"صفقة القرن"... وانعدام الجاهزية

بقلم: نبيل عمرو

لا أحد من اللاعبين الأساسيين المفترض ان يستقبلوا «صفقة القرن» جاهز للعمل بها وتنفيذ أي من بنودها، وأول الذين لا جاهزية لديهم هم الأمريكيون المبشرون بها، والذين حبسوا أنفاس العالم عدة أشهر في انتظار إعلانها. وعدم جاهزية الأمريكيين يوازيها عدم جاهزية الحليف الإسرائيلي، الذي هو في البداية والنهاية من يقرر.

وعلى الوجهة المقابلة فلا جاهزية عند الفلسطينيين، فإن وضعهم الداخلي لا يسمح باللعب وفق القواعد الامريكية، خصوصا بعد ان ظهرت مقدماتها الفادحة. وعدم جاهزية الفلسطينيين ترتبط كذلك بعدم جاهزية المحيط العربي، الذي فيه ما فيه من الاهتمامات والارتباطات والتداخلات، وهذا فيما يبدو هو السبب الأساس في طول أمد التلكؤ الأمريكي تحت عنوان المشاورات مع أطراف اللعبة.

غير أن عدم الجاهزية الذي يبدو موضوعيا وواقعيا بحكم تفجر قضايا منافسة وخصوصا في الشرق الأوسط، الا ان ما هو أعمق من ذلك ويبدو مستحيلا يعود إلى التركيبة الإسرائيلية وفهم مكوناتها لفكرة السلام مع الفلسطينيين.

فالطرف الإسرائيلي الرسمي الذي تجري المشورات الامريكية معه يجمع على نقطة واحدة، وهي اسقاط القضية الفلسطينية من الأولويات الملحة للدولة العبرية ، ولا يخفون هذا الأمر، ويقرون بأنه ليس مجرد موقف بل مبدأ ، واذا ما اضطر صاحب القرار في إسرائيل الى اظهار بعض مرونة من قبيل الدعاية ليس الا، فلديه منظومة إفكار واولويات لا تدع للحل السياسي مع الفلسطينيين أي مجال ، فهم يريدون أولًا التخلص من التهديد الإيراني النووي والاستراتيجي.

الحجج في النووي وان كانت غير مقنعة، الاّ انها محفوظة عن ظهر قلب، اما الحجج الاستراتيجية الراهنة ، فأولها وأهمها الوضع على الجبهة الشمالية وعنوانه ايران وحزب الله وارتهان النظام السوري لحليفيه، مع عدم ثقة بكفاية الوعود الروسية والتي لم تصل حد طمأنة إسرائيل.

الواقع على الأرض والتهديدات الإيرانية المشفوعة بتضخيم خطر صواريخ حزب الله، يغري الإسرائيليين بمواصلة تهميش الملف الفلسطيني، وإنزاله درجات من على سلم الأولويات.

اما الامريكيون الذين حرموا على انفسهم ممارسة أي ضغط على إسرائيل، فيبدو أنهم وفي زمن «صفقة القرن» يفضلون التكيّف مع الأسقف الإسرائيلية، وليس الخروج عليها ولو قليلا.

أما الجانب العربي الذي واجه محاولات إسرائيلية أمريكية ملحة لقلب الأولويات المنطقية للحل تحت شعار التطبيع أولا وحل القضية الفلسطينية اخيراً، فيبدو جلياً أن هذا التوجه قد فشل وأن وضع العربة أمام الحصان لم يعد مطروحا وربما يكون هذا هو العنوان الملائم لانعدام الجاهزية العربية في هذا الاتجاه.

نلاحظ ان التلكؤ الأمريكي في إعلان «مبادرة القرن» أفرز تسريبات الغرض منها إمّا معالجة الفراغ بالجدل حول التسريبات، أو بالونات اختبار لقياس مدى الاستجابة للأفكار والمقترحات، التي تنتجها قريحة المصممين الأمريكيين، أو ترويض الطرف الفلسطيني بالذات من أجل قبول ما لا يقبل تحت الضغط والاضطرار.

أسهل ما يمكن البدء به عمليا لإثبات أن هنالك مبادرة قيد الصياغة، هو استئناف المفاوضات بصورة سرية أو علنية تحت عناويين عامة. وما يعزز هذا الاستنتاج، تكرار الرئيس الأمريكي لمقولة أننا لن نفرض حلاً بل سندعم الحل الذي يتوصل اليه الفرقاء. وهذا معناه عملياً وواقعيا الدخول في متاهة اللاحل، فأي عقل سوي يتوقع من تحالف نتنياهو ليبرمان بينيت أن يقدم حلا.

هذا هو الواقع بمؤثراته الموضوعية الحقيقية وهو بالجملة وبالتفصيل، يؤكد أن إنتظار «صفقة القرن» كمخرج من الاستعصاء المزمن للتسوية يبدو عديم الجدوى.