في الهمِّ الوطني والقومي الراهن

بقلم: المهندس عبد الرحمن وهيب البيطار

قررت في هذا اليوم ان اكتب رسالة الى والدي وذلك بمناسبة مرور مائة عام وعام على إبصاره النور في مدينة نابلس والتي كانت في ذلك الحين إحدى مدن فلسطين ضمن بلاد الشام (قبل ان تُجَزِأها سايكس بيكو) فيما بعد وتخرجها من تحت حكم الإمبراطورية العثمانية.

حين أبصرت يا والدي النور، كانت ثورة الشريف حسين بن علي، على الأتراك قد بلغت من العمر مائة وستة وستون يوماً فقط. كان العالم، يا والدي، لا يزال مسرحا لحرب عالمية ضروس اندلعت في اوروبا قبل أكثر من عامين، وامتد لهيبها ليشمل أصقاعاً واسعة في آسيا والبحار والمحيطات. كان أبناء بلاد الشام يُساقون في تلك الحرب للقتال الى جانب الأتراك في بلاد البلقان والقوقاز وفِي شبه جزيرة القرم، وفِي جَبَهاتِ قتالٍ اخرى، في حربٍ ليست حربهم، ولأهداف حددها قادة " التتريك " الذين تمكنوا، يا والدي، من السيطرة على الدولة العثمانية في انقلابهم على سلاطينها في العام ١٩٠٨، أي قبل ان تُبصِر النور بثمانية أعوام.

والدي الحبيب، منذ ان ثار الظاهر عمر على الأتراك في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، كان إعلان الشريف حسين ثورة العرب على الاتراك في ذلك الوقت اول تجسيدٍ مادي لأماني وتطلعات شعوب جزيرة العرب وبلاد الشام وبلاد الرافدين نحو الاستقلال وبناء دولة عربية قومية عصرية، وتحقيق التقدم والعمران لتحتل موقعها في العالم الحديث.

نعم ، يا والدي ، لقد استفزت سياسات التتريك المشاعر القومية العربية ، واستنفرت مشاعر القومية الكردية ايضاً ، وشَجَّعت الشريف حسين على تعميق اتصالاته مع بريطانيا وسعيه الى كسب تأييدها لمشروع دولته الواحدة والتي أعلن الشريف حسين في رسالته الى السير هنري مكماهون المقيم في مصر أنها ستُقام ضمن حدودها والتي تمتد من " مرسين - أضنة حتى الخليج العربي شمالاً ، ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقاً ، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوبا - يستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي - ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سيناء غرباً " " على ان توافق إنكلترا أيضاً على إعلان خليفة عربي على المسلمين " وذلك حسبما جاء في رسالة الشريف حسين الى السير هنري مكماهون والمؤرخة في١٤ تموز ١٩١٥ .

لم يكن مشروع بناء تلك الدولة ، يا والدي ، تتويجاً لتطور اقتصادي اجتماعي -لشعوب المنطقة التي حددها الشريف مكانا لإقامة دولته- عبّر عن نفسه في تثبيت الحاجة الى بناء كيان قومي مستقل وذلك على نحوٍ مشابه لحركة التطور التي مرَّت بها شعوب اوروبا في القرون القليلة الفائتة وعلى الأخص بعد اندلاع الثورة الفرنسية في العام ١٧٨٩، وانما جاء رد فعلٍ لسياسات التتريك التي انتهجتها الحركة القومية التركية الناهضة ( حزب الاتحاد والتّرَقي الذي أنشأه القوميون الأتراك منذ العام ١٨٦٥) والتي كانت بحد ذاتها تعبيرا عن نمو الإحساس القومي التركي ، وعن نزعته الاستعمارية بالإبقاء على سيطرته على شعوب اخرى،

