اختفاء "داعش" وظهور الأخطر!!

بقلم: مصطفى السعيد

التوترات الحادة والمتلاحقة في المنطقة تؤكد أن القضاء على «داعش» والجماعات التكفيرية لن يضع حدا للصراعات المتداخلة، بل قد يفتح الأبواب أمام اندلاع حرب أشد ضراوة واتساعا، وأن اختفاء داعش يدفع بجمر الخلافات العميقة بين الأطراف المتصارعة إلى السطح.

فقد شهدت مدينة البوكمال آخر معاقل داعش في سوريا تصعيدا مفاجئا وخطيرا في وتيرة الصراع الروسي الأمريكي خلال المعارك الدائرة على الحدود السورية العراقية، للسيطرة على المدينة الإستراتيجية المتحكمة في أهم منافذ الحدود السورية العراقية، فبعد أن أعلنت سوريا السيطرة الكاملة على المدينة، عادت واعترفت بهجوم مضاد لداعش أجبرها على الإنسحاب، وسط اتهامات روسية عنيفة للولايات المتحدة بأنها دعمت داعش بشكل مباشر في المعركة، وأنها نقلت الآلاف من مقاتلي داعش من مدينة الرقة إلى البوكمال في طابور طويل رصدته طائرات وأقمار روسيا الصناعية، مستهدفة إعادة سيطرة داعش على البوكمال، ليسلمها إلى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من أمريكا دون قتال، بما يقوض السيطرة السورية على الحدود مع العراق، ويمنع التواصل بين إيران وسوريا ولبنان، وقالت سوريا إن القوات الأمريكية استخدمت أجهزة تشويش متقدمة عرقلت مشاركة الطائرات السورية في ضرب داعش، ولم يتأخر الرد الروسي العملي، وأرسلت طائراتها الاستراتيجية الثقيلة عبر الأجواء الإيرانية والعراقية، لتدك معاقل داعش.

القتال الضاري في معركة البوكمال لا يرجع فقط لأنها عقدة المواصلات الرئيسية التي تربط بين العراق وإيران في الشرق مع سوريا ولبنان في الغرب، وإنما لأن السيطرة على الحدود السورية العراقية ستؤمن تمديد أنابيب النفط والغاز من روسيا وإيران إلى البحر المتوسط، إلى جانب تأمين فرع إضافي لطريق الحرير باتجاه البحر المتوسط.

فتحت الولايات المتحدة جبهة أخرى في مجلس الأمن، وواجهتها روسيا كالعادة، فتقدمت الدولتان بمشروعي قرارين متضادين حول التحقيق في ضرب بلدة خان شيخون السورية بالسلاح الكيماوي، وتبادلت الدولتان استخدام حق الفيتو لإسقاط المشروع المقابل، ليسقط المشروعان، وكان المشروع الروسي يصر على إجراء تحقيق يعتمد على الزيارات الميدانية لموقع الحادث، بينما يتمسك الجانب الأمريكي باستكمال التحقيق اعتمادا على شهود صور وعينات قالت روسيا إن مصدرها جماعة النصرة الإرهابية، وهدفها إدانة سوريا بشكل مسبق.

وجاء إعلان وزير الدفاع الأمريكي بقاء القوات الأمريكية في سوريا بعد القضاء على داعش ليسكب المزيد من الزيت على النار، وتعلن سوريا أنها ستتعامل مع القوات الأمريكية كقوات احتلال، وتصفها روسيا بالقوات غير الشرعية، لأن سوريا لم توافق على دخول أراضيها.

كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حاجة ماسة للنصر في معركة البوكمال، بما لا يقل عن حاجة خصومها، فهو يتيح قطع التواصل بين إيران والعراق من ناحية وسوريا ولبنان من ناحية أخرى، أو على الأقل وضع الحدود تحت السيطرة والرقابة، وهو أهم مطالب إسرائيل، التي ترى في التواصل الإيراني السوري أشد الأخطار المحدقة بها، لأنها ستجعل من إيران أكثر الجيران إزعاجا، وتؤمن خط إمدادات آمنا وواسعا لنقل الأسلحة إلى سوريا وحزب الله، لكن النتيجة المحتومة لمعركة يائسة من جانب الولايات المتحدة وحلفائها هي الانتصار المؤكد للجيش السوري وحلفائه، نتيجة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهى أن الولايات المتحدة لا تملك ما يكفي من قوات على الأرض، وأنها عاجزة عن استقدام قوات برية، خوفا من تكرار ما حدث لها في العراق، ولهذا لم تجد سوى أكراد سوريا الأقل عددا وعتادا من البشمركة العراقية كحلفاء على الأرض، مع بعض المجندين من العشائر، ولا يمكن التعويل على دخول مباشر للجيش الإسرائيلى في المعارك، فلو كانت إسرائيل واثقة من النصر لكانت شنت الحرب قبل 5 سنوات، قبل أن تشتد شوكة التحالف الروسي الإيراني، وتخشى إسرائيل أن يتم استدراجها إلى حرب طويلة لا تستطيع تحملها، فهي لا تجيد سوى الحرب الخاطفة ذات النتائج المضمونة تماما، فليس لديها ترف الهزيمة ولو مرة واحدة، ولهذا تبحث عن ضمانات أكثر مما تتحمس للحرب، وتعول على تشكيل تحالف «القلقين من إيران»، وقد زار وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان جبهة الجولان، ليلقي نظرة من بعيد على قوات الحرس الثوري وحزب الله، متوعدا بأن إسرائيل لن تقبل هذا الوجود مهما يكن الثمن، وبحثت كل من روسيا والولايات المتحدة إيجاد مخرج يبعد الوجود الإيراني عن الحدود الإسرائيلية مقابل انهاء إسرائيل لوجود جبهة النصرة، وباقي الجماعات المسلحة التي تدعمها، غير أن الاتفاق قد تعثر في ظل غبار معركة البوكمال، وأعلنت روسيا أنها لا تملك إبعاد قوات حليفة لسوريا دخلت بطلب من النظام الشرعي. التفاقم السريع للتوتر بين روسيا والولايات المتحدة رافقه توتر أكثر سخونة بين السعودية وإيران، على خلفية إطلاق صاروخ باليستي من اليمن على العاصمة السعودية الرياض، حملت فيه السعودية إيران وحزب الله اللبناني المسئولية، وهو ما كاد يشعل فتيل الصدام على الحلبة اللبنانية المحتقنة، لتنطلق شظاياه في مختلف أرجاء المنطقة.

.. عن «الأهرام» المصرية