في الذكرى المئوية لثورة العشرة ايام التي هزت العالم

بقلم: محمد النوباني

لا شك بان ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا التي تصادف ذكراها المئوية اليوم الموافق السابع من تشرين الثاني ، نوفمبر، 25 اكتوبر حسب تقويم غريغوري القديم الذي كان معمولا به في روسيا اثناء الثورة ، كانت من اهم الاحداث التي شهدها القرن العشرين على الاطلاق .

فتلك الثورة التي واكبها الكاتب التقدمي الاميركي "جون ريد" في كتابه " عشرة ايام هزت العالم " اطاحت بالنظام القيصري "الاوتوقراطي " الذي كان يحكم البلاد بالحديد والنار ، ويضطهد شعوب روسيا الى الحد الذي جعل المؤرخين يصفونها بسجن الشعوب ، واخرجت روسيا من الحرب العالمية الاولى المدمرة ، واقامت اول دولة للعمال والفلاحين في التاريخ ودشنت ايضا عصرا جديدا في تاريخ البشرية كان من ابرز سماته تقويض النظام الاستعماري العالمي ، ووضعت المدماك الاهم في مسيرة تحرر الشعوب من ربقة النظام الاستعماري العالمي .

وسيذكر التاريخ بأحرف من نور ان دولة الاتحاد السوفييتي التي انشأتها ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى ، نقلت الشعب الروسي وبقية الشعوب المتحالفة معه ، في اطارها من براثن التخلف والفقر والجهل والمرض ، الى ذرى التقدم الصناعي والزراعي والعلمي والتكنولوجي ، واوجدت نظام التعليم المجاني والطبابة المجانية وسبقت في مرحلة تاريخية معينة الولايات المتحدة الاميركية في مجالي الفضاء والسلاح وغيرهما من المجالات .

ولن تنسى شعوب العالم ، وعلى راسها شعوب اوروبا ، انه لولا الدور الاساس الذي لعبه الجيش الاحمر السوفييتي في الحرب العالمية الثانية بهزيمة النازية في المانيا واسقاط العسكرية اليابانية ، لكان الزعيم النازي اوديلف هتلر تمكن من تأبيد سيطرته على اوروبا والعالم وابادة المزيد من البشر وربما تغيير مسار التاريخ برمته، نحو المزيد من الكوارث لو تسنى له كسب المزيد من الوقت لو انه تمكن من امتلاك السلاح الذري ، الذي كان يجري عليه العلماء الالمان ابحاثا متقدمة .

ويكفي ان نذكر في هذا المجال ان هزيمة المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية ، في التاسع من ايار عام 1945 ، وتمكن الاتحاد السوفييتي من امتلاك السلاح الذري ومن ثم الهيدروجيني والنووي الى جانب الولايات المتحدة الاميركية قد ادى الى اقامة نظام دولي جديد لم تعد تنفرد فيه اميركا وغيرها من الضواري الاستعمارية بقيادة العالم ، مما لجم من امكانية تلك الدول على خوض حروب كونية جديدة منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا ، رغم انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي ، بفعل اسباب لا يمكن استعراضها ، في 1991.

بكلمات اخرى فان شعوب اوروبا على وجه التحديد ، وشعوب العالم قاطبة ستظل مدينة لثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى ووليدها الاتحاد السوفييتي السابق ، بانه حماها من سيل جارف من الضحايا ، لو بقي العالم اسيرا للوحشية والاجرام الرأسمالي الامبريالي .

اما بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين والعرب ، فان الاتحاد السوفييتي كان لنا خير معين في نضالنا ضد الامبريالية ، والحركة الصهيونية منذ اليوم الاول لانتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى ، وحتى انهياره على يد جوربتشوف آخر زعيم سوفييتي في العام 1991 .

واذ تحدثنا بلغة الملموس فان قادة ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى وعلى رأسهم زعيم الثورة ، فلاديمير ايليتش لينين ، ناهضوا منذ البداية الايدولوجيا الصهيونية ، واعتبروها حركة برجوازية رجعية واستعمارية وعنصرية ، تمثل مصالح البرجوازية اليهودية الكبيرة المتحالفة مع اشد الدوائر الامبريالية عدوانية .

وفي كانون الاول 1917 ، نشرت حكومة الثورة الروسية نصوص المعاهدات السرية التي ابرمتها الدول الاستعمارية فيما بينها لاقتسام البلدان العربية ، بعد انهيار الامبراطورية العثمانية وعلى رأسها اتفاقية "سايكس بيكو" الموقعة بين فرنسا وبريطانيا في العالم 1916، واعتبروها اكبر جريمة ترتكب ضد الانسانية .

