ادعس دعسة كاملة!

رام الله-"القدس"دوت كوم- إبراهيم ملحم - على خطى سلفه الشهيد الراحل ياسر عرفات، لم يترك أبو مازن طيلة سنوات الوهم الماضية، حجرًا إلّا وقلبه بحثًا عن السلام، متسلّحًا بصبر جميل، وهو يلاحق "العيّار إلى باب الدار"، في متاهات البحث عن الماء في صحراء السراب والعذاب، بينما كان الوسيط المنحاز يقف في العدوة القصوى، وهو يتلهى بإضاءة الإشارات الحمراء، ووضع المطبات والحواجز الطيّارة، لكبح جماح الاندفاعة الفلسطينية، وهي تغذ الخطى لبلوغ غايتها، بينما ترك الحبل على الغارب لاسنان الجرافات، كي تبتلع الأرض دون كوابح تكبح جماحها، أو إشارات تحذّرها من مخاطر جنون سرعتها.

سيادة الرئيس؛ ادعس دعستك الكاملة، فبعد أن ذاب الثلج وبانَ المرج، واتضحت معالم الطريق اليوم مثلما لم تتضح من قبل، بإعلان ترامب قراره الاخرق باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، دون أدنى التفاته لقرارات الشرعية الدولية، التي تعتبر القدس أرضًا محتلة، وبعد أن كُسر قيد الوهم الذي كبّل خطواتك وغلّ يديك طيلة رُبع قرن من اللّهاث خلف السراب، فإن الوقت قد حان لأن تنطلق متحللًا من أيّ قيد، لتجسيد الدولة واقعًا على الارض، متكئًا على اصطفاف أمميّ قلّ نظيره، لممارسة مختلف الخيارات - بما فيها الجنائية الدولية - وسلوك جميع الطرقات - بما فيها طريق الحرير لتدويل القضية بمشاركة الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن - الموصلة إلى القدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، والتي بات الطريق إليها اليوم أقصر من أي وقت مضى، بفعل ثباتك على الموقف الوطني، بعد انكشاف الموقف الأمريكي المتكّئ على "جمهوريات الموز" التي تبدو كباقي الوشم في ظاهر اليد، أمام تعاظم التأييد الاممي لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.

ادعس دعستك الكاملة، ، ففي قوانين السياقة، كما في قوانين السياسة وقواعدها، فإنّ الدعسة الناقصة عند اجتياز المفترقات، أو السير البطيء على الطرقات، من شأنها أن تتسبب بحوادث قاتلة، وبينما تنطلق اليوم متحللًا من قيود الوسيط الشريك بالعدوان، وإشاراته المخادعة طيلة سنوات الخديعة الماضية حسب توصيفك الدقيق والأمين، الذي جاء في خطابك التاريخي، أمام المنتظم الأممي، ملتزمًا بأنظمة المرور العالمية، وبقوانين السير على الطرق السريعة، وفي لحظة وطنيّة تاريخية فارقة، فلا بُدّ أن تدعس دعستك الكاملة حتى تغلق العدّاد ،لبلوغ أهداف شعبك، وحماية حقوقه المشروعة من عدوّ مناور يتربّص به، ووسيط مخادع يتنكّر لحقوقة المشروعة في واحدة من أكثر اللحظات الفلسطينية حراجة وخطورة .

ادعس دعستك الكاملة، فلم تكن الطريق مفتوحة أمامك مثلما هي اليوم، ولم تكن الخديعة بائنة لك مثلما هي اليوم، ولم يكن التفاف شعبك حولك، ودعمه وإسناده بلحمه الحيّ، لصمودك في معركة المصير مثلما هو اليوم، ولم يكن التأييد العالمي لقضية شعبك بالمستوى الذي بلغه اليوم، رغم أساليب التنمّر والبلطجة السياسية المحمولة على التهديد والوعيد، الطارئة على تقاليد الحكم، وأساليب السياسة، وكتعويض لك ولشعبك، من الزمن العربي الرديء، الذي عشنا فيه وشفنا بعضًا ممن يحملون الأسماء الحسنى، وهم يعظوننا بأن "لا نجعل من قضية هامشية كقضية القدس تعكّر صفو علاقتنا مع الأمريكان".

ادعس دعستك الكاملة؛ وأنت تعلم أنّ القادم أسوأ، وأنّ شطب القدس من ملفات الحلّ النهائي بجرّة قلم من رئيس متهوّر ماهي إلّا الجزء الظاهر من جبل الجليد الغاطس في مياه الصفقة الآسنة، واعتصم بالامم المتحدة راعيًا حصريا لاية مفاوضات، وبالقانون الدولي مرجعًا وحيدا لاية مقاربات او تسويات.

