السعودية... ٤ عصافير بضربة واحدة

بقلم: عزام توفيق ابو السعود

عندما قام الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بزيارة السعودية، عاد ليتفاخر أمام الأمريكيين بأنه أحضر لهم مئات المليارات من الدولارات، هي الصفقة المالية الأكبر في بيع السلاح الأمريكي، تخلق المزيد من الوظائف للأمريكيين. وحتى يبيع للسعوديين السلاح ، كان لا بد من تضخيم الخطر الإيراني ومدى تهديده للسعوديين!

الرئيس الأميركي في زيارته الحالية لشرق آسيا، والتي سبقها تضخيم للخطر النووي لكوريا الشمالية، يعود الى أمريكا بصفقة سلاح أخرى بمئات المليارات أيضا مع كوريا الجنوبية، وقد قالها علنا في كوريا الجنوبية، عدوة كوريا الشمالية، بأن هذه الصفقة ستخلق مئات الآلاف من الوظائف للأمريكيين!

السعوديون أثرياء بالنفط ويملكون المليارات، والكوريون الجنوبيون، أثرياء بالصناعة المتقدمة وخاصة صناعة السيارات والألكترونيات، والذين يملكون «سامسونغ» الكورية المنافسة الكبرى، والعدو اللدود لشركة «أبل» الأمريكية.. ويملكون شركات السيارات التي غزت أسواق أمريكا وأثرت على صناعة السيارات فيها.

لقد وعد الرئيس الأميركي ترامب ناخبيه الأميركيين بصفقات تنعش إقتصادهم، وهو يفي بوعوده لهم، ووعد العالم بصفقة سياسية كبرى تحل مشكلة الشرق الأوسط، وتنهي أكبر مشكلة لم يستطع العالم حلها: مشكلة الشرق الأوسط، وقبل أن يعلن عن صفقة العصر السياسية الكبرى، كان لا بد أن يجد لها التمويل، والتمويل لن يكون أميركيا بالتأكيد، بل سيكون حسب المثل الشعبي العربي " من دهنه قَليليلُه" .. أي أن المال العربي هو من سيمول الحل الإقليمي المنشود في الشرق الأوسط، حيث ستكون اسرائيل الكاسب الأكبر!! والسعودية، وهي أغنى دول العرب لم يبق في خزينتها الرسمية الكثير من المال، بعد صفقة السلاح المشهورة، وحربها في اليمن ... وعلى السعودية أن تجد المال الإضافي لتمويل الصفقة السياسية المقبلة للشرق الأوسط!!!

كان لا بد من هذه المقدمة لتحليلي هذا حول ما حصل ويحصل في السعودية.. خصوصا وأن أهم تعليق سمعناه حول ما حصل في السعودية كان من الرئيس الأمريكي ترامب نفسه، الذي قال: إنه يثق بحكمة وسياسة الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان!!

لو حللنا شخصيات أمراء السعودية المعتقلين، لوجدناهم وسطيون في أفكارهم، ومعظمهم لا يطمعون بسلطة أكبر مما لديهم، بل إن أولاد الملك الراحل عبد الله، هم عسكريون في تعليمهم وهم خريجو «ساندهيرست» بانجلترا! لكنهم أثرياء بالطبع كثراء جميع أبناء آل سعود، وباستثناء الوليد بن طلال، الذي استثمر أمواله في السعودية والخارج، فزاد ثراء ليصبح من أكبر عشرة أغنياء في العالم! أما الأمير متعب بن عبد العزيز، فقد أبدى زهده في المطالبة بالعرش، رغم أن هناك جناحا كبيرا في الأسرة ألحاكمة يحبه أو يواليه!

ولو حللنا باقي الشخصيات الثرية والوزراء الأثرياء المعتقلين، لوجدناهم حجازيون، أي من غرب السعودية، وليسوا من الرياض أو نجد أو المنطقة الشرقية!! باستثناء ابن لادن الحضرمي ، والحريري اللبناني !!! وبالتأكيد لا بد للعارف بتاريخ السعودية، أن يتذكر بأن عبد العزيز آل سعود نجدي غزا الحجاز وضمها الى ملكه وأخرج الهاشميين منها!! أي أن محمد بن سلمان لم يقرب في اعتقاله أي نجدي، وإنما اعتقل أغنياء الحجاز!!

وحتى يضمن الأمير محمد هدوء الجيش السعودي الذي يقوده أبناء الملك عبد الله، ولضمان الهدوء في الرياض وبقاء الناس في بيوتهم حتى تمر الأزمة، فقد تم طرح موضوع الصاروخ على مطار الرياض، الذي لم يشعر به أحد، وتم تحميل حزب الله اللبناني ، وايران، والحوثيين في اليمن، مسؤولية اطلاق الصاروخ، ليزيد من مخاوف السعوديين من الايرانيين، وللتغطية على الهدنة المعلنة بين الحريري وحزب الله، وأن سبب اعتقال الحريري، ليس فقط مصادرة أمواله التي جناها والده من عمله بالسعودية، وانما لتبيان عدم رضى السعودية عن الحريري لخروجه عن طوعهم واستقباله وفدا ايرانيا في بيروت!!

لا أعتقد أن ضربة محمد بن سلمان، من بنات أفكاره وحده، فهو لا زال شابا صغيرا، لا يمكن لتفكيره وحده أن يحيك هذه الضربة القوية، التي تأتي بأربعة عصافير، كنتائج واضحة المعالم :

العصفور الأول : تبرير وإقناع السعوديين المتململين من ضخامة إهدار المال السعودي والإحتياطيات المالية السعودية الضخمة على صفقة سلاح، اقناعهم بالخطر الايراني المحدق بهم عن طريق صاروخ أيراني الصنع «أطلقه حزب الله اللبناني من الأراضي اليمنية»، قالوا أنه أصاب هدفه بدقة، وإقناعهم بأن حربه المكلفة جدا في اليمن ضد الحوثيين كانت ضرورية! وزاد من ذلك حصاره الشديد على اليمن لمنع النفوذ الايراني فيه!

العصفور الثاني : مصادرة أموال كبار أغنياء السعودية، والمسيطرين على الإعلام السعودي، أو العربي بشكل عام .. وهذا المال يمكن أن يمول مخطط ترامب الشرق أوسطي، ويضمن الإعلام في صفه!

العصفور الثالث: التمهيد لأن يصبح الأمير محمد ملكا تقبل به الأسرة الحاكمة، عملا بالمقوله: " القوة لمن بيده المال"، ويمكن إرضاء جناح آخر من امراء السعودية، بتنازل الملك سلمان عن منصب خادم الحرمين الشريفين لأحد أبناء عبد العزيز، وتنازل الملك سلمان عن العرش لإبنه محمد !!

العصفور الرابع : التمهيد لضربة كبرى لحزب الله في لبنان، الذراع القوي لايران، وفك التحالف اللبناني المسيحي السني الشيعي الدرزي، الذي أدى الى الهدوء السياسي في لبنان، وذلك لإزالة بعض المخاوف الاسرائيلية من ازدياد قوة حزب الله المهددة لاسرائيل، كما يريد الرئيس ترامب!!

ألله أسأل للسعودية والعرب السلامة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!!