الجانب الآخر من صورة دولة الاحتلال

بقلم: محمد السعيد ادريس

الذين شاركوا بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية وزوجته سارة، تلك الاحتفالية التي عقدها في منزله الشهر الفائت على هامش ما يسمى

بـ «عيد العرش»، ضمن ندوة جرى تنظيمها عن «الكتاب المقدّس» صدمتهم «هواجس نتنياهو» عن مستقبل إسرائيل، ومنعتهم هذه الصدمة من التفكير في الأسباب الحقيقية التي دفعت نتنياهو للبوح بهذه «الأفكار السوداوية» التي اعتبروها «مجرد هواجس». فبدون مقدّمات، وعلى نحو ما روّجت صحيفة «هآرتس»، فاجأ نتنياهو الحضور بالتعبير عن «قلقه من احتمال عدم تمكين إسرائيل منذ الاحتفال بذكرى تأسيسها بعد 30 عاماً»، ما يعني تخوّفه عن عدم إكمال إسرائيل مئة عام. فبرأيه «على مدى 80 عاماً نجح الحشمونائيم (الاسم الآخر للمكابية، نسبة إلى يهودا المكابي) في الخروج من وضع صعب جداً.. علينا أن نتعمّد أن تحتفل إسرائيل بمئويتها».

كان نتنياهو يقدّم مقاربة، في حديثه بين حال إسرائيل الآن والمخاطر التي تتهدّد مستقبلها وبين تجربة الدولة اليهودية التي أقامها اليهود تحت مسمى «مملكة الحشموئيم» التي استمرت 80 عاماً، قبل أن تلقى نهايتها على أيدي الإمبراطورية الرومانية، لذلك كان قوله وهو يعلّق على الاستفسارات المكبوتة لدى مستمعيه بأن «حالة وجودنا ليست بديهية، سأعمل بجهد من أجل حماية الدولة والحفاظ عليها»، كما أنه كان حريصاً على المقارنة بين ما اعتبره «عُرشاً مؤقتة (جمع عريش)» وبين «البيت الدائم والمستقر»، ما يعني أنه مهموم بالحيلولة دون جعل الدولة الإسرائيلية الراهنة مجرّد «عريش» مؤقت، وأنه سيعمل على جعلها دولة دائمة «ثابتة الأركان»، ولعل هذا ما يفسّر لماذا نتنياهو، وكل قادة الكيان مسكونون بهاجس الاعتراف الفلسطيني والعربي والإسلامي بدولة إسرائيل وبشرعية هذه الدولة. فهم، رغم امتلاكهم كل عوامل التفوّق العسكري القادر على هزيمة كل الأعداء، لا يثقون من داخلهم أن هذا يكفي لخلق اليقين والثقة داخلهم بأن دولتهم هذه لم تعد مهددة، وأنها باتت معترفاً بها بمن يعتبرونهم «يمتلكون وحدهم ورقة هذه الشرعية الغائبة».

لذلك يقول نتنياهو إن «اعتراف السلطة الفلسطينية بيهودية إسرائيل، أي كبيت دائم لليهود، هو الشرط الأساسي للسلام»، ومن ثم فإنه «ليس مهتماً بالمصالحة الوهمية، التي تتصالح فيها الفصائل الفلسطينية مع بعضها بعضاً على حساب وجودنا» لكن ما يهمه هو «أن نرى ثلاثة أمور، وهي: الاعتراف بدولة إسرائيل، وتفكيك الجناح العسكري لحماس، وقطع العلاقات مع إيران التي تدعو إلى تدميرنا».

هذه هي شروطه للقبول بالسلام مع الفلسطينيين، وهي في ذات الوقت الأسس التي يراها مطمئنة لتثبيت الثقة بالوجود في نفوس الإسرائيليين. هذا يعني أن الفلسطينيين، هم وليس غيرهم، من بيدهم أمان إسرائيل، وهذا ما يفسّر السر وراء كل اهتمام الإسرائيليين ب «الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل دولة يهودية»، أي دولة اليهود وبيتهم، وهو اعتراف أقرب إلى «صك ملكية» من صاحب الأرض، أي الشعب الفلسطيني، لإسرائيل بأنها أضحت «صاحبة البيت».

عدم حدوث هذا الاعتراف على مدى السبعين عاماً، تقريباً، التي مضت من عمر الاحتلال، هو الذي جعل نتنياهو يتشكك في أن إسرائيل ما زال في مقدورها أن تحلم بالاحتفال بعيدها المئوي، وأنها ربما تكون قد زالت عن الوجود قبل حلول هذا الموعد، ولعل هذا ما أثار الفزع لدى من استمعوا لهذا الحديث، الذي تلقّفه أعداء نتنياهو من فريق اليسار الذي لم يكلّ ولم يملّ من التحذير من مخاطر التطرف الذي بات يسيطر ويحكم مصير الدولة الإسرائيلية، ويأخذ بها نحو مصير غامض، أبعد ما يكون عن «الحلم الصهيوني».

فكثير من قادة اليسار الإسرائيلي وزعماء المعارضة يعتقدون أن الدولة الإسرائيلية باتت معرّضة لدفع أثمان فادحة من جراء السطوة المتزايدة لنفوذ تيارات اليمين الأصولية- التوراتية المتطرفة.

فهم يرون أن هذه الهيمنة لليمين المتطرف على أهم مفاصل الدولة تجعلها معرّضة للخطر، لأن التنظيمات والأحزاب اليمينية مستعدة دائماً للتستر على جرائم الحكم مقابل أن تحصل على هذه الفرص التي لا تريد التفريط فيها.

والهجوم العنيف الذي شنّه نتنياهو على الشرطة وقائدها العام روني الشيخ، في أعقاب انتشار خبر تناول استئناف الشرطة قريباً التحقيق معه في ثلاثة ملفات يشتبه فيها بارتكابه جنايات فساد، خلق تساؤلات حول حقيقة دوافع هذا الهجوم من جانب نتنياهو، وظهرت ترجيحات تقول إنه يعدّ لإجراء انتخابات مبكرة تعطل تحقيقات الشرطة، ثقة منه أنه يحظى بتعاطف أوساط اليمين والمتدينين، ويتوقّع أن يتلقّى من ناخبيه ضوءاً أخضر لتكبيل يدي الشرطة ومنعها رسمياً من تقديم توصيات إلى المستشار القضائي للحكومة تستند إلى تحقيقاتها، يمكن أن تدفع به للخضوع إلى المحاكمة، خصوصاً بعد أن فشل أنصاره في استصدار تشريع من الكنيست يمنع التحقيق الجنائي معه. ولعل هذا ما دفع زعماء المعارضة إلى مهاجمة نتنياهو بعنف على نحو ما جاء على لسان إيهود باراك رئيس الحكومة الأسبق بقوله: «إن نتنياهو، وهو في طريقه إلى أسفل، مستعدّ لحرق الدولة وملاحقة مؤسساتها في شكل حقير وخطير»، وهي كلها مؤشرات تكشف الجانب الآخر المعتم من الصورة لدولة الاحتلال ومستقبلها.

عن "الخليج"