مصر تواصل جهودها لاستئناف المفاوضات على طريق تحقيق السلام

بقلم : راجح ابو عصب

ترتبط مصر وفلسطين بروابط وثيقة تعود الى ازمان بعيدة وذلك بحكم الجوار الجغرافي والعلاقات التجارية بين البلدين والعلاقات المتينة بين شعبيهما وقد روى القرآن الكريم في سورة يوسف عليه السلام انه لما حدثت مجاعة في فلسطين في سبع سنوات من القحط فان يعقوب والد يوسف عليهما السلام امر ابناءه بالتوجه الى مصر لشراء الغلال منها , ذلك ان عزيز مصر رأى في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات تخيلات عجاف وسبع سنابل خضر واخرى يابسات ففسر له يوسف عليه السلام بانه ستأتي سبع سنوات من الخصب تعقبها سبع سنوات من القحط ثم يأتي بعد ذلك عام خصيب .

وجراء تلك الرؤية التي رأها عزيز مصر فان مصر احتاطت لذلك فاحتفظت بمخزون واسع من الغلال من القمح لمواجهة قحط السنوات السبع العجاف .

وعندما عانت فلسطين من تلك السنوات العجاف حيث كان يعقوب عليه السلام يقيم مع عائلته فيها فانه ارسل ابناءه لشراء شيء من الغلال وبعد ان اصبح يوسف عليه لسلام مسؤولا عن خزائن مصر اي بمنصب وزير المالية اليوم فانه استدعى اباه وامه او في روايات اخرى زوجة ابيه التي كان يعتبرها اما له بعد وفاة والدته الى مصر حيث اقاموا هناك .

وفي اطار ذلك الجوار الجغرافي وباعتبار بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة جزءا من الامن القومي المصري فان كل الغزوات قديما جاءت الى مصر من فلسطين فقد جاء الصحابي الجليل عمرو بن العاص من بيت المقدس خلال استلام الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مفاتيح المدينة المقدسة من البطريرك صفرونيوس بعد ان وقع له العهدة العمرية جاء عمرو بن العاص على رأس جيش اسلامي الى مصر حيث فتحها فانتشر فيها الاسلام واصبحت جزءا هاما من الدولة الاسلامية .

وفي ذات الاطار فان الناصر صلاح الدين الايوبي انطلق من مصر بعد ان وحد الجيوش المصرية والشامية والتقى مع الصليبيين في ارض حطين في فلسطين حيث انتصر عليهم نصرا مؤزرا في معركة حطين الخالدة على الغزاة الفرنجة الصليبيين وذلك يوم السبت الخامس والعشرين من ربيع الثاني من عام 583 للهجرة النبوية الشريفة الذي وافق يوم الرابع من تموز من عام 1187 للميلاد وكان ذلك الانتصار الكبير مقدمة لفتح بيت المقدس وتحريرها من ايدي الصليبيين .

وكذلك فان معركة عين جالوت الخالدة وهي احدى المعارك الخالدة والحاسمة في التاريخ الاسلامي والتي كانت المقدمة الاساسية لهزيمة المغول الذين اجتازوا العالم الاسلامي وارتكبوا فيه المجازر المرعبة ونشروا الخوف والدمار فيه حققها الجيش المصري بقيادة قطز الذي تولى عرش مصر سلطانا للمماليك الذين حكموا في مصر وقد جرت احداث تلك المعركة في سهل عين جالوت الواقع بين بيسان شمالا ومدينة نابلس جنوبا في فلسطين .

وفي العصر الحديث فان الجنرال اللنبي القائد البريطاني والمندوب السامي البريطاني في مصر انطلق من مصر لاحتلال فلسطين على رأس جيشه حيث دخل القدس في التاسع من كانون الاول من سنة 1917 حيث اعلن بعد ذلك الانتداب البريطاني على فلسطين , كان لا بد من هذه المقدمة التاريخية للاشارة الى ان العلاقات الفلسطينية المصرية قديمة قدم التاريخ ذاته وقد توثقت هذه العلاقات وازدادت قوة في العصر الحديث خاصة بعد ان اصبح قطاع غزة بعد حرب عام 1948 خاضعا للادارة المصرية وكانت الجامعات والمعاهد المصرية على اختلاف توجهاتها قبلة الطلاب الفلسطينيين الراغبين في الدراسة كما ان علاقات مصاهرة كثيرة حدثت بين ابناء الشعبين الفلسطيني والمصري خاصة من مواطني قطاع غزة.

