المواطنون الفلسطينيون في اسرائيل والنضال ضد منظومة الابرتهايد*

بقلم: يارا هواري** 

لطالما ارتبط مفهوم الأبرتهايد أو الفصل العنصري في نظام الابرتهايد الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا، وغالباً ما كان ينظر اليه بأنه كان حالةً استثنائية وانتهت. الا ان الممارسات التي تنتهجها إسرائيل تجاه الفلسطينيين من اضطهاد وقمع وحصار وتمييز وتهجير قسري من ارضهم، تتطابق مع ممارسات نظام الابرتهايد، ولم تستثن منها الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. وهذا ما خلص اليه تقرير الاسكوا الذي صدر في اذار/مارس ٢٠١٧ والذي حلل الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من منظور عنصري ابرتهايدي.

لم تدمج اسرائيل فعلياً الفلسطينيين الذين بقوا في ارضهم، ولم تمنحهم المواطنية الكاملة على الرغم من منحهم الجنسيةَ الإسرائيلية. فالدولة الإسرائيلية، بحسب الدستور الإسرائيلي، والتي تعرِّف نفسها كدولة يهودية، تفترض في صفة المواطنية القومية امتيازا يمنح لليهود المواطنين في إسرائيل، ويتفوق على مواطنية السكان غير اليهود، الذين لا يتمتعون بصفة القومية، وهم بمعظمهم من الفلسطينيين.

تفريق إسرائيل هذا بين المواطنية والمواطنية القومية في منظومتها التشريعية، سمح بقيام نظام عنصري معقد وغير مرئي، لا يلحظه الا الفلسطينيين الذين لديهم احتكاك مباشر بالمنظومة القانونية الإسرائيلية، سواء في العمل او التعليم او في القضايا المعيشية اليومية.

وتقسم تلك المنظومة الافراد إلى يهود وغير يهود، في سياق يُجسِّد تعريف الأبرتهايد أو الفصل العنصري بحد ذاته. يُسمى المواطنون الفلسطينيون "عربَ إسرائيل"، وهو مصطلح بات شائعًا في وسائل الإعلام الرئيسية، يعمل هذا المصطلح على نفي الهوية الفلسطينية عن هؤلاء المواطنين، ويشكل جزءًا من آلية الإقصاء، بينما يسمح لإسرائيل بتصوير نفسها كدولة متنوعة ومتعددة الثقافات.

يلجأ الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل الى المحاكم الإسرائيلية للمطالبة بحقوقهم في المواطنة الكاملة داخل الدولة، ولكن تواجه مطالبتهم بالمساواة مع اليهود بالرفض. ورفضت المحكمة العليا الإسرائيلية حتى الآن جميعَ الالتماسات لتحقيق المساواة خشية من ان الاعتراف بتلك المطالبات سوف يفتح فعليًا الباب لإدماج المواطنين من غير اليهود، وسوف يتحدى الأساس الصهيوني لإسرائيل باعتبارها دولة للشعب اليهودي.

هدفَت إسرائيل منذ نشأتها في حشر العرب الفلسطينيين في مناطق ذات مساحة صغيرة، كما صادرت مساحات واسعة من القرى التي نجت من التطهير العرقي سنة 1948. وتعاني القرى والبلدات العربية اكتظاظًا سكانياً شديدًا، وتفتقر الى مشاريع التنمية، وتعاني من شح الميزانيات، فضلًا على أنه لم تُبنَ أي بلدة أو قرية عربية جديدة منذ العام 1948.

تضع إسرائيل قيوداً قانونية على أي عملية شراء ارض أو استئجارها يقوم بها المواطنون الفلسطينيون في اسرائيل، وتخضع أي عملية من هذا النوع الى موافقة مسبقة من لجان القبول والصندوق القومي اليهودي، وسياسات السلطات الرسمية التمييزية. وتحول دراسة الطلبات العقارية الى لجانَ يناط بها دراسة وتقييم "مدى الملاءمة الاجتماعية" للسكان المحتملين، وفي العادة ترفض طلبات الفلسطينيين لأنهم ليسوا يهودا. وقد أيدت المحكمة العليا هذه الممارسة رغم الطعون الكثيرة فيها.

تقوم سلطة أراضي إسرائيل والتي كانت تُعرف باسم دائرة أراضي إسرائيل حتى عام 2009، منذ نشأتها باستدامة ولاية الصندوق القومي اليهودي كوصي على أرض فلسطين للشعب اليهودي، والعمل وفقًا لقانون الأحوال الشخصية الذي وضعته المنظمة الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية في العام 1952، والذي يسعى في المقام الأول إلى تجميع يهود العالم وتوطينهم في إسرائيل.

ويساهم التخطيطُ السكني الحضري والريفي في هيمنةَ الطابع اليهودي للدولة، ويدعم الرواية الصهيونية، ويسمح بحسب قانون التخطيط والبناء الإسرائيلي لسنة 1965، بتطوير مساحات تسمح بتحقيق أهداف المجتمع الإسرائيلي وتحقيق طابعها اليهودي واستيعاب المهاجرين اليهود. وفي سبيل ذلك تبذل الحكومة الإسرائيلية في منطقة الجليل، ذات الأغلبية الفلسطينية، جهوداً كبيرة لتهويد المنطقة وذلك من خلال تطويق القرى الفلسطينية بالمستوطنات اليهودية للحيلولة دون تواصلها الجغرافي. كما ساهمت سياسة التهجير في ترحيل عشرات الآلاف من البدو الفلسطينيين في النقب عن اراضيهم قسرًا، كما تصنف القرى التي يقيمون فيها بانها غير قانونية، وسكانها "متعدين" على أراضي الدولة. كما تتذرع إسرائيل بغياب الصفة القانونية من أجل حرمان العديد من بدو النقب من الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، وهدم القرى في كثير من الحالات.

