نقل السفارة من تل ابيب الى القدس ينسجم مع الفهم الاميركي لعملية السلام بقلم : محمد النوباني

بقلم: محمد النوباني

لا اضرب في الفنجان ان حاولت ان اتوقع ما سيقوله الرئيس الاميركي دونالد ترامب في خطابه المرتقب يوم غد الاربعاء حول القدس ، فهنالك اربعة احتمالات ، الاول ان يعلن عن نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى المدينة المقدسة ، كما وعد في حملته الانتخابية ، والثاني ان يؤكد رسميا بانها عاصمة اسرائيل الابدية ، والثالث ذهابه لابعد من ذلك بالاعلان عن الامرين معا ، والرابع ان يمدد قرار نقل السفارة لستة اشهر كنوع من الضغط على السلطة الفلسطينية لاجبارها على التعاطي ايجابيا مع صفقة "القرن" ، التي لم يعلن عن بنودها بعد والتي يراد من خلالها تسويغ وشرعنة التنازل عن القدس ومعظم فلسطين بموافقة فلسطينية .

ورغم ان الاحتمالات الثلاثة الاولى خطرة جدا لانها سوف ، تعيد انتاج وعد بلفور ، باعطاء من لايملك الى من يستحق ، فان الاحتمال الرابع لا يقل عنها خطورة لان الموافقة الفلسطينية على صفقة العصر سوف تؤدي لا محالة في حال التعاطي الفلسطيني معها ، في ظروف رسمية عربية مشينة ومتهافتة للتطبيع مع اسرائيل باي ثمن مقابل الحصول على حماية واشنطن لانظمة التطبيع الى اعطاء شرعية فلسطينية للمشروع الاميركي المدعوم اسرائليا .

اقول المشروع الاميركي المدعوم اسرائيليا وليس للمشروع الاسرائيلي المدعوم اميركيا ليس اعتباطا ، بل لقناعتي الراسخة بان مشروع تهويد القدس واعتبارها عاصمة اسرائيل الابدية وبين هذا وذاك هدم المسجد الاقصى ، وبناء الهيكل المزعوم الثالث ، حسب المعتقد الصهيوني ، والصهيو- مسيحي ، الذي يؤمن به ترامب وصهره كوشنير ، وعشرات الملايين من المسيحيين الاصوليين الصهاينة في الولايات المتحدة على انقاضه، هو ضرورة ماسة من ناحية عقدية لعودة المسيح المنتظر ، وبدون ذلك فان المسيح في نظرهم لن يعود .

وهذا التوجه العقدي في تفسير سبب الانحياز الاميركي المطلق لاسرائيل ، منذ قيامها ، كان الكثير من المفكرين والسياسيين الفلسطينيين العرب يخشون من التطرق اليه ، خوفا من شرك الباس الصراع مع اسرائيل لبوسا دينيا فيما هو في الواقع صراع سياسي ووجودي بامتياز بين حركة تحرر وطني فلسطيني وعربي ودولة استعمار كونيالي استيطاني احلالي .

وعندما اتطرق الى هذا الجانب من تفسير سبب الانحياز الاميركي – الغربي لاسرائيل فانني لا اتجاهل بطبيعة الحال ، عامل المصلحة الطبقية لهذا الانحياز ، ولا الدور الوظيفي الذي قامت به اسرائيل في خدمة مصالح القوى الامبريالية ، منذ قيامها نظير دعمها ، قبل ان يتراجع ذلك الدور بشكل كبير ابتداءا من حرب اكتوبر 1973 مرورا بازمة وحرب الخليج الثانية مع العراق عام 1991 وحرب 2006 مع حزب الله وصولا للحروب الثلاث التي خاضتها اسرائيل مع قطاع غزة في الاعوام 2008 -2009 ، 2012 -2014 وليس انتهاء بالحرب السورية .

