمته وفشله، فإن بريطانيا لم تألُ جهداً في تسهيل تلك الهجرة (وأيضاً وفق ما نص عليه صك الانتداب الاممي!). ولأن بريطانيا كانت تعلم أن الغضب الفلسطيني والعربي يتصاعد بسبب قدوم هؤلاء الغرباء إلى البلاد، فقد اتبع القادة البريطانيون سياسة كسب الوقت من خلال الطلب من القيادات الفلسطينية بالصبر والانتظار وأن الحكومة في لندن تنظر في مطالبهم وشكاواهم. أما على الأرض فقد عملت بريطانيا بجدية على تأمين زيادة عددية لليهود عبر الهجرة وبناء الكيانية السياسية والاقتصادية للمشروع الصهيوني.

في الوقت ذاته، وعلى الصعيد الفلسطيني، اتبع البريطانيون سياسة «فرّق تسد» الاستعمارية بحذافيرها، وقاموا بتغذية الصراع بين القوى الفلسطينية المُتنافسة، كتلة «الحسيني» وكتلة «النشاشيبيي». وقد تجسد ذلك منذ انتخابات منصب مفتي القدس عام 1921 واختيار المندوب السامي البريطاني للحاج أمين الحسيني ليخلف كامل الحسيني بعد وفاته. وكان الشيخ حسام الدين جار الله، مرشح «النشاشبة» قد فاز بأعلى الأصوات. لكن الإدارة البريطانية أرادت تعزيز أقطاب متنافسة في الساحة الفلسطينية، بخاصة أن رئاسة البلدية كانت بيد راغب النشاشيبي رئيس الكتلة النشاشيبية عملياً. ليس هذا فحسب بل قامت الإدارة الاستعمارية بتوظيف القيادات الفلسطينية المعتدلة لامتصاص الغضب الشعبي ومطالبتهم بتهدئة الثائرين في كل حقبة انتفاضية عبر تقديم الوعود الفارغة بأن الإدارة سوف تستمع لآرائهم وتحسن من الأوضاع، وحدث ذلك في ثورة يافا سنة 1921 وهبة البراق 1929 وكذلك في ثورة وإضراب سنة 1936. وقد أدى ذلك الى خلق شرخ عميق بين تلك القيادات والمزاج الشعبي الغاضب.

وبهدف الإبقاء على سقف النضال والمطالبات الفلسطينية منخفضاً فقد عملت بريطانيا على معاقبة القيادات الفلسطينية المعتدلة في حال غيرت من مواقفها واستراتيجياتها كما حدث مع الحاج أمين الحسيني بعد عزله من مناصبه ومطاردته ثم هربه إلى خارج فلسطين سنة 1937. ونُفي آخرون إلى جزر سيشل، واعتقال آخرين. وفي الوقت ذاته توظيف واستدعاء هذه القيادات وقت الحاجة كما حدث في مؤتمر لندن سنة 1939 واستدعاء المنفيين في سيشل لخلق تمثيل فلسطيني يعطي شرعية لأي اتفاق محتمل.

على رغم وضوح السياسة البريطانية الاستعمارية وعدائها للعرب والفلسطينيين وإشرافها اللصيق على إقامة المشروع الصهيوني فقد ظل الانقسام والارتباك في شأن الموقف من بريطانيا أحد أبرز الخلافات بين القيادات الفلسطينية آنذاك. دار السؤال المركزي حول اعتبار بريطانيا عدواً محتلاً ويمثل خطراً على فلسطين يوازي خطر الحركة الصهيونية أم اعتبارها خطراً مؤجلاً بالإمكان تحييده موقتاً والتفرغ لمواجهة الصهيونية؟ وينبني على ذلك هذا السؤال وإجابته توجيه النضال ضد الصهيونية وبريطانيا معاً، أو ضد الصهيونية وحدها واعتبار الإدارة البريطانية الاستعمارية طرفاً محايداً أو ليس عدواً. كان التقدير العام للقيادات الفلسطينية التقليدية صعوبة خوض معركة ضد الخطرين في آن معاً، ويمكن أن نفهم (وليس بالضرورة أن نقبل) هذا التقدير إذا استدعينا المُحددات والظروف السياقية الدولية والإقليمية الضاغطة. لكن تبقى الإشارة إلى المُقارنة المريرة بالوضع الفلسطيني الحالي التي تفيدنا بأن انقسام حقبة العشرينات وارتباكها ظلا عاملين مُشتتين للنضال الفلسطيني لجهة اعتبار الغرب المؤيد والداعم إسرائيل، بخاصة الولايات المتحدة، عدواً للفلسطينيين أم طرفاً يمكن تحييده ولو جزئياً. وتجدد هذا السؤال الصعب بأوضح تجلياته مع إعلان ترامب القدس عاصمة موحدة لإسرائيل.

عن "الحياة"