أبو عمار شمسنا التي لا تغيب

بقلم : احمد قريع

مثقلة بالأسى والحنين الى زمنه الجميل، زمن الرجال الاستثنائيين الكبار، تهل علينا ذكرى رحيل القائد الملهم الشهيد ياسر عرفات، ونحن (إخوته ورفاق مسيرة دربه الطويل) أكثر ما نكون افتقاداً لحضور صانع الملحمة الفلسطينية المعاصرة بيننا، واشد ما نكون احتياجاً لحكمة وشجاعة ومضاء شخصية هذا الزعيم التاريخي، لا سيما في هذه المرحلة العصيبة من حياة شعبنا الصابر الصامد المقاوم.

في هذه المناسبة التي تتكرر منذ ثلاثة عشر عاماً، نتذكر الرئيس الشهيد ياسر عرفات، بكل ما في نفوسنا من ألم وأمل، بكل ما في وجدان الشعب الفلسطيني من مآثر تركها لنا حادي المسيرة الخالد، وبكل ما ارساه في الضمير الوطني من قيم ومثل ومبادئ تهدي سواء السبيل في عتمة هذا الليل الفلسطيني المقلق، وكأنها مشاعل مضيئة لا تنطفئ مهما ادلهم الليل واشتدت الريح.

وحقاً، فنحن نتذكر الزعيم الرمز في كل منعطف، وفي كل موقف ومناسبة في حياتنا الوطنية، نكاد نلمس حضوره الباذخ بيننا، نسمع صوته الهادر، نسترجع مواقفه الشجاعة، نشعر بالفراغ الذي تركه، ونترحم على روحه الطاهرة، ولا يسعنا في الذكرى الثالثة عشر لغيابه سوى ان نثني على حسن ادارته، وعلى ثاقب نظرته وصلابة شكيمته، وعلى طول باله مع رفاق المسيرة، وعلى نقاء معدنه الثوري المجرب في كل المعارك والمواجهات.

كيف لا نتذكرك يا أبا عمار بكل هذا الوفاء، وأنت من مارس الوفاء وعلم الاخرين عليه، واضاء الدرب الذي ظنه الكثيرون ذات يوم ضرباً من ضروب الخيال المستحيل؟. كيف لا وقد قدت المسيرة بشجاعة وحنكة وعبرت بها من هامش الهامش الى قاعة الامم المتحدة، الى قلب معركة استعادة الحرية والكرامة والارض والحقوق المشروعة، معركة استقلال فلسطين؟ كيف لا وأنت يا أبا عمار مدرسة في الوفاء، الذي كان بالنسبة لك حرفاً اول في ابجدية حب فلسطين والمقاتلين والقادة والاسرى والشهداء؟ كيف لا يفيض بنا الحنين الى زمانك، وانت الفارس، رأس الرمح، حد السيف، وصاحب الرأي السديد؟

ومن غير القائد الفارس ابو عمار، شمسنا التي لا تنطفئ، من كان يقود ركب الثورة بجسارة القادة التاريخيين، ومن كان شجاعاً في قول الحق، اتخاذ الموقف، حمل الامانة، صنع اللحظة المواتية، من غيرك يا مفجر الثورة، يا ابا الوطنية الفلسطينية، يا ايها الربان الذي قاد السفينة في بحر متلاطم، الى ان اوصلها الى شاطئ الامان، على اول ارض متاحة من فلسطين؟ ومن هو غير ياسر عرفات اب للثوار الاحرار، الذي تحول الى رمز وطني حاضر ابد الدهر في ضمير الفلسطينيين؟

نحن اليوم في هذه المناسبة الموجعة، لا سيما أخوة الزعيم الخالد ورفاق دربه، لسنا في مقام التأبين، فمثل ابو عمار يغيب بجسده النحيل، إلا أنه لا يغيب عن حياة شعبه، عن مسيرتنا الوطنية، عن فضائنا السياسي، فالشهداء الابرار، وإمامهم ياسر عرفات، خالدون لا يموتون كما يموت بقية الناس، انهم احياء عند ربهم يرزقون.

إن يوم رحيل القائد الفذ، هو مجرد يوم من أيام فلسطين بأحزانها الكثيرة وافراحها القليلة، يأتي فيه طيف ابي عمار ليشد على ايدينا بقوة، ويدعونا لمواصلة مسيرة الثورة، ويحثنا على التمسك بالوحدة الوطنية، على عدم التفريط بثوابتنا الاساسية، على الصمود الى ما لا نهاية، على الاستمرار في المقاومة بكل اشكالها المتاحة، على الاقدام واخذ الزمام، تماماً على نحو ما كان عليه رفيق المقاتلين في الاغوار، وقائد المعركة في الكرامة وبيروت، وفي كل المحطات اللاحقة على طريق الحرية والاستقلال.

إذا كان لي، على المستوى الشخصي، أن استرجع في هذه المناسبة، قبساً ضئيلاً من ذكرياتي الحميمة مع القائد والمعلم أبو عمار وكل منا له معه من الذكريات والمواقف الكثير الكثير، فإنني سأشير هنا إلى البعض منها. فقد أسند لي القائد أبو عمار مهمة تأسيس وادارة معامل ابناء شهداء الثورة في لبنان -مؤسسة صامد-، والى تكليفي بقيادة مفاوضات أوسلو، إلى تكليفي وزيراَ للاقتصاد والتجارة والصناعة، ومديراً عاماً لمؤسسة «بكدار»، الى رئاستي لأول مجلس تشريعي منتخب، ومن ثمة تكليفي تولي منصب رئاسة الحكومة الفلسطينية للسنوات 2003-2005 في آخر المشوار. ولقد أصدرت أكثر من 16 كتاباً عن هذه المحطات في سياق التاريخ الفلسطيني المعاصر.

ففي كل منعرج، وفي كل محطة من هذه المحطات، كان ابو عمار القائد والمعلم، الظهير والقدوة وكنت موضع تقديره، سواء في مجال السياسة او في مجال الاقتصاد والادارة، أو في مجال المفاوضات، الأمر الذي لا يزال، وسيظل موضع اعتزاز شخصي لي، وهو ما يزيد من حسّي بالفقد، وشعوري بالفراغ، ويحملني في الوقت ذاته الى استذكار القائد التاريخي بكل هذا الأسى وهذه اللوعة، التي ما تزال تتراكم في النفس على مدى الثلاثة عشر عاماً الماضية دون انقطاع.

في زمن المصاعب والأخطار الشديدة، وفي مرحلة التحديات المحدقة بنا من كل صوب، نتذكرك يا ابا عمار، نتذكر البدر في الليلة الظلماء، ونقف خاشعين على ضريحك، ندعو لك بالرحمة، ونستمد من روحك المرفرفة في سماء فلسطين، وارواح كل الشهداء الابرار، القوة والعزم والصمود، والاصرار، على مواصلة معركة الحرية الى ان نظفر بالنصر وباستقلال دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف، "شاء من شاء، وأبى من أبى"، "كما كنت تردد دائماً".

المجد والخلود والرحمة لك ولكل شهداء فلسطين

وإنها لثورة حتى النصر والتحرير