ولم تكن حركة ثورة الشريف حسين على ذلك القدر من التنظيم ولم تتح لها موارد وإمكانات ذاتية كبيرة، فوقعت منذ نشأتها، تحت وطأة حاجتها للدعم، منذ فريسة اطماع القوى الاستعمارية المهيمنة في تلك الأيام (بريطانيا، فرنسا روسيا)، والتي نجحت في تسخيرها في نهاية المطاف لخدمة الأهداف الاستعمارية لتلك الدول. فوجدت نفسها مع انتهاء تلك الحرب الكونية تقع تحت نير استعمار أوروبي مُتَمَكِّن يملك مقدرات هائلة أعمل في الحيّز الجغرافي للدولة المنشودة تقسيماً وتفتيتا، وعمل على نهب مواردها وثرواتها خدمة لمصالحه واهدافه، وقدّم لها ذلك القدر من الدعم الذي يبقيها قادرة على خدمة أغراضه ومصالحه.

وبالنتيجة، تم، يا والدي، تم وأد الثورة في مهدها، وسقط مشروعها الاستقلالي النهضوي لصالح التعامل مع الاوضاع التي أسفرت عنها الحرب والقوى المنتصرة فيها، وخرج من رحمها دول اٌسْتُعْمَرَت مباشرة او تحت مسميات «انتدابات».

يا والدي، لم يكُ، إعلان الثورة العربية قد وعى مخاطر الحركة الصهيونية، والتي كانت منذ عشرين عاما فقط قد نجحت في تنظيم نفسها، وتكوين مؤسساتها الناظمة لعملها السياسي والمالي والاداري والاستيطاني على ارض فلسطين والذي نجحت من خلالها في انشاء اثنين وأربعين مستوطنة في أماكن استراتيجية من فلسطين ومن تهجير ما يزيد عن خمسين ألف مستوطن يهودي خلال الفترة الممتدة من عام ١٨٨١ وحتى عام ١٩١٤ والتي كانت فلسطين خلالها تحت وطأة حكم عثماني طويل امتد على مدار أربعة قرون ثقيلة.

في اللحظة التي ابصرت فيها النور، كانت شعوب المنطقة، تُعاني التهتك والفقر والتخلف والأُمية، وفقدان التنظيم ومن استبداد سلطات الحكم العثماني، ومن الاستغلال والمهانة من القوى المحلية المهيمنة والمتحالفة مع تلك السلطات، ومن غياب مؤسسات الحكم المحلي او ضعفها. كان الوضع مُريعاً يا والدي، وكانت الأماني المشدودة لمشروع الثورة وأهدافها، تتجاوز قُدْرات تلك الثورة والتي اضطرت في تمويلها وتموينها وتسليحها للاعتماد شبه الكلي على ما تجود به اليد (الكريمة) «لبريطانيا العظمى»، فاكتشفت فيما بعد انها تحولت الى اداة لتحقيق مصالح وأهداف بريطانيا وحليفتها في الحرب؛ فرنسا، دون إقامة اي اعتبار لـ " الحليف " العربي الناشئ، والتضحيات التي بذلها الثوريون العرب المنضوون تحت لواء الثورة في سبيل تحقيق أهدافها المعلنة.

تلك يا والدي، خلاصة للأوضاع والظروف التي كانت سائدة في المنطقة في اللحظة التي أبصرت فيها النور. ومع أنك رحلت يا والدي في ايلول من العام ١٩٨٥، بعد تسعٍ وستين عاما قضيتها في العطاء لفلسطين والأردن، فإنّي اخْتِرتُ ان أُسجل في هذا المقال، الظروف السائدة في اللحظة التي يمر فيها ذكرى ميلادك الحالي اي في ٢٣ تشرين الثاني ٢٠١٧.

لا أريد أن أُخبرك يا والدي عن أخبار أفراد العائلة، وعن الأحفاد والأصهار، وعن معاناتهم او إنجازاتهم الفردية، فتلك تبقى شؤون ذات طابعٍ خصوصي تَهونُ أمام ما يجري على أرض هذا الوطن، والذي كان شؤونه وهمومه مصدر أَرَقٍ لك طيلة الفترة التي وعيتك فيها،