وبعد ان اقيمت السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق اوسلو سنة 1993 فان العلاقات بين القيادتين الفلسطينية والمصرية ازدادت قوة ومتانة خاصة بعد ان تولى الرئيس محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية بعد رحيل زميله في النضال ياسر عرفات واصبحت اكثر قوة بعد ان تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي سدة الرئاسة المصرية .

ويحرص الرئيس باستمرار على التنسيق والتشاور مع شقيقه الرئيس السيسي في كل ما يخص القضية الفلسطينية محليا وعربيا ودوليا ويحظى باحترام كبير لدى القيادة المصرية باعتباره الرئيس الشرعي للشعب الفلسطيني ولأن الامن القومي الفلسطيني جزءا من الامن القومي المصري فان مصر تضع القضية الفلسطينية على رأس اولوياتها باعتبارها القضية المركزية الاولى.

ولهذا فان مصر سعت منذ ان حدث الانقسام بين جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة في شهر حزيران من سنة 2007 على انهائه ضمانا لامنها القومي حيث يجاورها قطاع غزة وكذلك حرصا على وحدة الصف الوطني الفلسطيني وعلى القضية الفلسطينية .

ورغم ان العديد من الدول العربية سعت الى انهاء هذا الانقسام خلال السنوات العشر الماضية حيث وقعت حركتا فتح وحماس العديد من اتفاقات المصالحة في عواصم عربية مثل اتفاق مكة المكرمة واتفاق الدوحة واتفاق صنعاء الا ان تلك الاتفاقات لم تنجح في انهاء ذلك الانقسام وانما نجحت مصر مؤخرا وبجهود متواصلة منه وباشرافه المباشر ومن خلال رئيس جهاز المخابرات المصرية الجنرال خالد فوزي تحقيق هذا الانجاز الكبير المتمثل في توقيع اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس وانهاء الانقسام واعادة الشرعية الى قطاع غزة .

وكانت الخطوة الاولى الكبرى تسليم معبر رفح الى الحرس الرئاسي الفلسطيني تمهيدا لاعادة افتتاحه , وذلك كخطوة اولى في طريق انهاء الحصار المستمر منذ عشر سنوات على القطاع والذي اوصل الاوضاع فيه الى حافة الكارثة الانسانية .

ولا شك انه وبالاشراف المصري المباشر , فان بنود اتفاق المصالحة الاخير ستنفذ بالكامل على ارض الواقع في القطاع , حيث اكدت حركتا فتح وحماس التزامهما الكامل بتنفيذ بنود ذلك الاتفاق , وسيكون ذلك طيا نهائيا لصفحة ذلك الانقسام واعادة اللحمة بين جناحي الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة , كذلك اعادة الحياة الطبيعية الى القطاع وانهاء المعاناة الانسانية الكارثية التي عاناها الاهل في القطاع خلال السنوات العشر الماضية .

وهذا النجاح المصري الباهر في انهاء هذا الانقسام الذي الحق افدح الاضرار بالقضية الفلسطينية عربيا ودوليا , عدا عما سببه من كوارث انسانية للاهل هناك في كافة مجالات الحياة فانه يؤكد الدور القيادي المصري للامة العربية باعتبارها اكبر الدول العربية وباعتبار موقعها الدولي والعربي .

والذي يأمله الشعب الفلسطيني وقيادته ان تنجح مصر في احداث اختراق في الجمود الذي يسيطر على عملية السلام بعد فشل مفاوضات الاشهر التسعة منذ ثلاث سنوات والتي كان الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما ووزير خارجيته جون كيري تقدما بها الى الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي من اجل بحث سبل التوصل الى اتفاق سلام عادل وشامل يؤدي الى انهاء الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي , ومن ثم وتلقائيا انهاء الصراع العربي – الاسرائيلي المستمر منذ اكثر من سبعة عقود .

وقد استجاب الرئيس عباس وقتذاك لهذا الطلب الاميركي ودخل الجانب الفلسطيني مع الجانب الاسرائيلي في مفاوضات استمرت تسعة اشهر ولكن الرئيس لما رأى ان الجانب الاسرائيلي يماطل في تنفيذ تعهداته التي التزم بها في اتفاق اوسلو وما تلاه من تفاهمات وانه يستغل هذه المفاوضات للاستمرار في سياسة فرض الامر الواقع والاستيلاء على مزيد من الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية واقامة مستوطنات جديدة عليها وتوسيع المستوطنات القائمة ورفض رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو قبول حل الدولتين وطرحه على الجانب الفلسطيني شروطا تعجيزية , فان الرئيس عباس لم يجد بدا من الانسحاب من تلك المفاوضات .

