قرار ترامب في المرآة: أكاذيب تكشفها الحقائق

واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات - مع أن ما يسمى بعملية السلام، وحل الدولتين، و"صيغة الأرض مقابل السلام"، وجميع الكليشيهات الأخرى المتعبة، ماتت منذ زمن طويل وتحللت، إلا أن إعلان ترامب الأربعاء الاعتراف الرسميّ بـ "القدس عاصمة لإسرائيل"، بدد الوهم بأن واشنطن حريصة دائمًا على تحقيق سلام عادل ودائم بين إسرائيل وجيرانها، وهو ما روجت له لعقود طويلة تخديرًا للعرب من أجل تمزيقهم واحتلال المزيد من أراضيهم وشفط مقدراتهم وإقحامهم في حروب أهلية لا تنتهي.

والسؤال عن "ماذا ولماذا" نحن الآن نقع في هذه الورطة المعقدة حقيقة يجب أن يوجه إلى الذين وضعوا مشروع التحرير الوطني قيد الانتظار منذ ربع قرن في تعويل غير منطقي بأن تقوم الولايات المتحدة بدورها الأخلاقي "كوسيط نزيه وصادق للسلام".

تبدد الوهم اليوم لأن بإعلانه القدس عاصمة إسرائيل، يقوم ترامب بإزاحة حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، حيث لم يعد من الممكن الحديث عن "حل الدولتين"، و"دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية"، وكل التصريحات المنافقة الأخرى التي حددت الخطاب السياسي الأميركي نحو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لعقود طويلة.

والأسوأ من ذلك هو تداعي قراري مجلس الأمن 242 و 338 اللذان شكلا أرضية لنهج الولايات المتحدة فيما يتعلق بما يسمى "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" منذ عام 1967، حيث تطالب هذه القرارات بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي احتلتها في حرب عام 1967، ويعتبران القدس الشرقية هي أرض محتلة وفق معطيات القانون الدولي.

يوافق المراقبون المطلعون على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل على أن القرار يقلل (إن لم ينهي تمامًا) من فرص السلام الفلسطيني الإسرائيلي، ويثير تساؤلات خطيرة فيما يتعلق بالقانون الدولي، ويخاطر برد فعل عنيف ومزعزع للاستقرار قد يستهدف مصالح الولايات المتحدة على الصعيد العالمي.

وعلى الرغم من أن إعلان ترامب لم يعترف صراحة بضم إسرائيل للقدس الشرقية المحتلة، إلا أن الإسرائيليين طالما اعتبروا أن الاعتراف بالقدس عاصمة يعني الاعتراف أوتوماتيكيًا بذلك، كون أن المدينة بأكملها تقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي.

إن المعارضة شبه العالمية لقرار ترامب من قبل الكثير من المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والسياسة الخارجية لا تنبع من بوصلات أخلاقية أو مخاوف على مصير الفلسطينيين أو القانون الدولي، بل هم يخشون من أن الاعتراف الفعلي للسيطرة الإسرائيلية الحصرية على ثالث أقدس مدينة للمسلمين سيثير رد فعل عنيف في جميع أنحاء العالم الإسلامي (وهو ما أشك به)، وأن يستغل رجال الدين من المتطرفين الإسلاميين الغضب الشعبي بشأن القرار لتشجيع الهجمات العنيفة، بما في ذلك الإرهاب، واستهداف المصالح الأميركية.

في الواقع، قد يكون ترامب يسعى لمثل هذه النتيجة. فمنذ إطلاق حملته الرئاسية (2015)، بذل الرجل الكثير من الجهد لإثارة التعصب والترهيب ضد المسلمين، كما يتجسّد في قراره الأخير بإعادة تغريدات أشرطة الفيديو المضللة المناهضة للمسلمين التي جمعتها مجموعة بريطانية جديدة فاشية. إن أي أعمال شغب وأعمال إرهابية يقوم بها المسلمون ردًا على قرار ترامب لن يعزز سوى سرده وأجندته وتقييده للهجرة، والمزيد من القصف والعدوان على المزيد من البلدان العربية والإسلامية.

أخيرًا، لا بد من العودة لقانون "سفارة القدس لعام 1995"، الذي ينص على أن تقوم الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس، فهذا القانون في أصله لم يكن إلا محاولة منافقة من السيناتور الجمهوري آنذاك بوب دول الذي كان يهيئ لخوض الانتخابات الرئاسة الأميركية ضد الرئيس الأميركي (عندئذ) بيل كلينتون ليكسب عطف ودعم اللوبي الإسرائيلي إيباك، لا أكثر. ولكن مشروع القرار سرعان ما خرج من دائرة حكر اليمين الجمهوري وإلى الحيز العام كون أن الديمقراطيين تنافسوا على "محبة وتأييد إيباك"، في تخل واضح عن أبسط المعايير الأخلاقية، وسرعان ما تقدم العديد من الديمقراطيين البارزين مثل جو بايدن (نائب الرئيس باراك أوباما) وجون كيري (وزير خارجية باراك أوباما) ولم يصوّت ضد القرار سوى ديمقراطي واحد السيناتور (الراحل) روبرت بيرد من ولاية فرجينيا الغربية.

وعلى صعيد مجلس النواب، لم يصوت سوى ثلاثين من أصل 204 من الديمقراطيين، منهم عضو الكونغرس المستقل آنذاك بيرني ساندرز (الذي خاض حملة انتخابات أولية ضد هيلاري كلينتون في عام 2016).

صحيح أنه ومنذ ذلك الحين، استغل كل رئيس حق التنازل (الاستثناء) لمنع هذه الخطوة الاستفزازية كل ستة أشهر، ولكنهم فعلوا ذلك على الرغم من استمرار الضغط من الحزبين في الكونغرس الأميركي. وما علينا إلا أن نتذكر أنه في شهر حزيران الماضي، وبعد أيام فقط من إصدار ترامب تنازله (استثناءه الأول) لإرجاء نقل السفارة يوم 1/6، صوت مجلس الشيوخ على 90 صوتًا لصالح قرار يؤكد مجددا قانون عام 1995 ويدعو الرئيس ترامب "إلى الالتزام بأحكامه".

وكان من بين الرعاة الديمقراطيين البارزين زعيم الأغلبية تشاك شومر (ولاية نيويورك) وبن كاردان (ولاية ميريلاند)، وكلاهما من أرباب إيباك، فضلا عن تامي بالدوين وكيرستن جيليبراند وكوري بوكير ورون ويدن، وكلهم يعتبرون أنفسهم من التقدميين ولكنهم مدمنون على أموال إيباك.

شومر، أحد أكبر المواليين لإيباك، طلب علنا من ​​ترامب نقل السفارة وانتقده بسبب "عدم حسمه" بشأن هذه القضية.

كما دعت منصات الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى الاعتراف بالقدس عاصمة غير مجزأة لإسرائيل، ولم تأت على ذكر القدس بأنها المركز التجاري والثقافي والتعليمي والديني للحياة الفلسطينية.

الفلسطينيون هم الوحيدون الذين يستطيعون تغيير كل ذلك عبر أساليب من المقاومة الخلاقة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي المجرم، ولا أحد آخر.