نعم، يا والدي، فبعد وفاتك في العام ١٩٨٥، ولّدَت التطورات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي ، وانتصار قوات حركات إسلامية دينية سلفية في أفغانستان بمشاركة مقاتلين اسلاميين جاءوا اليها من مختلف الدول العربية والإسلامية ، وتوقف الحرب العراقية الإيرانية ، ودخول القوات العراقية الى الكويت وإعلان ضمها الى العراق بذريعة تصحيح ما قام به حاكم الهند البريطاني في العام ١٨٩٩ من سلخ منطقة الكويت عن مقاطعة البصرة ، أقول ، وَلّدَت تلك الأحداث ظروفاً دولية مواتية لشن أكبر حملة عسكرية وأوسع تدخل دولي منذ الحرب العالمية الثانية ، هذه المرّة بمشاركة ومباركة عدد من الدول العربية ، لتدمير دولة العراق وحالت القوى المهيمنة على ذلك التحالف دون التوصل الى حل عربي للأزمة التي ولّدها احتلال العراق لدولة الكويت.

منذ ذلك الوقت، يا والدي، والأمور والاوضاع تتدهور في كل قطرٍ من أقطار هذا الوطن. فقد أدى الصراع الدولي على أفغانستان الى تبني الولايات المتحدة الامريكية برنامج تدريب وتسليح قوات الحركات الاسلامية السلفية، تم من خلال هذا البرنامج استقطاب المقاتلين من بعض الدول العربية والإسلامية ، وتحويل باكستان الى منطقة تجمع وتدريب لأكبر تجمع عسكري إسلامي وتوجيههم لقتال القوات السوفييتية في أفغانستان تصفية لحسابات الصراع بين القوى الدولية في الحرب الباردة التي كانت لا زال أوارها مشتعلاً في ذلك الوقت، وذلك لإلحاق الهزيمة بالقوات السوفييتية هناك . وقد أدى نجاح مقاتلي الحركة الاسلامية السلفية في حربهم التي شنّوها في أفغانستان الى ظهور تيار أخذ شكل تنظيم إسلامي سلفي دولي (القاعدة) وضع لنفسه برنامجا خاصا به، تمكن في العام ٢٠٠١ من توجيه ضربات شديدة لعدد من الأهداف الاقتصادية والعسكرية في الولايات المتحدة الامريكية، مما دفعها- بعد التدخل الدولي في العراق في العام ١٩٩١ - الى احتلال العراق في العام ٢٠٠٣ وقيادة تحالف دولي لهذا الغرض بمباركة دول عربية ومشاركة العديد من قوات تلك الدول.

لقد أدى احتلال العراق وانهياره، يا والدي، الى سقوط حُرْمِة احتلال العواصم العربية، لا بل الى سقوط حرمة وعصمة استقلال أقطار تلك العواصم، فبعد احتلال بيروت في العام ١٩٨٢، وبغداد في العام ٢٠٠٣، أصبح كل شيء مباحاً يا والدي، وأصبح الطريق مهيئا لتنفيذ أكبر مخطط لتدمير بنية المجتمعات العربية في الأقطار، التي نشأت بعد الحربين الكونيتين الاولى والثانية من خلال استغلال الطبيعة الأمنية لأنظمة الحكم القائمة فيها وفقدان الديمقراطية وبذريعة الحاجة الى دمقرطتها.

ولتحقيق هذا المخطط، تم إفساح المجال لحركات القوى السلفية الدينية لتنطلق وتفلت من عِقالها ، وتحت مسميات "الربيع العربي "، وجدنا الأبواب تُفتح أمام اكبر حركة تجنيد للمقاتلين - بذرائع ومسميات إسلاموية - ومن كل أصقاع المعمورة وتحت مرآى اجهزة الاستخبارات الغربية وغض نظرها ، مع تسهيل عمليات نقلها وتحشيدها في عدد من الأقطار العربية والإسلامية وتحويلها الى ساحات صراع يتم ادارة مناقلة مُجَنَّدي تلك القوى من منطقة الى اخرى بما يتفق وتكريس عملية التدمير المنهجي لبنيان مجتمعات تلك الأقطار وتفتيتها . فشهدنا يا والدي، بعد تدمير العراق، تدمير سوريا وليبيا وسيطرة وهيمنة فكر سلفي في العراق لا يقيم اعتبارا للعقل ولا للقيم الإنسانية، ارتكبت تنظيماته على الارض جرائم بشعة يندى لها الجبين، بحجة "إقامة شرع الله على الأرض" وبذريعة إعمال الدين، وشهدنا كذلك بلدانا عربية أخرى تغرق في المديونية وتتآكل احتياطاتها المالية، على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر.