ويكشف المؤرخ المصري شهدي الشافعي في كتابه" تاريخ الحركة الوطنية في مصر " عن الاثار التي خلفتها ثورة اكتوبر وسياساتها على الوطن العربي بشكل عام وعلى الحركة الوطنية المصرية تحديدا ، خاصة زمن الازمات العاصفة ، زمن انتفاضة الشعب المصري عام 1919 ضد الوجود الاستعماري الانجليزي ، مشيرا الى ان بيانات الدولة السوفيتية الفتية كانت جديدة على البشرية كليا ، فلاول مرة في التاريخ ظهرت دولة كبرى لاتريد استعمار احد ولا استغلال احد دولة التزمت جانب جميع القوى التحررية في العالم ، وعرضت هذه الدولة الجديدة ، على سعد زغلول مساعدته بالاسلحة ولكنه خاف ورفض العرض ، وفي عام 1920 كانت لجنة توحيد العرب التي تشكلت في دمشق اكدت في تقرير لها ان حكومة لينين يعتبرها العرب قوة عظيمة قادرة على منحهم السعادة والرفاء .

وعندما وقع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من قبل بريطانيا وفرنسا واسرائيل ، ساند الاتحاد السوفييتي الرئيس الراحل عبد الناصر بقوة ، واجبر الموقف السوفييتي الحازم والحاسم حكام تلك الدول على الانسحاب من الاراضي المصرية المحتلة فورا بعد الانذار الشهير الذي وجهه رئيس وزراء الاتحاد السوفييتي آنذاك "بولجانين" وهدد فيه بضرب عواصم دول العدوان بالصواريخ النووية ان لم تنسحب من الاراضي المصرية المحتلة .

وقد جاء في ذلك التحذير المعنون الى كل من رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك "ديفيد بن جوريون " ورئيس الوزراء البريطاني انطوني ايدن ، ورئيس الوزراء الفرنسي جي مولييه ما يلي: ، " ان الحكومة الاسرائيلية التي تفتقر الى الشعور بالمسؤولية تتلاعب الآن باقدار العالم وبمستقبل شعبها بالذات" ، وجاء في نص الانذار الموجه لفرنسا وبريطانيا ايضا : " ترى الحكومة السوفييتية انها مضطرة الى لفت نظركم الى ان الحرب العدوانية التي تشنها بريطانيا وفرنسا ضد مصر ، لها اوخم العواقب على قضية السلام" ، متسائلا كيف كانت بريطانيا ستجد نفسها اذا ما هاجمتها دولة اكثر قوة ، تملك كل انواع اسلحة التدمير الحديثة ؟ ان هناك دولة الآن لا يلزمها ارسال اسطول او قوة جوية الى سواحل بريطانيا وفرنسا، ولكن يمكنها استخدام وسائل اخرى مثل الصواريخ .

وجاء في ختام الانذار " اننا مصممون على سحق المعتدين ، واعادة السلام الى نصابه في الشرق الاوسط ، عن طريق استخدام القوة ، اننا نامل في هذه اللحظة الحاسمة ان تأخذوا حذركم فتفكروا في العواقب المترتبة على ذلك .

وقد اجبر هذا الانذار السوفييتي الذي دخل التاريخ ، باسم " انذار بولغانين" حكومات تلك الدول على وقف العدوان الذي بدأ في 29 اكتوبر تشرين ثاني عام 1956 وعلى الانسحاب صاغرين في 23 ديسمبر كانون اول ، من نفس العام من مصر .

ولا يجوز ان ننسى ايضا دور الاتحاد السوفييتي في دعم عبد الناصر في بناء القاعدة الصناعية والزراعية للاقتصاد المصري وكسر احتكار السلاح ، ودعم الجيشين المصري والسوري في حرب اكتوبر 1973 ، والدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري الذي قدمه للثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ، وغير ذلك الكثير ، الكثير .

ان انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي في العام 1991 ترك اثارا سلبية على شعوبه وتحديدا الشعب الروسي ، وعلى شعوب العالم المظلومة ، ومكن الولايات المتحدة الاميركية من الانفراد بقيادة العالم ، بواسطة نظام القطب الواحد ردحا من الزمن .

ولكن نهوض روسيا مجددا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين ، اصلح جزءا كبيرا من الخلل في التوازن الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .