خلافات "فتح" و"حماس" تعطل المصالحة وتُرحلها للعام الجديد

غزة - "القدس" دوت كوم- عطل استمرار الخلافات بين حركتي فتح وحماس التنفيذ الفعلي للمصالحة التي استؤنفت خلال الشهور الاخيرة من العام 2017 برعاية مصرية، لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي المستمر منذ 10 أعوام، وادت الى ترحيل هذه الجهود والمحاولات للعام الجديد 2018.

وتجمدت جهود المصالحة مجددا بعد شهرين من الحراك المصري بفعل خلافات حركتي التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والمقاومة الإسلامية (حماس) على آليات تسليم كامل إدارة قطاع غزة للسلطة الفلسطينية.

وقال مراقبون فلسطينيون في تصريحات لوكالة أنباء "شينخوا"، إن تعثر الحراك المصري خاصة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 2017 في ملف المصالحة يظهر حدة أزمتي فتح وحماس والنظام السياسي الفلسطيني.

واستضافت مصر لآخر مرة حتى الآن في 21 من شهر نوفمبر الماضي اجتماعا شاملا للفصائل الفلسطينية للبحث في تحقيق المصالحة، لكنه انتهى بتفاهمات عامة لم تتضمن سوى الاتفاق على عودة الاجتماع مجددا مطلع فبراير المقبل.

استئناف الدور المصري

وقال مدير مركز (مسارات للأبحاث والدراسات) في رام الله بالضفة الغربية هاني المصري، إن أهمية حراك ملف المصالحة في 2017 تمثل باستئناف الدور المصري الذي كان تجمد منذ 2013 بسبب خلافات القاهرة وحماس.

ويشير المصري، إلى أن القاهرة نجحت في استئناف الجهود الجدية لتحقيق المصالحة، لكن ثمة عقبات ما تزال تعترض تحقيق ذلك خاصة خلافات فتح وحماس ورؤية كل طرف المختلفة عن الآخر للحل.

ويشدد المصري، على أن ثمة عقبات عديدة تنتظر اجتماع الفصائل، لكنه يبرز الحاجة الملحة والأساسية إلى بلورة موقف فلسطيني موحد يستند إلى وحدة القرار والقيادة والمشاركة الوطنية على قاعدة الشراكة.

ويوضح أن ما تحقق حتى الآن ما يزال يمثل تقدما صغيرا في طريق المصالحة، خاصة أن إجمالي ما يجري عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، ومصالحة شكلية قد تقود أو لا تقود إلى المصالحة الحقيقية.

ولتحقيق المصالحة جديا يشدد المصري، على أن المطلوب حسم القضايا الجوهرية والحرص على الاتفاق على القواسم المشتركة من خلال بلورة رزمة شاملة وتطبيقها بشكل متواز ومتزامن على أساس معادلة (لا غالب ولا مغلوب) بما يستجيب للمصالح والأولويات الفلسطينية.

وينبه المصري، إلى أن المصالحة والوحدة الحقيقية "تتطلب الاتفاق الجاد على البرنامج الوطني وعند إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتضم مختلف القوى وتشكيل حكومة وحدة وطنية، والاحتكام إلى الانتخابات وهو ما لم يحدث حتى الآن".

تسلسل زمني لاستئناف جهود المصالحة

كان تم استئناف الحراك عمليا في ملف المصالحة إثر إصدار حماس بيانا من القاهرة في 17 أكتوبر الماضي، خلال زيارة وفد رفيع من قيادتها لمصر اعلنت فيه حل لجنتها الإدارية في قطاع غزة ودعت الحكومة لتسلم مهامها في القطاع والموافقة على إجراء انتخابات عامة.

وكانت اللجنة الإدارية شكلتها كتلة حماس في المجلس التشريعي في مارس الماضي، وأعلنت أنها ستظل تعمل ما دام الانقسام الفلسطيني قائما، وأنها ستنهي عملها حينما تقوم حكومة الوفاق بمهامها تجاه القطاع.

وفور الإعلان عن تشكيل اللجنة الإدارية التابعة لحماس اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس منذ أبريل الماضي "خطوات عقابية" ضد غزة تمثلت بتقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في القطاع وإحالة آلاف منهم إلى التقاعد المبكر إلى جانب تقليص تمويل خدمات أساسية لصالح القطاع.

وقبل إعلان حل اللجنة الإدارة التابعة لحماس كانت حكومة الوفاق الفلسطينية المشكلة منذ منتصف العام 2014، تشتكى من عدم تمكينها من استلام مهامها في قطاع غزة، واحتفاظ حماس بحكومة ظل لإدارة القطاع، فيما كانت حماس تتهم الحكومة بتهميش القطاع وعدم تولي مسؤولياتها في حل أزماته.

وعلى أثر خطوة حماس حل لجنتها الإدارية، وصل رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله على رأس وفد حكومي رفيع في 2 أكتوبر الماضي إلى قطاع غزة لأول مرة منذ أكثر من عامين.

ولدى وصوله غزة، أعلن الحمد الله بدء تسلم حكومته مهامها في القطاع بموجب تفاهمات المصالحة، فيما ضم الوفد المرافق له جميع وزراء الحكومة ورؤساء المؤسسات والهيئات الحكومية وقادة أجهزة أمنية في السلطة الفلسطينية.

وعقدت الحكومة اجتماعا وزاريا لها في غزة، وتعهدت بالعمل تدريجيا على حل الأزمات الإنسانية المتفاقمة في قطاع غزة حال تمكينها من استلام كامل مهامها.

وكان لافتا وصول مدير المخابرات المصرية الوزير خالد فوزي إلى الضفة الغربية للقاء الرئيس محمود عباس، ومن ثم إلى غزة والاجتماع بالحكومة في غزة.

وفي 17 من أكتوبر الماضي أعلنت مصر توصل وفدان من فتح وحماس لاتفاق مكتوب بشأن آليات تمكين حكومة الوفاق من استلام مهامها في قطاع غزة، بعد ثلاثة أيام من حوارات ثنائية برعاية جهاز المخابرات المصرية.

ونص الاتفاق المذكور على "اتفاق فتح وحماس على إجراءات تمكين حكومة الوفاق الوطني من ممارسة مهامها، والقيام بمسؤولياتها كاملة في إدارة شؤون قطاع غزة كما في الضفة الغربية، بحد أقصى في الأول من ديسمبر المقبل مع العمل على إزالة المشاكل الناجمة عن الانقسام".

وعقب الاتفاق وصلت بالتتابع وفود حكومية رفيعة من الضفة الغربية إلى قطاع غزة لبدء استلام المقرات والمؤسسات الحكومية والاجتماع مع الموظفين العاملين فيها.

وفي الأول من نوفمبر الجاري تسلمت حكومة الوفاق الفلسطينية رسميا إدارة معابر قطاع غزة مع إسرائيل (ايرز/بيت حانون) المخصص لعبور الأفراد، و(كرم أبو سالم) المخصص للبضائع، ومعبر رفح البري مع مصر.

لكن ومع حلول الأول من ديسمبر دفعت خلافات فتح وحماس إلى إعلانها عقب اجتماع للفصائل في غزة بحضور وفد أمني مصري إلى طلب تأجيل تسليم إدارة قطاع غزة كاملة لحكومة الوفاق لمدة 10 أيام.

ثم تكرر الحال مع انقضاء مهلة العشرة أيام الإضافية بإعلان حكومة الوفاق أنها لم تتول كامل المسؤوليات في قطاع غزة، خاصة في ظل إشكاليات ملفات الأمن والموظفين والجباية المالية.

ويعد ملف الموظفين المعينين من حماس أحد أبرز ملفات الخلاف في مباحثات المصالحة، بحكم مطالبة الحركة للسلطة بصرف رواتب لموظفيها الذين يزيد عددهم عن 40 ألف موظف ما بين عسكري ومدني.

وتطالب حماس بالتزام حكومة الوفاق بصرف دفعات رواتب لهؤلاء الموظفين قبل إتمام تسليم الجباية لها وهو أمر لم يتم الاتفاق عليه حتى الآن.

عقدة السلاح

يبرز مراقبون فلسطينيون عقبات أكثر إلحاحا، تحتاج الى التفاهم عليها بين فتح وحماس، وعلى رأسها الملف الأمني وسلاح المجموعات المسلحة، بما فيها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس.

ويقول المحلل السياسي من غزة أكرم عطا الله، إن مباحثات المصالحة في 2017 لم تصل كما الحال في الأعوام السابقة إلى نقطة الخلاف الأبرز وهي السلاح، وحين تتجاوزها الأطراف يمكن فقط للفلسطينيين الحديث عن مصالحة جدية.

وينبه عطا الله، إلى معضلة كيفية التوفيق ما بين رغبة السلطة الفلسطينية بسلطة واحدة وسلاح واحد، ورغبة حماس باستنساخ تجربة حزب الله في لبنان.

ويعتبر بهذا الصدد أن الدور المصري "يجب أن يكون حاضرا في إبداع حلول توفيقية، وإذا ما تمكنت الأطراف من حل قضية السلاح حينها سنرى الدخان الأبيض يصعد من القاهرة ونبدأ بالدخول لمرحلة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية".

لكن في الوقت نفسه يشدد عطا الله، على أنه "لا يمكن لكل هذه الهوة الكبيرة التي حفرت في السنوات العشر الماضية من الانقسام أن تردم في ليلة واحدة، فالحدث أكبر كثيرا من مرور عابر، والتفاصيل الإدارية والسياسية بحاجة إلى الوقت الطبيعي".

يشار إلى أن إسرائيل أعلنت اعتراضها على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس في 2017 وقررت أنها لن تتفاوض مع حكومة فلسطينية تعتمد على حماس باعتبارها "تنظيما إرهابيا"، مشترطة نزع سلاح الحركة الإسلامية.

المأزق الفلسطيني والمصالحة

واجه الفلسطينيون مع نهاية 2017 معضلة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وما يوجه ضربة قاصمة لمساعيهم لإقامة دولة مستقلة لهم يتمسكون بأن يكون الجزء الشرقي من القدس المحتلة عاصمة لها.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد ياغي، إن الإعلان الأمريكي بشأن القدس أظهر أن الفلسطينيين يواجهون المأزق الأشد في مسيرتهم، ما يفرض عليهم التفكير بشكل استراتيجي في حماية قضيتهم من الضياع.

ويشدد ياغي، على أن أي تفكير استراتيجي بالشأن الفلسطيني يجب أن ينطلق بأن لا حلول للقضية الفلسطينية دون تصعيد الأزمة مع إسرائيل ونقلها لها، لكن ذلك وأياً كان اتجاهه يتطلب تحصين البيت الداخلي الفلسطيني، حتى يتوحد الجميع لمواجهة المشاريع التي تستهدف وجودهم.

وينبه إلى الحاجة الماسة فلسطينيا لضم حركتي حماس والجهاد الإسلامي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لهذه المؤسسة بنقل كل ما له علاقة بالعمل السياسي في السلطة لها.

ويخلص ياغي، إلى أن تحقيق المصالحة الفلسطينية بشكل عملي وجدي على الأرض، بات يمثل طوق نجاة أخير للنظام السياسي الفلسطيني، وللنهوض به للقيام بمسئولياته إزاء حماية القضية الفلسطينية ومنعها من مزيد من التراجع الشديد.