خطة مارشال واحدة أم عدة خطط ؟

بقلم: اماني القرم

حيث أن عملية المصالحة البطيئة تسير وفق السياق الإقليمي، الذي يشهد تحركات متسارعة تنذر بأننا بصدد نسق جديد يعيد ترتيب رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط، ويفرض على اللاعبين وتوابعهم خيارات حازمة ومحددة، دعا الجنرال واف مردخاي، منسق اعمال حكومة الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، إلى ضرورة إطلاق "خطة مارشال" لإعمار غزة . والمعلوم أن "خطة مارشال" هي استراتيجية أمريكية وضعت من اجل إعادة إعمار الدول الأوروبية وضبط انتشار الفكر الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية، وقد باتت تطلق على معظم الخطط الاقتصادية التي من شأنها إنعاش البلدان التي تضررت جراء الحروب والأزمات، من منطلق أن التنمية الاقتصادية هي السبيل للاستقرار السياسي.

ورغم أن تسميتها تعود للجنرال جورج مارشال، قائد الجيش الأميركي في الحرب، وهو الذي أعلنها للأميركيين والعالم، إلا أن من قام بصياغتها اثنان من المفكرين الاستراتيجيين في الخارجية الأميركية هما جورج كينان، وويليام كلايتون، مما يفيد بأن العسكريين لا يضعون خططاً إنعاشية بل يوافقون عليها ويعلنون عنها بعد استكشاف فائدتها المرجوة لمخططاتهم العسكرية والاستراتيجية!

هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان بأن غزة تحتاج إلى خطة مارشال، فبعد كل حرب تشنها إسرائيل وتخلف وراءها الدمار والخراب يتم فيها الدعوة "لخطط مارشالية" شبيهة - ربما بمسميات مختلفة - لإعادة الإعمار. وقد واجهت هذه الخطط قصوراً شديداً نتيجة عقم في آلية العمل المشروطة إسرائيلياً وضعف الإمدادات المالية الواردة. ولكن الفرق ما بين خطط البارحة واليوم هو التوقيت والحالة وطبيعة المعلن نفسه!

قطاع غزة هو أحد الكيانات التي تأثرت بشكل مباشر بعواقب ما يعرف بالربيع العربي، وبخلاف تداعيات الانقسام الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي، فإن الواقع السياسي والجغرافي والبعد التاريخي لهذا القطاع وارتباط القوى المسيطرة فيه بأجندات إقليمية، أدى إلى زيادة تدهور الأوضاع الإنسانية الداخلية مما خلّف غياباً كلياًّ للطبقة المتوسطة، التي تعد صمام الأمان لأي مجتمع مدني بفعل انتشار الفقر والبطالة وعامل أساسي آخر لأمن الإنسان هو اهتزاز شديد للثقة بالقادم وتحييد سلبي للأمل.

إن غزة لا تحتاج إلى خطة مارشال واحدة كإستراتيجية لتحسين الوضع الاقتصادي فحسب، بل إلى عدة خطط متوازية تهدف إلى أن يكون الإنعاش الاقتصادي منطلقاً لتحقيق "الأمن الإنساني" بما يتضمنه هذا المفهوم الراقي من إقرار ديناميكية طويلة المدى هدفها تحرير الفكر والتحرر من الخوف فضلاً على تحقيق أساسيات البقاء. فالناس هنا يسيطر عليهم اليأس والخوف الدائم من المستقبل المجهول، لشعورهم بأنهم الحلقة الأضعف والهدف السهل في سلسلة أية تغيرات.

وهذا الوضع اللاإنساني في غزة مسئولية كل من ساهم وكان سبباً في تغييب 2 مليون ونصف عن خارطة العالم، ومعالجته، مسئولية عربية ودولية وإسرائيلية أيضاً، وإذا استمرت العملية بهذا القصور والبطء فالنتيجة الطبيعية هي مزيد من التطرف والفكر السوداوي.