العمال الفلسطينيون داخل الخط الأخضر... أرقام وحقائق (1)

بقلم سامر سلامة

- وكيل وزارة العمل.

- محاضر في جامعة بيرزيت سابقًا.

عند الحديث عن قضايا العمل والعمال في فلسطين لا بد من أن نعرج على موضوع العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أو في المستوطنات غير الشرعية وذلك لما لهذا الموضوع من أبعاد إنسانية وقانونية وحقوقية في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها هؤلاء العمال والمتمثلة بالإجراءات اللاإنسانية على الحواجز العسكرية على إمتداد الخط الأخضر مرورا بظروف العمل داخل المنشآت التي يعملون فيها وصولا إلى الحقوق المالية والعمالية التي يتهرب المشغل الإسرائيلي منها في كثير من الأحيان. وبالرغم من ان موضوع العمل قد تم التطرق إليه بشكل كبير في بروتوكول باريس الإقتصادي إلا أن متابعة هذا الملف خلال العشرين سنه الماضية لم تكن بالمستوى المطلوب الأمر الذي إنعكس سلبا على عمالنا داخل الخط الأخضر. ونظرا لأهمية هذا الملف الإنسانية والإقتصادية فإن وزارة العمل ومنذ أكثر من عامين توليه إهتماما كبيرا وتعطيه أولوية أولى في خططها وبرامجها المختلفة. ففي هذا المقال الذي يقسم إلى جزئين سأقوم أولا بإستعراض تفاصيل هذا الملف بالأرقام والحقائق وفي الجزء الثاني سأستعرض ما تقوم به وزارة العمل لمعالجة الإختلالات في هذا الملف منذ أكثر من عشرين عاما.

فبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وخاصة تقرير مسح القوى العاملة الفلسطينية للربع الثالث من العام 2017 والذي صدر مؤخرا فإن المسح يشير أن عدد المشتغلين في (إسرائيل) يصل إلى 129 ألف عامل وعامله، منهم 70 ألف يعملون بتصاريح عمل رسمية داخل الخط الأخضر وفي المستوطنات (23 ألف) و44 ألف يعملون بدون تصاريح عمل و15 ألف من حملة هوية القدس. وبحسب المصادر الإسرائيلية فإن العدد الإجمالي يصل إلى 145 ألف عامل وعامله (بدون حملة هوية القدس) منهم 30 ألف يعملون في المستوطنات و 40 ألف بدون تصاريح. فهذه الأرقام لها دلالاتها على الصعيد الإنساني والحقوقي والمالي.

وبقراءه سريعة للبحث الذي أعده معهد ماكرو الإسرائيلي بالتعاون مع مؤسسة هانزبوكلر الألمانية حول ظروف العمال الفلسطينيين في إسرائيل فإننا قد سجلنا المؤشرات التالية:

فيما يتعلق بمكان العمل فإن 52% من إجمالي العمال يعملون داخل الخط الأخضر و32% يعملون في المستوطنات و16% يعملون في القدس الشرقية. أما قطاع العمل فإن 64% من العمال يعملون في قطاع البناء و12% في قطاع الزراعة و8% بالتساوي لكل من قطاعات الخدمات (يشمل المرافق الصحية) والفنادق / المطاعم والصناعة. أما بخصوص أنماط العمل فإن 32% من العمال لا يعملون لدى مشغل واحد أو معروف إذ يعملون بشكل متقطع وعلى أساس يومي وعند مشغلين مختلفين حسب حاجة المشغل وينتظرون العمل وراء الحاجز بإنتظار أي مشغل. أما بخصوص قانونية العمل فإن 40% من العاملين يعملون بدون تصريح عمل و4% يعملون بتصاريح زيارة أو علاج أو تجاره (هذا يعني أنهم يعملون بلا حقوق) والباقي أي 56% فقط ممن يعملون بتصاريح عمل قانونية. أما فيما يتعلق بأسس الرواتب فإن 60% يتقاضون رواتبهم على أساس المياومه و8% على أساس أسبوعي و4% على أساس موسمي و28% فقط على أساس شهري. وفيما يتعلق بخصائص العمل فإن معدل ساعات العمل اليومي تصل إلى 10 ساعات و72% من العاملين يتقاضون رواتبهم نقدا و50% فقط يحصلون على قسيمة راتب و20% يحصلون على رواتبهم متأخرة و36% يدفعون جزء من رواتبهم (تصل إلى 2300شيكل) لسماسرة العمال لضمان تجديد تصاريحهم و84% يذهبون للعمل بشكل يومي ويقطعون مسافات طويله للوصول إلى مكان العمل. وفيما يتعلق بالمنافع الإجتماعية فإن 40% من العاملين غير مؤمنين صحيا و48% لا يحصلون على منافع تقاعدية و60% لا يحصلون على إجازات مرضيه و76% لا يحصلون على منافع التأمين الوطني الذي يعتبر حق للعامل الفلسطيني بحسب قانون العمل الإسرائيلي. أما تطبيق معايير الصحة والسلامه المهنية فإن 64% من المنشآت الإسرائيلية لا تطبق معايير الصحة والسلامه المهنية في أماكن العمل وخاصة على العمال الفلسطينيين كما أن 44% من العمال الفلسطينيين يتعرضون لمضايقات مختلفة في أماكن العمل. وفيما يتعلق بالعبور على الحواجز فإن عبور الحاجز يأخذ من العامل ساعة تقريبا للدخول إلى الجانب الآخر وعملية العبور تكون شاقة ومذلة للعامل وخاصة لأولئك الذين يعبرون الحاجز بشكل يومي الأمر الذي يستدعي من العامل أن يترك بيته مع ساعات الفجر حتى يتمكن من الوصول لمكان عمله الساعة الثامنه صباحا.

