إرهاب سيناء وتسريبات الصفقات!

بقلم الدكتور محمد السعيد إدريس

إذا اتفقنا على أن الجريمة الإرهابية البشعة التي ارتكبت بحق المصلين بمسجد الروضة في بئر العبد تُعد تطورا شديد الخطورة في مسار تطور المخطط الإرهابي، كونها بقدر ما هي تجرؤ على الله سبحانه وتعالى في بيت من بيوته فهي أيضا تحمل إنذارات بأن ما وراءها خطر جلل، فإن الأمر يستلزم مراجعة سياسة المواجهة ضد الإرهاب لوضع وصياغة إستراتيجية مواجهة جديدة قادرة على هزيمة هذا الإرهاب. وإذا اتفقنا على أن الإرهابيين الذين ارتكبوا تلك الجريمة مجرد أدوات لمن يمولونهم ويسلحونهم ويدربونهم ويخططون لهم فإن الإستراتيجية يجب أن تبدأ بالإجابة على حزمة من الأسئلة المهمة أبرزها: من هم هؤلاء الداعمون والممولون والمخططون؟ ما هي مصالحهم وأهدافهم في ترويع مصر وتهديدها وتخريبها وقتل أبنائها واستنزاف جيشها وقواتها الأمنية؟ وهل الإرهاب الذي تتعرض له مصر منفصل عن الإرهاب الذي تتعرض له العراق وتعرضت له سوريا على مدى السنوات الماضية، والذي مازالت ليبيا تعاني منه، أم أنه مخطط إرهابي واحد، والمستفيد واحد والمشروع واحد؟.

إذا كانت الإجابة هي «نعم» ستبدو الصورة أكثر وضوحا. فالإرهاب الذي يقاتل في العراق وسوريا وليبيا هو إرهاب تنظيم «القاعدة» وتفريعاته وارهاب تنظيم «داعش» وتفريعاته، ومن ثم لابد من أن تكون المعركة مع هؤلاء ومشروعهم في مصر، وحتما لن يختلف كثيرا ما يريدونه بإرهابهم من مصر مع ما يريدونه في تلك الدول. فماذا يريدون من مصر؟.

هم يريدون إسقاط هذه الدول تنفيذا لمخطط إعادة التقسيم الذي بدأ مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وحرصوا على تجديده على أنقاض موجة الانتفاضات والثورات العربية، فهل يريدون إسقاط الدولة في مصر وتقسيمها، أم أنهم بتركيزهم على سيناء، وبالتحديد شمال سيناء يستهدفون مرحليا هذه المنطقة، وإرجاء هدف إسقاط وتقسيم مصر لمرحلة أخرى مواتية نظرا لفشل مخططهم في العراق وسوريا وتعثره حتى الآن في ليبيا.

يبدو أن سيناء هي المستهدفة مرحليا، وهناك مؤشرات كثيرة ترجح ذلك قد لا تكون لها علاقة مباشرة بالجريمة الإرهابية الأخيرة التي حدثت في بئر العبد، لكن هذه الجريمة ليست إلا حلقة ضمن مسلسل الجرائم التي حدثت في سيناء والتي ربما تحدث في الفترة المقبلة. فقد حفل الأسبوع الماضي بتطورات وتسريبات شديدة الخطورة لها علاقة بـ «سيناء» بدأت بالتصريح الذي جاء على لسان وزيرة المساواة الاجتماعية في الحكومة الإسرائيلية «جيلا جامليئيل» وقالت فيه «إن أفضل مكان للفلسطينيين ليقيموا فيه دولتهم هو سيناء». خطورة هذا التصريح أنه يتزامن مع تطورات وتصريحات أخرى شديدة الارتباط بالموضوع نفسه الخاص بجعل سيناء وطناً بديلاً للفلسطينيين لتمكين إسرائيل من فرض سيطرتها الكاملة على أرض فلسطين التاريخية.

