القدس والقرار الأمريكي

بقلم: هاشم عبد العزيز

إلى أين سيمضي القرار الأمريكي الخاص بمدينة القدس الفلسطينية، لتكون عاصمة لإسرائيل؟

هذا ما تطرحه طبيعة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول القدس، الذي شغل العرب والعالم والمسلمين منذ صدوره، وأعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة. أجج القرار الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، وقطاع غزة وفلسطين 48 والمنافي والشتات، بالغضب ضد ذلك القرار، وأطلقوا انتفاضتهم ضد الاحتلال السالب لحقوقهم في أرضهم، وحريتهم واستقلالهم منذ قرابة سبعين عاماً. وأجمعت الدول العربية على مواجهة القرار الأمريكي، وأجمعت الدول الإسلامية على رفض القرار والتصدي له، وأجمع العالم ممثلاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، على تأكيد عدم مشروعية القرار، وبهذا الإجماع استُعيدت القضية الفلسطينية بعد أن كادت تتعرض للتهميش أو التصفية.

الولايات المتحدة لم تظهر أي رد فعل تجاه المواقف العربية والإسلامية والدولية، هل كان ذلك تجاهلاً؟ أم أنها فضلت عدم فتح أكثر من جبهة قد تأتي على سياستها، التي ارتكزت على تأجيج الطائفية والمذهبية وإطلاق الإرهاب.

المفاجأة الصادمة كانت في إجماع مجلس الأمن بقوام أعضائه باستثناء الولايات المتحدة التي تجرعت لأول مرة الإدانة الدولية، حين أعلن مجلس الأمن عدم مشروعية القرار الأمريكي، لتلجأ إلى استخدام النقض الذي لم يغيّر من وطأة الإدانة بهذا الإجماع في مجلس الأمن.

أما الفشل فقد كان في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ إذ استبقت الولايات المتحدة انعقاد الجلسة بحملة محمومة من الإغراءات والضغوط والابتزاز، بهدف تشكيل كتلة كبيرة من الرافضين والممتنعين لتأييد مشروع القرار، لكنها عجزت وحصدت الفشل، بعد أن حظي قرار الإدانة بأكثر من الثلثين.

نيكي هايلي السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، هددت الدول التي ستصوت لصالح القرار بمعاقبتها وقالت: «ستتذكر الولايات المتحدة هذا اليوم، هذا التصويت سيحدد الفرق بين كيفية نظر الأمريكيين إلى الأمم المتحدة، وكيفية نظرتنا إلى الدول التي لا تحترمنا في الأمم المتحدة».

وأضافت: «سنتذكره حين سيطلبون منا مجدداً دفع أكبر مساهمة مالية في الأمم المتحدة، وسنتذكره حين ستطلب منا دول عدة كما تفعل غالباً، دفع المزيد واستخدام نفوذنا لصالحها».

فماذا كانت النتيجة؟

هنا يحضر القرار الأمريكي حول القدس، القرار يشكل عدواناً على الشعب الفلسطيني في حقوقه، وهو يجافي ويتجاهل الشرعية الدولية، ويدفع أزمة الشرق الأوسط إلى مأزق الانفجار، مع أن الولايات المتحدة تدّعي أنها راعية الحل والسلام.

السؤال: هل القرار حصيلة لسياسة أمريكية تلبية لمطالب الصهيونية؟ أم نبتة طارئة من قبل الرئيس الأمريكي ترامب؟

ودون الخوض في سجل مسار العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، خلال الحروب التي شنتها إسرائيل على الدول العربية، وعقود من سياسة الاقتلاع الصهيونية للشعب الفلسطيني، واستلاب حقوقه عدواناً واحتلالاً واستيطاناً، يمكن الإشارة إلى أنه خلال سنوات عديدة مما يقال إنها رعاية الولايات المتحدة للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية، شنت إسرائيل عدة حروب إبادة على الفلسطينيين، وخاصة على غزة المحاصرة، وخلال هذه الرعاية شهد الاستيطان ما يمكن وصفه بالانفجار؛ إذ تضاعفت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية عشرات المرات، ناهيك عن المعاناة المفروضة على الفلسطينيين في حياتهم، وفي الاعتداءات على حقوقهم، إضافة إلى الاعتقالات وعمليات قتل واعتقال الشيوخ والنساء والأطفال، ومحاولة تكريس التهويد.

هنا يمكن القول إن الرئيس الأمريكي كان شجاعاً في إظهار الوجه الأمريكي القبيح على حقيقته، بعد أن كان في حالة رمادية تتناقض فيها الأعمال مع الأقوال.