فماذا تعني هذه الأرقام وهذه الحقائق؟!!!

أولا فيما يتعلق بمكان العمل حيث أن 32% من إجمالي العمال يعملون في المستوطنات وهذا يعني أن ثلث العمال لا ينطبق عليهم قانون العمل الإسرائيلي وإنما قانون العمل الأردني النافذ قبل العام 1967 (بالرغم من أن المحكمة العليا الإسرائيلية أقرت بتطبيق قانون العمل الإسرائيلي على العمال الفلسطينيين في المستوطنات في العام 2007) وهذا القانون يحرم العمال الفلسطينيين من العديد من الحقوق التي يكفلها القانون الإسرائيلي الأمر الذي يضع العامل الفلسطيني في المستوطنات تحت رحمة المشغل الإسرائيلي الذي يسعى بإستمرار لإستغلال العامل الفلسطيني إلى أقصى حد. أما قطاع العمل فإن ما يقارب من ثلثي العمال يعملون في قطاعي البناء والزراعة فهذا يعني أن ثلثي العمال يعملون في الأعمال الصعبة والخطره وفي ظروف عمل لا إنسانية في كثير من الأحيان وهذا ما تفسره أيضا ساعات العمل الطويلة.

أما أنماط العمل فإن كافة المؤشرات تشير إلى أن معظم العمال الفلسطينيين يعملون على أساس المياومة وعند مشغل غير معروف الأمر الذي يضعهم تحت رحمة المقاولين والسماسرة كما أن القانون الإسرائيلي لا يعترف بهؤلاء العمال ويعتبرهم عمال بلا حقوق وهذا ما تفسره أيضا الأرقام المتعلقة بالعمل بدون تصريح عمل رسمي أو بدون قسيمة راتب أو بدون حوالات بنكيه حيث يصعب توثيق عقود العمل وبالتالي الحقوق المترتبه على تلك العقود. أما فيما يتعلق بتطبيق معايير الصحة والسلامه المهنية في مكان العمل فإن الأرقام تشير بشكل واضح أن هذه المعايير لا يتم الإكتراث لها عند الحديث عن العامل الفلسطيني وهذا ما تفسره الأرقام المرتفعة للحوادث والإصابات التي بعضها قاتلا والتي يتعرض لها العامل الفلسطيني في أماكن العمل. وأخيرا وليس آخرا موضوع العبور على الحواجز فإن هذا الموضوع يشكل قلق كبير وإرهاق نفسي وجسدي للعامل بسبب الإجراءات القاسية والمعاملة السيئة وطول فترة الإنتظار التي يتعرض لها على الحاجز العسكري قبل أن يتمكن من العبور إلى الجانب الآخر.

وفي الختام إنني أعتقد أن الأرقام والحقاق التي إستعرضناها سابقا يمكن أن تفسر بشكل واضح على أن دولة الإحتلال تمارس شكل من أشكال العبودية على العمال الفلسطينيين الأمر الذي يتطلب وقفة جادة من قبل كافة الأطراف الحكومية والنقابية والدولية للحد من هذه الإنتهاكات التي تمارسها دولة الإحتلال بحق العمال الفلسطينيين الذين يعملون لديها. وعليه فإن العمال الفلسطينيون الذين يعملون داخل الخط الأخضر بحاجة إلى مساندة أكبر وإهتمام أوسع بقضاياهم. وإننا في وزارة العمل ومنذ عامين قد فتحنا هذا الملف على مصراعيه بالرغم من التحديات التي تواجهنا في معالجة الكثير من القضايا وهذا ما سأستعرضه بالتفصيل في الجزء الثاني من هذا المقال.