يا والدي؛ عندما نجحت ثورة " إسلامية " دينية في العام ١٩٧٩ في إسقاط شاه إيران، ونظام حكمه الموالي للغرب وإسرائيل، كان ذلك حدثا من أهم الأحداث التي حصلت في القرن العشرين. المشكلة، يا والدي، ان نجاح الثورة الاسلامية في إيران، قد تم تأويله على انه انتصار للفكر الشيعي وتعزيزا للطوائف الشيعية في أقطار البلدان العربية والإسلامية، وقد تم تأطير الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في العام ١٩٨٠ وتعريفها على انها تستهدف الوقوف امام المد " الشيعي " ومخاطر الهيمنة " الشيعية " على المنطقة. وفِي إطار ذلك، استُنْفِرَت العوامل الطائفية الكامنة في مجتمعات البلدان العربية والإسلامية لمواجهة ما تم تسميته بخطر " تصدير الثورة (الشيعية) " الإسلامية الى خارج إيران.

هذه الأحداث والوقائع وفّرَت الارضيّة المناسبة والإمكانات المادية الهائلة لنشوء حركات الاسلام السياسي السلفي فيما بعد وتعزيز الاصولية الدينية في عدد كبير من الأقطار العربية والإسلامية.

فَرّخَت هذه الخلفية، يا والدي، عشرات الحركات السلفية الاصولية، ودَخَلَت تلك الحركات في حالة تنافس فيما بينها بذريعة، ادَّعَت فيها كل منها، بأنها الممثل الصحيح " للطريق القويم " و " الدين الصحيح". وانْتَهَجَت بعض تلك الحركات نهج تكفير من لا يدين لها ولفكرها، وذلك لأجل نفي الآخر وتبرير وتحليل تصفيته واستئصاله، وَوَفَّرَت الفرصة للجانب الاسرائيلي وغيره من أجهزة الاستخبارات الغربية لاستثمار ذلك في تحقيق أغراض الحركة الصهيونية العالمية والقيادات اليمينية فيها وفِي اسرائيل. حصل ذلك مع انقضاء سبعة عشر عاما من القرن الحادي والعشرين، وبلغ أقص تجلياته مع اندلاع ما جرى تسميته بـ " الربيع العربي" في العام ٢٠١٠.

النتيجة التي آل لها الوضع يا والدي، ان عددا مهماً من الكيانات العربية التي نشأت بعد الحربين الاولى والثانية أصابها التفتت والتهتك والضعف والدمار على نحو غير مسبوق في هذه المنطقة. فأغلب ما تم بِناؤه وإنجازه بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن تم تدميره بأيدي أبناء شعوب تلك البلدان الذين تم تجنيدهم في او استعمالهم من قبل تلك الحركات السلفية التكفيرية، مدعومين بالمقاتلين المسلمين المُجَنَّدين الذين تم استقطابهم من كل حدب وصوب، بذريعة نُصرة الإسلام و " إقامة الدين" في بلاد اعتبروا حكامها ومن لا يدين " بدينهم " فيها من اَهلها انهم يجوز الاستيلاء على أملاكهم، ..الخ.