ورغم كل هذا التعنت الاسرائيلي فان الجانب الفلسطيني خاصة والجانب العربي عامة ما زال يعلن التزامه بالسلام كخيار استراتيجي وما زال يعلن ان مبادرة السلام العربية التي طرحتها قمة بيروت العربية عام 2002 ما زالت على الطاولة بانتظار موافقة اسرائيل عليها , وقد اكد الرئيس عباس هذا في خطابه الشامل والجامع الذي القاه مؤخرا في خطابه امام الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك خلال اجتماعه السنوي وكذلك عقب لقائه مع الرئيس الاميركي دونالد ترامب في نيويورك على هامش تلك الاجتماعات حيث اكد في المؤتمر الصحفي المشترك مع ترامب انه متمسك بالسلام كخيار استراتيجي وفق رؤية حل الدولتين .

وفي اطار التنسيق بين القيادتين الفلسطينية والمصرية التقى الرئيس محمود عباس نظيره المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الاثنين الماضي وذلك على هامش اعمال منتدى شباب العالم الذي عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية على البحر الاحمر , وقالت الرئاسة المصرية في بيان اصدرته عقب اللقاء ان الرئيس السيسي اكد للرئيس عباس خلال ذلك اللقاء ان مصر ستواصل جهودها لاستئناف المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي حتى التوصل الى حل عادل وشامل يضمن حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران من سنة 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وبما يسهم في استعادة الامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط وتهيئة المناخ اللازم لتحقيق التنمية والتقدم الاقتصادي بما يلبي طموح شعوب جميع دول المنطقة واشار الى اهمية مواصلة جهود تحقيق المصالحة وانهاء الانقسام .

كما اكد المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير بسام راضي ان اللقاء بين الزعيمين شهد استعراضا لاخر تطورات القضية الفلسطينية وسبل احياء عملية السلام حيث اكد الرئيس السيسي اهمية دفع الجهود الرامية للتوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية .

وقال المتحدث المصري ان الرئيس عباس حرص من جهة على التأكيد على التشاور المستمر مع الرئيس السيسي لدفع الجهود الرامية للتوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية .

كما اشاد بجهود مصر الصادقة لتحقيق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية واعرب عن تقديره لدور مصر التاريخي في المنطقة وفي الدفاع عن الحقوق الفلسطينية .

وفي ذات السياق وفي اطار التنسيق والتشاور مع زملائه قادة الدول العربية فان الرئيس عباس , قام يوم الاثنين الماضي بزيارة الى المملكة العربية السعودية تلبيته لدعوة من اخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وذلك لاطلاعه على اخر تطورات القضية الفلسطينية وجهود تحقيق المصالحة والسعي الفلسطيني لتحقيق مبادرة السلام العربية التي طرحتها المملكة العربية السعودية في قمة بيروت العربية وقد اكد العاهل السعودي دعم بلاده للشعب الفلسطيني وسعيه لاقامة دولته المستقلة .

ولا شك ن الجانب العربي ملتزم تماما بالسلام كخيار استراتيجي وجاهز لاحلال سلام عادل وشامل في المنطقة , وذلك من خلال التنسيق بين قادة فلسطين ومصر والاردن والسعودية , ولكن الجانب الاسرائيلي ما زال يعرقل جهود تحقيق السلام هذه من خلال سياسات التوسع الاستيطاني ورفض رؤية حل الدولتين .

ورغم ذلك فان الرئيس السيسي بما يملكه من احترام ومكانة مرموقة لدى قادة دول العالم خاصة لدى الرئيس دونالد ترامب سيواصل مساعيه الحميدة وجهوده المستمرة من اجل اقناع قادة اسرائيل بالتجاوب مع اليد العربية الممدودة للسلام ومن اجل عدم اضاعة هذه الفرصة النادرة لتحقيق ذلك السلام لما فيه مصلحة جميع شعوب المنطقة وشعوب العالم والشعب الفلسطيني واثق كل الثقة بان الرئيس السيسي سيضغط لدى الجانب الاسرائيلي من اجل استئناف المفاوضات الجادة كسبيل لتحقيق السلام ومن خلال التنسيق مع القيادة الفلسطينية خاصة بعد ان نجح الرئيس السيسي في انجاح اتفاق المصالحة الذي لم يكن لينجح لولا الجهود المصرية , خاصة جهود الرئيس السيسي , والله الموفق