أول هذه التطورات التسريب الذي اعتقد أنه متعمد ويدخل ضمن مخطط «جس النبض» الذي كشفت عنه إذاعة الـ «بي.بي.سي» بالحديث عن وثائق تثبت أن الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، «وافق على توطين الفلسطينيين في سيناء». صحيح أن الرئيس الأسبق أصدر بيانا أكد فيه أنه «لم يوافق مطلقاً على طلب تقدم به الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، الذى التقاه في زيارة رسمية في شباط 1983 بتوطين لاجئين فلسطينيين مقيمين بلبنان في سيناء» وأكد أيضا أنه «رفض اقتراحاً مماثلا عرضه بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية عام 2010 يتم في إطار خطة لتبادل الأراضي». لكن صحيح أيضا أن ما أكده مبارك في بيانه هو فقط نفيه الموافقة على تلك المطالب والعروض، ولكنه أكد في هذا النفي أيضا جدية وجود هذه المطالب منذ تلك السنوات.

ثاني هذه التسريبات تعّمد الإسرائيليين الكشف عن الدراسة التي سبق أن أعدها الجنرال المتقاعد «جيورا ايلند» لمركز «بيجن ـ السادات للدراسات الإستراتيجية» في تشرين الثاني الماضي بعنوان «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين» وتتحدث عن اقتطاع 720 كيلومترا مربعا من أراضي سيناء الملاصقة لقطاع غزة وضمها للقطاع لتأسيس «غزة الكبرى» مقابل إعطاء مصر أراضٍ إسرائيلية مساوية في «وادي فيران» بالنقب، على أن تضم إسرائيل كل أراضي المستوطنات في الضفة الغربية والقدس لتأسيس دولة «إسرائيل الكبرى». مضمون هذه الدراسة سبق أن مهد له الوزير الإسرائيلي، بدون وزارة، أيوب قرا (درزي) في تصريح له في شباط الماضي سبق لقاء بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب, قال فيه إن «ترامب ونتانياهو سيعتمدان خطة لإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء».

أما التسريب الثالث فيتعلق بحيثيات مشروع التسوية الذي يعده الرئيس ترامب تحت عنوان «صفقة القرن» من هذه التسريبات أنها «صفقة» عربية - إقليمية وليست فقط «فلسطينية - إسرائيلية» تنهي الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وتؤسس لعلاقات صداقة وتعاون عربية- إسرائيلية، وتتضمن «إقامة دولة فلسطينية ليست في حدود 1967، على أن يتم التفاوض لاحقاً على تبادل أراض». وتزامنت التسريبات مع ما نقلته وكالة «اسوشيتدبرس» عن مسئولين أمريكيين، لم تسمهم، تقول إن ترامب ينوي إعلان اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وقد يكون هذا الاعتراف الأربعاء، لكنه قد يؤجل، مؤقتا، نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، لحين إعلان مشروعه للتسوية الذي يقوم على قاعدة «تبادل الأراضي» وتؤكد جدية ما كشفه الوزير أيوب قرا عن علاقة سيناء بهذا التبادل للأراضي، تسريبات ومعلومات تؤكد أن إسرائيل لم تفقد يوما أملها في استرداد سيناء التي أصبحت «في عين العاصفة» وعلاقة إسرائيل بالتنظيمات الإرهابية في سوريا خاصة «داعش» و«النصرة» ترجح أنها قد لا تكون مبرأة عن التعاون معها في سيناء، إذا كان ذلك يخدم مصالحها.

وقد لا تكون لهذه التسريبات علاقة مباشرة بالجريمة الإرهابية الأخيرة التي وقعت في بئر العبد، لكنها وغيرها من الجرائم تخدم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر الخطر الذي يتهدد سيناء، الأمر الذي يجب أن نأخذه باهتمام كبير في إطار حربنا ضد الإرهاب وفي إطار حماية مصالحنا وأرضنا وأمننا القومي والرد بقوة على أي نية تستهدف ذرة واحدة من تراب مصر على نحو ما أكده سامح شكري وزير الخارجية في رده على تطاول الوزيرة الإسرائيلية.

.... عن «الاهرام» المصرية