يا والدي، كِنْتُ اتحدث معك كثيرا على أهمية بلورة استراتيجية صحيحة في النضال الوطني والقومي، والآن أُعيدُ تأكيد ذلك، فأقول، في غياب استراتيجيات عمل تستشرف المستقبل وتحدد الأهداف، وترسم خطط تحقيقها، تم يا والدي، إقحام الأمتين العربية والإسلامية في صراع طائفي عَبَثي لا طائل منه، امتص جزءا كبيرا من مقدرات هاتين الامتين وإمكاناتهما. وباتت الثروات التي حبا الله بها بلاد هاتين الأُمتين ،والتي كانت كافية لانتشالهما من التخلف الذي لحق بهما خلال القرون الأربعة مبدَّدة على نحو لا مثيل له ، ونجحنا يا والدي في انتاج نماذج جديدة من الاستبداد ، وتحقيق تنمية شكلية بلا مضمون ولا أُفق ، وخَرّبنا وعبثنا، بذريعة وتحت رايات " العودة الى الدين " بفلسفة التربية والتعليم التي ساهمتَ انت ولفيفٍ من قادة المعارف في فلسطين والأردن في إرساء أُسسها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وانتهينا يا والدي الى إقصاء العقل والفلسفة في مناهجنا التعليمية ، والى تعميم مفاهيم غيبية لا تحترم العقل لصالح استدعاء الماضي بشكلياته واجتراره على قاعدة وبجريرة " لا يَصلح هذا الزمان الا بما صَلُحَ به أوله ". وكل ذلك تم على حساب تنمية مجتمعاتنا المحلية، فَغِرقَت بالتالي ، قطاعات واسعة من جماهير هذه الأمة في مستنقعات البطالة والجهل والأُمية والتخلف. ويأتي يا والدي العجز العربي ازاء الجانب الاسرائيلي وقضية الشعب العربي الفلسطيني، والمسار الذي انتهجته الأحداث منذ كامب ديڤيد في العام ١٩٧٨مثالاً صارخا على هذا العبث وغياب استراتيجيات صحيحة في العمل الوطني والقومي، بما وضع القضية برمتها في راهن هذه الأيام برسم التصفية الحاسمة لصالح الاحتلال الاسرائيلي.

يا والدي، لا زالت الامتين العربية والإسلامية بلا استراتيجية تخدم أهدافها ، أما فلسطين ، وقضيتها يا والدي ، فلا تَسَل ،فكما قلت لَكَ قبل قليل ، فقد اعمى الصراع الطائفي الذي تم إطلاق عنانه، القائمين على ادارة شؤون هاتين الامتين ، فلم يعودوا يَرَوْا الاولويات ، واختلط عليهم الامر عندما غَلَّبوا تناقضات ثانوية على التناقضات الاساسية التي يَكفل إيلاء الاعتبار لها وحَلّها بالحوار الحكيم تحرير بلادهم المسلوبة ونقلها من مراتع التخلف الى مرابع التقدم بما يفتح المجال امام ابنائنا لتقديم مشاركة ديناميكية في صنع التقدم وتنمية الحضارة الانسانية.

يا والدي ، ما بين لحظة ولادتك في ٢٣ تشرين الثاني من العام ١٩١٦ وهذه اللحظة حصلت احداث كثيرة، ما يهم فيها هو النتائج، والنتائج يا والدي مربوطة بمقدماتها، وهي لا تسر، فهل يلتقط مفكرو وشعوب وحكام هذه الأمة هذه الرسالة، وهل تبدأ عملية المراجعة، وتصحيح مجرى الأحداث من جديد..!؟، قبل ان تجذبنا مجريات الأحداث والمنطق الراهن الذي تُدار فيه الى قاعٍ لا قرار له.

استميحك عذرا، يا والدي، فإن جيلنا لم ينجح في استكمال ما بدأتموه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من عملٍ نهضوي، فوجدنا اوطاننا، مرة اخرى، بلا اتجاه؛ مسلوبة الإرادة، منهوبة الثروات، مكبلة بالديون، ووجدنا أراضيها وبحارها مرتعا للقواعد الأجنبية والأساطيل البحرية المستعدة للانقضاض لإجهاض ما تبقى من أمانينا وتطلعاتنا. ان المهمة، الملقاة، على ابنائنا تزداد صعوبة يا والدي، ولكني لا أعدم الأمل، فبين الانقاض، تنبت براعمه.

* كاتب المقال يرقد على سرير الشفاء في مدينة هايدلبرغ - ألمانيا.