في عامه الأول.. ترامب يجهض "صفقه القرن" ويقحم بلاده في عزلة

واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات -اتسمت الأشهر الـ11 الماضية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتقلبات الطائشة والمتأرجحة على المستووين الداخلي والخارجي، وتركت مؤيديه ومعارضيه في حالة من الارتباك والإحباط.

على المستوى الداخلي، استهلّ ترامب رئاسته باتخاذ قراره الأول بما يخص سياسته الداخلية القائمة على مبدأ "أمريكا أولا" يوم 27 كانون الثاني، أي بعد أسبوع واحد فقط، لتلبية تعهده بتضييق الهجرة إلى الولايات المتحدة بشكل عام، والمسلمين منهم بشكل خاص، بإصداره مرسومًا تنفيذيًا يحظر (مؤقتًا) دخول مواطني 7 بلدان عربية ومسلمة من دخول الولايات المتحدة، وذلك لمنع "الهجمات الإرهابية من الرعايا الأجانب" بحسب بيان البيت الأبيض عندئذ. ولكن المحاكم الاستئنافية في الولايات المختلفة، خاصة في ولايات الغرب رفضت قرار الرئيس وجمدته، ولكن ذلك لم يثنه عن جهوده لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة.

مجددًا أعاد "صيغة الحظر" في 15 آذار 2017، الذي أزال العراق من اللائحة وأضاف دول أخرى، ومن ثم مرة ثالثة يوم 24 أيلول 2017، التي شملت دولاً دون أكثرية غير مسلمة، كي لا يوصف قرار ترامب "بالحظر على المسلمين" كما تمّت تسميته بإضافة كل من فنزويلا وكوريا الشمالية، ولكنّه لم يحظ بأي نجاح أسوة بسابقاته، إلى أن اصطفت وراء القرار المحكمة العليا بأغلبيتها اليمينية وفعلت أجزاء منه، وتحدي المحاكم الدائرية.

كذلك منيت أجندة ترامب الداخلية بإخفاقات متتالية خاصة محاولاته إلغاء قانون الضمان الصحي المسمى "أوباما كير" نسبة للرئيس السابق باراك أوباما والذي شكل بؤرة وعود ترامب واستحوذ هوس إلغائه على وجدان الرئيس الذي وعد قاعدته اليمينية بإلغائه "في اليوم الأول من رئاستي". إلا أن ترامب حقق إنجازا كبيراً في قرار "تخفيض الضرائب" الذي وقعه يوم 22 كانون الأول الجاري والذي خفض نسبة الضرائب للشركات العملاقة بنسبة 15% ويعطي الأثرياء امتيازات طائلة على حساب الفقراء والطبقة الوسطى اللذين سيحملون على كاهلهم ثقل الديون المترتبة على "تخفيض الضرائب" مبالغ مذهلة تتجاوز 1.5 تريليون دولار (1500 مليار دولار)، وذلك بفضل الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ التي تمثل بأغلبيتها الساحقة مصالح الأثرياء وبدون مشاركة الديمقراطيين حتى في نقاش القرار عندما كان مجرد مشروع قرار.

إلا أن فشل أجندة الرئيس ترامب يتجلى في إخفاقاته المذهلة على مستوى السياسة الخارجية الأميركية، حيث انسحب من "اتفاقية باريس للمناخ"، 1 حزيران 2017، ورفض المصادقة على "التزام إيران" ببنود الاتفاق النووي (بين الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا مع إيران)، رغم إصرار وكالة الطاقة النووية الدولية وأطراف الاتفاق الستة الآخرين على التزام إيران، مما يضع مصير الاتفاق في قيد المجهول، واحتمال انفجار حرب جديدة لا تعرف نتائجها، وواجه شللاً ملحوظاً في التعامل مع أزمة كوريا الشمالية النووية، وإطلاق التوتر في العلاقات مع الحلفاء الأوربيين وحلف ناتو وروسيا وأوكرانيا.

إلا أن المكانة الأولى في إخفاقات الرئيس ترامب بحسب خبراء السياسة الخارجية الأميركية في العاصمة الأميركية، فقد خصصت لاعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل يوم 6 كانون الأول 2017، و"التي جعلته يخرق عقودا من تقاليد السياسة الخارجية الأميركية بشأن الأراضي المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية" ويقدم هدية دون مقابل إلى رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو والمستوطنين وحركة الاستيطان الذين يشعرون بأنهم يستطيعون فعل ما يشاءون دون رادع، وذلك بحسب قول آرون ميلر، والعديد من الخبراء الآخرين الذي انخرطوا في مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية عبر أكثر من 25 عامًا من المفاوضات التي بدأت برعاية الولايات المتحدة بشكل حصري (تقريبا) في مفاوضات مدريد، في تشرين الثاني 1991 ووصلت ذروتها في تحقيق اتفاقات أوسلو (1993) ووادي عربة (1994).

يشار إلى أن الرئيس ترامب هو من صقل تعبير "صفقة القرن" لوصف جهوده في تحقيق سلام فلسطيني إسرائيلي حيث كان ترامب واضحاً في اعتبار "القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي قضية القرن" وأن حل الصراع سيكون أكبر أنجاز منذ مائة عام، حيث قال ترامب يوم 22 تشرين الثاني 2016، أي بعد أسبوعين من فوزه بالانتخابات الرئاسية، وشهرين قبل استلامه البيت الأبيض، إنه "يود أن تنجح إدارته في التوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط". وأضاف في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز "أحب أن أكون الشخص الذي يحقق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، سيكون هذا إنجازًا عظيمًا" وأنه سيضع ثقته في صهره جاريد كوشنر لقيادة عملية السلام من البيت الأبيض، مبدداً بذلك دور وزارة الخارجية الأميركية التقليدي في إطلاق ومتابعة جهود السلام الشرق أوسطية.

وكرر ترامب رغبته في إطلاق جهود سلام "تتوج باتفاق تاريخي" أثناء استضافته لرئيس وزراء إسرائيل في البيت الأبيض يوم 15 شباط الماضي، ومن ثم في أول مكالمة يجريها مع الرئيس محمود عباس يوم 10 آذار 2017 حيث دعاه لزيارة البيت الأبيض، وهي الزيارة التي حدثت بالفعل يوم 3 أيار 2017 وسط أجواء تفاؤل فلسطيني غير مسبوق، حيث أكد الطرف الفلسطيني مرة تلو الأخرى ثقته بالرئيس الأميركي وفريقه الذي يقوده صهره جاريد كوشنر ومبعوثه للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات (وكلاهما من اليهود الأميركيين المتدينين الذين أمضوا فترات زمنية مهمةً بين أوساط المستوطنين،) إلى جانب سفيره في إسرائيل ديفيد فريدمان المعروف بتفانيه في الدفاع عن الاستيطان ومطالبته منذ اليوم الأول باعتراف ترامب بالقدس المحتلة عاصمة إسرائيل، (ومؤخراً طلب من وزارة الخارجية عدم وصف الضفة الغربية والقدس الشرقية بالأراضي المحتلة).

كما شملت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس الأميركي الجديد (ترامب) كل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة حيث عقد اجتماعات يوم 22 و23 أيار مع الطرفين (الفلسطيني والإسرائيلي) بحضور فريقه المختص، الاجتماعات التي وصفها البيت الأبيض بالمثمرة، وتابعها بالعديد من اللقاءات بين فريق ترامب للسلام والسلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو بلقاءات عدة كان آخرها يوم 30 تشرين الثاني الماضي- أي قبل إعلان ترامب "القدس عاصمة إسرائيل" يوم 6 كانون الأول بستة أيام فقط- حين التقى مسؤولين في البيت الأبيض مع أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات ومسؤول المخابرات الفلسطينية اللواء ماجد فرج البيت الأبيض، دون إعلامهم عن قرار ترامب الذي كان قد اتخذ قبل ذلك بثلاثة أيام (27/11/2017).

يشار إلى أن عريقات وفرج وسفير بعثة منظمة التحرير في واشنطن حسام زملط عقدوا العديد من الاجتماعات ما بين 18 و 30 تشرين الثاني مع مسؤولين من الإدارة في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية، بمن فيهم كوشنر وغرينبلات ونائبة مستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي دينا باول، للبت في قرار وزارة الخارجية الأميركية إغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير في واشنطن (يوم 18/11)، القرار الذي تراجعت بعد أسبوع من ذلك.

إلا أن الكسر السافر للموقف الأميركي التقليدي بشأن القدس وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء، 6/12 اعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، وهو ما سعت له إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة عبر أكثر من خمسين عامًا، جاء مفاجئا وصادمًا للأسرة الدولية كما للفلسطينيين والعرب، ومطلقا تداعيات أقحمت الولايات المتحدة في عزلة دولية حيث صوت مجلس الأمن يوم 18 كانون الأول بأغلبية 14 إلى 1 لصالح اعتبار قرار ترامب باطلاً ولاغياً، إلا أن تصويت الولايات المتحدة بلا فرض حق النقض "الفيتو" وأبطل المشروع. ولحقه اجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 21 كانون الأول الجاري حيث صوتت 128 دولة لإلغاء قرار ترامب، واعتباره باطلاً ومتجاوزاً للشرعية الدولية، فيما صوتت تسع دول، بمن فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد القرار، كما أقحمت العلاقات الفلسطينية الأميركية في إعصار من التوتر الذي لا تعرف نتائجه المستقبلية.

وقد صوتت الأغلبية الساحقة من الدول ضد قرار ترامب رغم محاولات الرئيس الأميركي وسفيرته لدى الأمم المتحدة ابتزاز العالم والتهديد بقطع المساعدات الأميركية عن كل يصوت لصالح القرار الرافض لقراره، مما سدد ضربة لاعتداد الرئيس الأميركي بنفسه والمعروف بغطرسته وغروره.

وفيما يعتقد الخبراء أن الرئيس ترامب الذي لا يقبل بأي تحد، ويأخذ الرفض بشكل شخصي، سيتخذ خطوات قادمة ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال، كما على الساحة العالمية، خاصة فيما إذا نفذوا وعودهم بالانضمام إلى المزيد من وكالات الأمم المتحدة ، أو مقاضاة إسرائيل في محكمة الجنايات الدولية على جرائم الحرب التي تمارسها ضد الفلسطينيين، إلا أن الخبراء يجمعون على أن ترامب، باعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، أجهز على مبادرته للسلام التي كان العالم ينتظر إطلاقها، ولن يكون هناك أي مشروع لسلام فلسطيني إسرائيلي خارج أملاءات الاحتلال الإسرائيلي.