عن بينس... الرجل الذي وقف خلف ترامب

بقلم:الدكتورة أماني القرم

وقف مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي، بعيون لامعة ومنتصرة خلف ترامب مباشرة خلال توقيع هذا الأخير لقراره المشئوم بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي، في دلالة واضحة بأن الجدل قد حسم لصالح الدين مقابل السياسة كأساس للتوجهات الأمريكية إزاء إسرائيل.

مايك بينس المسيحي المحافظ كما يحب أن يصف نفسه، وُلد كاثوليكياً وتحول إلى الإنجيلية بعد "الولادة الثانية والخلاص"، يؤمن إيماناً راسخاً بأن "اسرائيل" الواردة في العهد القديم هي نفسها إسرائيل المعاصرة، وأن المسألة تجاهها ليست قضية فحسب، بل هوية وعقيدة وانتماء شأنه في ذلك شأن باقي معتنقي الحركات الأصولية المسيحية والإنجيليين الذين يتمسكون بالنصوص الحرفية للكتاب المقدس، ويعتقدون أن إقامة اسرائيل هي أعظم دليل على صدق نبوءات التوراة وأن سيادة اليهود على القدس محور العودة الثانية للمسيح مخلّصاً ونهاية الزمان. ولعل السبب الرئيسي لاختياره نائباً للرئيس هو رغبة ترامب في كسب أصوات اليهود والأصوليين المسيحيين بطوائفهم المختلفة . فـ "بينس" شخصية معروفة بين الجموع المسيحية المحافظة في الولايات المتحدة، وتاريخه يطفح بالمواقف الداعمة لاسرائيل ويسعي دوماً للتصريح بمساندته الدينية لها في كل المناسبات قولاً وفعلاً. فقد صرح أمام الإيباك أن " واجبي كمسيحي يفرض عليّ دعم إسرائيل بشكل قاطع"، وقال أمام مؤتمر منظمة "مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل": "أعداء إسرائيل أعداؤنا ، وقضيتها قضيتنا.. على العالم أن يعرف شيئاً واحداً: أمريكا تقف مع اسرائيل.."!

كما أن بينس هو أحد المؤيدين بقوة لبناء جدار الفصل العنصري، فمنذ أن كان عضواً في مجلس النواب تقدم بمشروع قرار في الكونغرس عام 2004 نصه " دعم بناء إسرائيل لجدار أمني لمنع الهجمات الفلسطينية"، التي وصفها بالإرهابية إضافة إلى "إدانة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتحويل قضية الجدار إلى محكمة العدل الدولية".

كان من المقرر منذ تشرين الأول الماضي أن يقوم "بينس" بزيارة للشرق الأوسط قبل حلول عيد الميلاد، وبغض النظر عن الكلاشيهات السياسية والدبلوماسية التي صاحبت الإعلان عن الزيارة المقررة، فإن الهدف الأساسي لها هو ديني بحت يتمركز حول إظهار التضامن مع المسيحيين المضطهدين في الشرق الأوسط، وبناءً على تصريحاته بأن الرئيس ترامب "أوكل له مهمة إنهاء اضطهاد المسيحيين". وقد اعتقد بينس أن الدفع بقرار ترامب للاعتراف بالقدس سيمنح زيارته الدينية زخماً اكبر. ولكن تداعيات القرار السلبية خيمت على زيارته المرتقبة، فقد أعلنت المرجعيات المسيحية الكبرى في مصر وفلسطين رفضها لاستقباله مما أطاح كليّة بزخم الزيارة وفحواها وبدا ظاهراً أن بينس سيحتفل وحده مع نتنياهو بعيد الميلاد، الأمر الذي اضطره لتأجيلها بحجة قانون الاصلاح الضريبي.

خلاصة الكلام، لم نخسر شيئا بعدم استقبال بينس كما لن نربح من لقائه .. إن الجهود يجب أن تتجه الآن لدعم أخوتنا وتعزيز دورهم في مساندة قضية فلسطين ومواجهة الفكر المسيحي الأصولي. وعلى السلطة الفلسطينية بكافة رموزها والمرجعيات الدينية الإسلامية القيام بعدد من الخطوات من أجل مواجهة التحالف الصهيوــــ مسيحي والتي تتركز في:

أولا: الدعوة لعقد مؤتمرات مسيحية دورية عربية ودولية تهدف إلى دعم قضية القدس كمدينة للأديان الثلاثة، وتفسر بعض المفاهيم الدينية المغلوطة والنبوءات التوراتية المنتشرة التي تخدم الاحتلال.

ثانيا: خلق جسر للتواصل ما بين الكنائس والقيادات المسيحية الأمريكية الرافضة لقرار ترامب مع نظرائهم من الفلسطينيين ، ودعوتهم لزيارة الأراضي المقدسة. وهذا الأمر لا يتأتي إلا عبر إشراك رموز مسيحية فلسطينية في جهود حشد الدعم للقضية الفلسطينية.

ثالثاً: وضع خطة عمل مشتركة يتردد صداها عالمياً بين القيادات الإسلامية والمسيحية العربية لها هدف موحد ومحدد حول وضع القدس والحقوق الفلسطينية في المدينة.

amaney1@yahoo.com