عندما هبطت الهليوكوبتر في ساحة محبته

رام الله - "القدس" دوت كوم - كتب ابراهيم ملحم - بِكامِلِ هَيئَتِهِ وهَيبَتِهِ وَرَهبَتِه...بِجُرأتِه وجَسارَتِه بِكرّة وَفرّهِ واستِراحتِه...بضِحكَتِه وتَكشيرتِه، بِبَدلَتهِ الكاكي وكُوفيّتِه...برشّاشِهِ الكلاشنكوف وبندقيّتِه بمسدّسِه الذي لم يُفارق يوماً جُعبتَه... بسجّادةِ الصلاةِ المقيمةِ دوماً على بَلاطِ غُرفتِه...

بِطلّتِه بأناقَتِه بِسلامِه الباردِ لِعدوّهِ ،وحَرارةِ حَضنَتِه وتبويسَتِه لمن ناصَروهُ بِمحنتِه،بِحضورِهِ الوارِفِ واشراقَتِه..بِتوقِيعهِ بِقلمِ الحبرِ السّائلِ بالخطّ العريضِ الذي لم يَردّ يوماً سائلاً ،مِسكيناً ،أو يَتيماً، أو مريضاً ،أو أسيراُ، جاء يبغي نَجدَتَه ،ليجيبَه فوراً ويُقِيلَه من عَثرتِه...

بحَنانِه ورأفتِه على الطفلِ الصغيرِ والشيخِ الكبيرِ والمرأة التي رَقصَت وزغردَت فَرحاً لعودتِه الاولى قبل أن تَبكي مَفجوعةً، وقد لُفّ الى مثواهُ الاخيرُ بالعَلَمِ الذي قَضى شَهيداً ليَظلّ خَفاقاً في علاهُ يَبلغُ السّماكَ في رِفعتِه...

بِكاملِ أسلحتِه الحاضِرة دوماً على تخوم جَبهتِه حيثُما حَلّ او يمّمَ وجهَهُ الطافحُ حُبّاً لشعبه وامتِه...كنتُ هناك، وهو يُطل من شُباك "الهليكوبتر" وهي تحومُ فوقَ الجموعِ فلم تجد مَوطِئاً للهبوط ِفي ساحةِ مَحبّتِه..

كنتُ هناك وهو يخطو خطوتَه الاولى من عودته ،على السجّادة الحمراء، والسّاحة الشّاسعةِ ،الواسعةِ، الطافحةِ ،بِعظيم مَحبّتِه... كنتُ هناك مُتلعثِماً ،ومُتحيّراً ،كيف أرثي من كان للورى نجماً ساطعاً ،ونَسراً حتى عتمة الليل يلاحقُ فَريستَه.

كنتُ هناك أقرأ البيانَ الرسميّ ،والاعلانَ المُقتضَبَ الباريسِيّ، الذي يتابعُ عند سَريرِ الشّفاء نتائجَ الفُحوصات المحاطَةِ بالرّعايةِ الكاملةِ لمقام ِحَضرتِه..... كنتُ هناك أتلو على الهواء المفتوحِ على السماء السابعةِ قَلِقاً ضارِعاً الى الله العليّ القدير ان يشفيه من وَعكتِه.

كنتُ هناك أسمع وَجِيبَ قَلبِه ورَجعَ صدى صَوتِه ،الذي ملأ الفضاءَ غَضباً لِمَا أصابَ شعبَه ومسرى النبي العظيم ، الذي تمنى أن يحضنَ بعد أن يقضي شهيداً جُثّتَه...كنتُ هناك أبكي مع الجَمعِ الغَفيرِ، الذي جاء من كلّ فجّ عميقٍ، ليودّع من خاضَ المعاركَ والحروبَ، التي رَفعت الى المقامِ الرفيعِ بين الانامِ قَضِيّتَه.

عاد الحبيبُ مستشهدا ليُوارَى في مَرقَدِه ،بِجوار مَكتبِه الذي حاصرَ منه حصارَهُ وتحدّى عند بابِه بمسدسهِ عدواً جاءَه سَحَراً مُدجّجاً بكل أنواع السلاح يبغي مَصرَعَه ، فَخفّ شعبُه العظيمُ رغم الرصاص المصبوب، على الرؤوس مُدافعاً ،ومُكافحاً يواجه من جاء ليلا ليقضّ مَضجَعَه ..

عاد الحبيبُ مخاطباً صوتاً وصورةً شعباً دَعا وبكى حتى بلغت صرخاتُه السما بأن يَتقبّل الله العظيمُ بِجَنّتِه مع الشهداءِ والصديقين والانبياءِ وَديعَتَه.

كنتُ هناك والصورة تحكي تاريخَهُ الذي ما ضَلّ يوماً سِكّتَه... بكيتُه ورثيتُه بجميل العِباراتِ والعَبَراتِ الحَرّى التي لم تُكَفكَف لوعهً على فِراقِه المفاجيء وَغيبتِه .

كنتُ هناك وقد شَرِقتُ بدمعي وتَلعثَمت وحشرجاتُ صوتي قد اصابت ألماً وبكاءً مُراً كلّ من فاجأهُ الخبرُ العاجلُ الذي جاء يَسري بغتةً من مَشفىً يحاولُ جاهداً أن يعيد الحياة الى قلب فارس ترجّل حتى عاد مستشهداً ، بعد ان لم يَبقَ في جسده النحيل ِشبرٌ الا وبِه ضربةٌ بِسيف أو طعنةٌ برمح أورميةٌ بسهم من صولتِه وجولتِه.

عادَ الزعيمُ الذي قَضى شهيداً شهيداً شهيدا سُمّاً تَسَلّلَ اليه تحت جُنح الظلامِ مُحاصراً في دارتِه... عادَ الزعيمُ واقفاً بكامل هَيئتِه بِصوتِه وبصورتِه ضاحكا ً طَلقاً ومُتجهّماً في أرفع منبر قبل ثلاثةِ عقودٍ يُخيّر العالمَ بين زَيتونَتِه وبندقيّتِه..

عاد َالزعيمُ من مَرقدِه بِطلّتِه البهيّة بعصبيّتِه،صوتاً وصورةَ وَريثِه الذي ما حادَ يوماٌ عن دَربِ وَصيّتِه... فَوقَفَت له الاممُ تؤدي التحيّة تصفيقاً واعجاباً بجُرأته وجسارَتِه ... ولسان حالها يُردّد ما ضاعَ حَقٌ ووراءه شعبٌ عظيمٌ مؤمن يَخُصّ قادتَه الامناءَ الاوفياءَ المخلصين بِمَحبّتِه .. كُنتُ هناك مع الجُموعِ الغَفيرةِ المَفجوعهِ بِغيبتِه وهي تَضرَعُ الى اللهِ العليّ القَديرِ بأن يَتَغَمّدَه ُبواسعِ رَحمتِه.

هذه المقالة كتبتها في الذكرى السابعة لرحيل الشهيد الخالد.