اللورد نورثكليف ... وبلفور

بقلم: أحمد جميل عزم

يظهر أنّ إسرائيل هي من أقل دول العالم شعبية في العالم، بحسب استطلاعات رأي متكررة تجريها شبكة « BBC» البريطانية، ففي اسبانيا مثلا كانت نسبة المستطلعة آراؤهم الذين يرون إسرائيل سلبياً في أوروبا، في العام 2012، هي 74 بالمئة وألمانيا 69 بالمئة، وبريطانيا 68 بالمئة، وفرنسا واستراليا 65، وكندا 59.

رغم ذلك لا تبالي الحكومة البريطانية، وأصرت على الاحتفال بوعد بلفور، دون التوقف ملياً عند نتائج هذا الوعد الكارثية، منذ إطلاقه عام 1917، ومعاناة الفلسطينيين. بالعودة لمحاولات معرفة جذور وعد بلفور وصورته في بريطانيا، تبرز قصص ربما تحتاج للمزيد من التدقيق، حتى لا يجري تبنيها بتسرع، ولكنّ دراستها مهمة جداً.

لا يريد أي باحث أن يغامر بتبني روايات وتفاصيل دون يقين، لذلك من الطبيعي أنّ الباحثين الجادين، رفضوا مثلا، قصة تقرير كامبل بنرمان، التي باتت مشهورة، عن تقرير يحمل هذا الاسم، يتحدث عن مؤامرة استعمارية في مؤتمر استعماري عقد نحو الأعوام 1904- 1906 في بريطانيا، لزرع كيان غريب في العالم الإسلامي. وقد أدت أبحاث من أكثر من باحث متعمق لعدم العثور على أي دليل على وجود الوثيقة. ولكن هناك تفاصيل أخرى، يمكن أن يجدها الباحث عن تاريخ وعد بلفور وكيف عايشه البريطانيون، يمكن التحقق منها بطريقة أسهل من موضوع بنرمان أو غيرها.

إحدى القصص المتداولة في كتابات كُتّاب وباحثين بريطانيين لا يوجد بينهم عربي، هي الرواية عن إمبراطور الصحافة البريطانية مطلع القرن العشرين، ناشر ديلي ميل، التي كانت في حياته أكثر الصحف البريطانية توزيعاً، وكذلك كان ناشر ديلي ميرور، ومساهم أساسي في صحيفة "التايمز"، اللورد نورثكليف، واسمه الأصلي، ألفريد هارمسوورث (1865- 1922). وبحسب عدة سير ذاتية منشورة عنه، فإنّه مات نتيجة تراجع صحته والمرض، وتحديداً مرض عقلي.

لكن بحسب عدة باحثين وكُتّاب، فإنّه القصة المختلفة، أنّ نورثكليف كتب أكثر من مرة معارضاً الصهيونية، وذهب إلى فلسطين عام 1922، مصطحبا معه الصحافي جوزيف جيفيريس، لتغطية "التجربة" الصهيونية هناك. وعاد نورثكليف، معارضاً جداً للحركة الصهيونية، وقال في مقال في التايمز، إنّنا أعطينا دون تفكير كافٍ فلسطين كوطن لليهود، رغم وجود 700 ألف عربي مسلم يعيشون فيها ويمتلكونها. والواقع أّن نورثكليف، رفض قبل ذلك الإقرار أن كتاب بروتوكولات حكماء صهيون، مزيف، طالباً التدقيق بالأمر.

يمكن لباحثين الآن، أن يعودوا للصحف التي كان يكتب بها نورثكليف للتأكد على الأقل من طروحاته.

يعتمد كثيرون على كتاب للصحافي دوغلاس ريد (1895- 1976)، الذي بدأ العمل في التايمز، في المرحلة الأخيرة من حياة نورثكليف، لرواية قصة نورثكليف بطريقة مختلفة. ومن المعجبين بريد، ويعتبره مرجعاً، الصحافي المصري الشهير محمد حسنين هيكل (1923- 2016). واتُّهم ريد كثيراً باللاسامية، لأنّه شكك في الأخبار والمعلومات التي كانت تنشر في المسألة اليهودية في أربعينيات القرن الفائت. وفي كتابه "جدل صهيون"، يخصص فصلا لنورثكليف، وكيف بذل محرر التايمز، بين عامي 1919 - 1922، ويكهام ستيد جهداً كبيراً، (وكان المساهمون الآخرون يدعمونه) لإثبات مرض نورثكليف العقلي، وفرض إقامة جبرية عليه في بيته، وكيف كان نورثكليف مقتنعاً أنّه قد جرى تسريب السم له، حيث مات فعلا في صيف1922.

قام الصحافي جيفريس، الذي صحب نورثكليف لفلسطين، بالعودة لفلسطين ليكتب كتاباً تفصيلياً، صدر فعلا في خريف 1939، كشف الكثير من أسرار الوصول لإعلان بلفور. ولكن حظ الكتاب لم يكن أفضل من حظ نورثكليف. فلا شك أن اندلاع الحرب العالمية الثانية حرف الاهتمام بقضية مثل فلسطين، وبالتالي عن الكتاب، رغم إشادة جمعيات أكاديمية وهيئات، مثل دورية "فورين أفيرز" الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي به. ولكن أول غارة ألمانية نازية ضد أهداف بريطانية مدنية، نهاية العام 1940، استهدفت دور نشر منها "لونغمان" التي نشرت الكتاب، ودور نشر أخرى، ما أتلف عددا هائل من الكتب.

أعيد نشر كتاب جيفريس هذا العام، ما يشكل مناسبة، لا لفتح تاريخ وعد بلفور فقط، بل ومن عارضه من البريطانيين أيضاً.