ولو ان الامر يتعلق بالمردود الاقتصادي والدور الوظيفي ، فان تراجع دور اسرائيل في هذين المجالين في السنوات الاخيرة واضطرار اميركا والغرب للدخول في معارك في العالم العربي بشكل مباشر وآخر تجليات ذلك طلب نتنياهو من اميركا محاربة ايران نيابة عنه وخدمة لمصالحه ، من دون وجود الجانب العقدي الذي تحدثنا عنه لتخلت اميركا والغرب عن اسرائيل او على الاقل لضغطوا عليها لتقديم تنازلات تؤدي الى تسوية تضمن امن اسرائيل بتنازلها عن جزء من ارباحها التوسعية ، رغم وجود لوبيات قوية " مجموعات ضغط " موالية لها في عواصم تلك الدول الداعمة لها ، مع اعطاء المراهنين على التسوية الاميركية من العرب بعض التنازلات الطفيفة التي تمكنهم من الحفاظ على ماء وجوههم امام شعوبهم ، ولكن هيهات .

وتستفزني في هذا السياق بعض التصريحات التي يدلي بها مسؤولون سياسيون فلسطينيون وعرب من ان اقدام اميركا على نقل سفارتها الى القدس سوف يؤدي الى انهيار ما يسمى بعملية السلام وعودة دوامة العنف الى المنطقة وغير ذلك من التحذيرات وكأن اميركا لا تفهم ما تفعل .

فما تفعله الادارات الاميركية المتعاقبة وآخرها ادارة ترامب في التعاطي مع قضية التسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين ، هو امتداد للاهداف التي وضعها الصهيوني العجوز المخضرم هنري كسنجر وزير الخارجية الاميركي الاسبق عندما صاغ مفهوم ما يسمى بعملية السلام لحل الصراع الفلسطيني – العربي مع اسرائيل منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي .

فكيسنجر عندما وضع هذا المفهوم كان يقول بان الشرق الاوسط هو عبارة عن برميل بارود متفجر ، ولذلك فان بقائه دون تدخل اميركي يؤدي الى نزع الفتيل المتفجر منه وصولا الى ابقائه تحت السيطرة سوف يؤدي الى انفجارات كبيرة تهدد أمن ووجود اسرائيل والمصالح الاميركية والغربية .

وانسجاما مع هذا الفهم فان هدف السياسة والدبلوماسية الاميركية ، لم يكن يوما تحقيق سلام يلبي حتى الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية والعربية المغتصبة ، وانما القيام بعملية طويلة من التفاوض ، تحت اسم "عملية سلام " تؤدي في النهاية ليس الى تطويع الحكام واجبارهم على التعاون والتحالف مع اسرائيل فحسب ، وانما ايضا الى تطويع العقل الجماهيري الفلسطيني والعربي وصولا لقبول اسرائيل العدوانية التوسعية كما هي ، وتطبيع العلاقات معها ، من دون حل القضية الفلسطينية حتى على اساس قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية ، المجحفة بالحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني بوطنه .

من هذا المنطلق فان اميركا تسعى الى اتمام عملية السلام بنجاح وايصالها الى نهايتها الحتمية بتحقيق اهدافها واهداف اسرائيل المشتركة في استكمال تهويد القدس وليس كما يعتقد بعض الفلسطينيين والعرب الى تدمير تلك العملية الا في وعي اولئك الذين صدقوا او ارادوا ان يصدقوا بان اميركا وسيطا محايدا في صراع هي طرف اساس فيه ولذلك فان من مصلحتهم استمرار الرهان على دورها .

وعلى ضوء قراءة الموقف الاميركي ، فان المطلوب اليوم من السلطة الفلسطينية ان تحدد موقفها برفض صفقة العصر مهما كان الثمن الذي سيدفع جراء هذا الرفض لان نقيض ذلك هو الضياع الابدي للقضية الفلسطينية .

بقي القول بان الموقف الذي لم يأخذه الاميركيون في الحسبان هو موقف الجماهير الفلسطينية والعربية والاسلامية التي تعتبر القدس خطا احمر ، لذلك فانهم سوف يفاجأون بزخم تحرك جماهيري غير مسبوق يقلب الطاولة عليهم ويطيح بكل ترتيباتهم