ادعس دعستك الكاملة، بعد أن بات مصير الضفة في مهبّ رياح المزايدات الحزبيّة، في أكثر الحكومات الإسرائيلية تطرّفًا، وباتت بوابات المدن في قبضة الغطرسة، وأضحت الشوارع، وحقول الزيتون، تحت سطوة المستوطنين الطارئين، وغدت حافلات ذوي الأسرى، غير آمنة من شذوذ العابرين، وتفاهات التافهين.

ادعس دعستك الكاملة، بعد أن أصبحت شخصيًا في عين العاصفة، وبات رأسك مطلوبًا، على مقصلة البدائل المتوهمة، والمشاريع والصفقات المتدحرجة، في سوق المقاربات، وسلالم الأولويات، واستبدال الأعداء، في زمن يتمنى المرء لو أنه لم يبلغه ليرى ما يرى من مظاهر الخذلان، والاستخذاء العربي المهين.

ادعس دعستك الكاملة، وأنت في الأرض التي بارك الله فيها وحولها، يحرسها المرابطون مسلمون ومسيحيون، برموش عيونهم، ونزف جراحهم، ووجع معاناتهم، وهم الذين قال عنهم سيّد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: "لن يضرّهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء إلى يوم الدين".

نعرف ألاّ قِبل لك بمناطحة ولا مباطحة الدولة العظمى، التي يقودها زعيم متهوّر غريب الأطوار، وصل إلى سُدّة الحكم بفارق ملتبس، لكننا نعلم علم اليقين أنّك تحتفظ في قلبك وبين أصابعك بـ"الباسوورد" القادر على فتح أبواب السلام والاستقرار، في المنطقة والعالم، وهو رقم عصيّ على اختراق القراصنة، فيه من عناصر القوة ما يفوق، ما تتكتم عليه القوتان الطاغيتان في واشنطن وتل أبيب مجتمعة.

ونعرف وتعرف أن علاقتنا بامريكا تدحرجت من الـ"لا" القاطعة المانعة، الى "اللعم" المائعة، فـ" النعم" التي ادخلتنا الى نحو ربع قرن من التيه، قبل أن نصحو من وهم السنين، لتعود تلك العلاقة الملتبسة الى سيرتها الاولى" لا" قاطعة مانعة لا رجعة عنها، طالما ظل "الوسيط" شريكا في العدوان وبائعًا للاوهام.

في كل مرة تتزايد فيها الضغوطات على السلطة الوطنية، وتغلق في وجهها الآفاق، يعود مصطلح تسليم المفاتيح وحل السلطة، الى التداول من جديد، وهو مصطلح رغم النوايا الطيبة لمستخدميه،إلا أنه ينطوي على درجة عالية من الخطورة ، إذا ما أخذ طريقه الى حيز التنفيذ، تحت وقع الشعور باليأس من الاجراءات الاسرائيلية المتصاعدة، والتي كان آخرها تصويت حزب الليكود بفرض السيادة الاسرائيلية على المستوطنات في الضفة، وما يتبع ذلك من اجراءات باخضاع الضفة الغربية إلى القوانين الاسرائيلية.

فاسرائيل وهي تتخذ مثل تلك الخطوات التصعيدية الاستفزازية، إنما ترمي من ورائها إلى إضعاف السلطة ودفعها للانتحار بالرد على تلك الاجراءات، باجراءات مماثلة تتنصل فيها من اتفاقات اوسلو لتقول للعالم بان الفلسطينيين هم من تنصلوا من تلك الاتفاقيات، رغم انها هي من تنصلت منها منذ زمن بعيد .

وأحسب أن أمام أعضاء المجلس المركزي المجتمعين في رام الله يومي الرابع عشر، والخامس عشر من الشهر الجاري مسؤوليات تاريخية، تتطلب حكمة وصبرا، ونفسًا طويلاً ، بقرارات تبتعد عن الانفعال، ودغدغة الرأي العام، فالرد على الاجراءات الاسرائيلية الاستفزازية، لا يكون بالتهديد بحل السلطة، بل بحمايتها وتطويرها الى مستوى الدولة، مستفيدين من قاعدة أممية عريضة ترى في الخطوة الامريكية اعتبار القدس عاصمة لاسرائيل، وفي الاجراءات الاسرائيلية بفرض السيادة على الضفة الغربية، إجراءات مدانة باعتبارها تتعارض مع القوانين الاممية، وهو ما ينبغي العمل على توسيع قاعدته الى مروحة أوسع عبر مطالبة تلك الدول، باجراءات عملية لدعم خيار الدولتين، فإذا لم تستطع تلك الدول منع اسرائيل من المضي في اجراءاتها الاحادية، فلا أقل من أن تعلن اعترافها بالدولة الفلسطينة المستقلة ، وبالقدس عاصمة لها.

ادعس دعستك الكاملة، فنحن معك نواجه من يحاول أن يخدعك أو يقضّ بليلٍ مضجعك .. امض حتى نهاية الشوط، فالتاريخ يُكتب اليوم بالدم والدموع، وسيُسجّل اسمك في صفحة الخالدين؛ مع الذين ما بدلوا تبديلا.