كما يساهم الفصل في مناطق الإقامة بين الفلسطينيين واليهود في حرمانَ الفلسطينيين من الخدمات المعيشية. وفي هذا السياق، تتواطأ المنظمات شبه الحكومية العاملة في مجال تخصيص الموارد مثل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، في حرمان الفلسطينيين من تلك الموارد الأساسية، على أساس أنهم غير يهود، بينما تسعى إلى توظيف تلك الموارد لخدمة "الشعب اليهودي" واستدامة الطابع الصهيوني للدولة. وعلى الرغم من أن العديد من البلدان قد تمارس عملية التوزيع غير المتساوي والعادل للأرض والموارد، فإن تلك السياسات قلما تكون مذكورةً بنص القانون صراحةً كما هو الحال في إسرائيل.

وتعتمد إسرائيل أساليب متنوعة من السيطرة الخارجية والداخلية لإدامة نظام الفصل العنصري الذي تتبعه وتنكره، فهي تحاول إخضاع الفلسطينيين ضمن حدود 1948 منذ ولادتهم مرورًا بمراحلهم التعليمية.

وتنطوي الاستراتيجية السياسية على التحكم بالمناهج الدراسية لطمس الهوية الفلسطينية ومنع التعبئة ضد الدولة، فيما تعاني المدارس الفلسطينية أيضًا قلةَ الموارد.

وينفَق على الطالب الفلسطيني أقل من ثلث ما يُنفق على نظيره اليهودي، وتبيِّن قلةُ الموارد التفاوتَ الصارخَ بين هاتين الفئتين من المواطنين، وتعوق فرص الأطفال الفلسطينيين في المستقبل لاحقًا، في حين تحظى المدارس الإسرائيلية اليهودية بمستوى عال من الاستقلالية في وضع مناهجها الدراسية، بينما تضع وزارة التربية والتعليم مناهج المدارس الفلسطينية.

أمّا رواية النكبة الفلسطينية فهي أصلًا محظورة بموجب القانون، كما ويسمح قانون أسس الميزانية الإسرائيلي، المعروف بـ "قانون النكبة"، لوزير المالية بتقليص التمويل الرسمي أو وقفه عن أي مؤسسة تُحيي ذكرى النكبة أو تعلن الحداد في يوم استقلال إسرائيل، في سياسة يُراد منها إنكار هذا الحدث المفصلي في التاريخ الفلسطيني والهوية الجماعية التي تضطلع النكبة بدورٍ رئيسي في تكوينها.

وفي حين يستطيع الفلسطينيون تحقيقَ مكاسب محدودة في إطار النظام القانوني الإسرائيلي من خلال الدعاوى القضائية أو الاستئنافات، فهم عاجزون عن تحدي النظام العنصري بجدية. وبالرغم من استثمار إسرائيل للمشاركة السياسية الفلسطينية في الكنيست كدليلٍ على تعددية الدولة وديمقراطيتها، فإن الأحزاب العربية لم تكن جزءًا في أي ائتلاف حاكم، ولم يصل سوى عدد قليل من المواطنين الفلسطينيين إلى مناصب وزارية. وبالرغم من هذه الممارسات التمييزية والعنصرية، تُصرُّ إسرائيل على صورتها كدولةٍ ديمقراطية ليبرالية متعددة الثقافات، وتصورُ الصهيونيةَ كأيديولوجيةٍ قومية يهودية وليس كأساس لنظام الاستعمار الاستيطاني الذي يمارس الفصل العنصري.

لقد قسَّمت النكبةُ الشعبَ الفلسطيني وشتت اواصره، ولا تزال إسرائيل وعمليات السلام الدولية المختلفة، بما فيها اتفاقات أوسلو، مستمرةً في ترسيخ هذه التجزئة من خلال حصر فلسطين على أنها "الأرض الفلسطينية المحتلة"، والشعب الفلسطيني على أنه "الشعب المتواجد على تلك الأرض فقط". هذا الحصر لا يعترف بالنكبة كجزء من الحكاية الفلسطينية، ويستثني الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل واللاجئين الفلسطينيين في الشتات من النضال الفلسطيني. ان نضال الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل ضد المنظومة القانونية الإسرائيلية التي تُمعن في اضطهادهم وتسعى لإخضاعهم لنظام يتوافق مع سياسة الابرتهايد، هو جزء من نضال فلسطيني الشتات للعودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم، والنضال الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لإنهاء الحصار والاحتلال الاستعماري الاستيطاني الاسرائيلي. هذا النضال يتطلب العمل على كافة المستويات الدولية لفضح إسرائيل وممارستها العنصرية، والضغط عليها لتغيير سياساتها تجاه الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل والاعتراف بحقهم في المساواة الكاملة.

لقد ضغطت إسرائيل لسحب تقرير "الاسكوا" الذي يدين عنصريتها ويفضح نظام الابرتهايد الذي تمارسه وتسعى جاهدة لإدامته، الا ان الضغوط التي تمارسها إسرائيل على المجتمع الدولي لن تمنع من مواصلة نضال الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم لإحراز الحرية والعدل والمساواة.

-------------------------------------------------------------------------------

*يستند هذا المقال الى ورقة سياساتية نشرت على موقع "شبكة السياسات الفلسطينية: الشبكة"

**زميلة سياساتية لـ "شبكة السياسات الفلسطينية: الشبكة" في فلسطين.