في ذكرى وعد بلفور.. حلحول تتذكر مأساتها بيوم "التيل"

الخليل - "القدس" دوت كوم - جهاد القواسمي - تذكرت حلحول، شمال الخليل، في الذكرى المئوية لوعد بلفور المشؤوم، مأساتها، المعروفة بين سكانها بيوم "التيل"، عندما أراد الانجليز الانتقام من البلدة التي خرجت العديد من الثوار، لتكون عبرة لغيرهم، وطوقت حوالي 150 شخصا من الأهالي وكان معظمهم ممن ساقهم سوء الطالع إلى ذلك الطوق ومن بينهم الشباب والتلاميذ والكهول وبعض المارة الذين كانوا يعملون فيها وهم ليسوا منها، ولا زالت قبور ١٨ شهيدا تشهد على هذه المأساة، وان لهم ثأرا عند البريطانيين.

" البلاك ووتش" ...

وقال الكاتب محمد سعيد مضيه، أنه فجر يوم السبت الخامس من أيار لعام 1939م، وكان الجو شديد الحرارة، سمع سكان حلحول زامور كتيبة " البلاك ووتش" من الجيش البريطاني بقيادة اللورد " دوغلاس غوردون"، اذ أنذر من في الطوق باطلاق النار عليهم اذا لم يعملوا على تسليم 150 بندقية، وسيظل هؤلاء في الحظيرة بلا طعام أو ماء.

وأضاف، أن الانجليز اختاروا الطوق على جبل المدرسة والذي يسمى اليوم جبل الشهداء، وأحاطوا المكان بالأسلاك الشائكة والقوا بمن احتجزوهم في تلك الحظيرة تلفحهم اشعة الشمس المحرقة، مشيرا الى أنهم كانوا يقدمون لهم في البداية قدر فنجان من الماء كل يوم، حيث احتمل المعذبون بلاء الايام الخمسة الاولى، لانهم لقوا ما يلقون به في افواههم من ورق العنب الطري واغصانه وجذوره المدفونة في التربة.

وأشار مضيه، الى أن الانجليز منعوا النسوة من تقديم الماء والطعام للمحتجزين، واتلفوا قرب الماء، وكسروا الأباريق على مرأى المعذبين، حتى ان النساء اشتبكت مع الجنود، فتم احتجاز النساء وأطفال البلدة على أرض البيادر " المشاهد" بالقرب من المكان المشؤوم، والتي تجاور مسجد النبي يونس من الجهة الغربية.

وبين مضيه، أنه في اليوم السابع أخذ الموت ينتقي من فقد الاحتمال وكان الانجليز يتركون الشهيد يلفظ أنفاسه الاخيرة بين رفاقه حتى تصعد روحه الى بارئها تشكو اليه ظلهم، وهكذا بلغت قافلة الشهداء سواء من استشهدوا في الطوق او بعد خروجهم منه "18 شهيدا"، موضحا أنه عندما وصلت اخبار هذه المأساة الى بعض الرجال من حلحول في القدس، اتصلوا علي بواسطة مفتش المعارف شريف صبوح، بمدير المعارف الانجليزي " جيروم فرل" ، حاثا اياه على التدخل لانقاذ التلاميذ المحجوزين في الطوق، وأحضر الصليب الاحمر سيارة مليئة بالبطانيات والطعام والماء، وأرسلها الى حلحول حيث يرقد من في الطوق مشرفين على الهلاك، لكن غوردون وجنوده منعوا السيارة من الدخول، حتى أن المستر فرل علق وبحضور المفتشين العرب ومدير المباحث الانجليزي " جايلس بك" بقوله:" ستظل مأساة حلحول وصمة عار في جبين الامبراطورية البريطانية، لا يمكن حجبها عن الانظار في القرن العشرين".

الروح مقابل الماء ....

وتابع مضيه : وجد الناجون من الموت فرصة سانحة لهم يبيعون بها أرواحهم في سبيل شربة ماء، وأخذوا يتسللون واحدا واحدا بحراسهم الى مخابئ الاسلحة التي لم يكن لها ظل من الحقيقة، وكان البعض يقول ان السلاح في مغارة، فإذا وصلها مع الحراس شرب منها واكتفى بالضرب والركل والوخر بالسنك، والبعض يقود الحراس الى بئر ماء يلقي نفسه بها ويستشهد بعد اطلاق النار عليه، والبعض يدعي ان السلاح في مسجد النبي يونس، فإذا ما وصله شرب الماء واشبع ضربا ولكما وتعذيبا، لافتا الى أن " دوغلاس غوردون" اصدر امرا بإطلاق النار على كل من يضلل الجنود.

وفد للتفاوض ....

وأوضح، أنه بعد هذا كله تشكل وفد من المعتقلين للتفاوض مع دوغلاس وكان يضم ثلاثة من الوجهاء موزعين حسب العشائر، وتم الاتفاق على الافراج عن هؤلاء للبحث في شراء السلاح المطلوب، وذلك بجمع المال من الاهالي الذين كانوا خارج الطوق بل من خارج البلدة، وتسليمه خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام، حيث تم جمع المال من الاهالي وتم شراء السلاح المطلوب ومقداره 36 بندقية، وتسليمه، مشيرا الى أن الجريمة النكراء كانت قد أخذت من المظلومين كل مأخذ.

اليوم التاسع للطوق ....

ولفت مضيه، الى أنه في اليوم التاسع من الطوق، وبعد أن أشرف الجميع على الهلاك حضر طبيب الجيش بصحبة طبيبين عربيين، وأعلموا قائد الجيش البريطاني بخطورة الموقف، وإشراف المعتقلين على الموت، ونصحه بتقديم الشراب الساخن واللبن قبل شرب الماء، لكنه لم يكترث، وقد تبادل الطبيب معه الكلمات القاسية، كما زار المعتقلين بعض قناصل الدول العربية فهالهم عندما شاهدوا الاشباح الحفاة العراة زامين شفاههم حزنا وتعجبا، ممن كانوا يمتصون الحصى الرطب عند الفجر ويتمرغون على التراب الذي بلله الندى.

تنكيل بالنساء ....

وأشار، أن ما فعلوه بالنساء كان أدهى وأمر، موضحا أن الجنود الانجليز اقتادوا أمراة وهي في مخاضها، والسياط تلهب ظهرها، وينزل المولود، ثم تصل المعتقل وهي قابضة على جنيها بيدها وقد ساعدتها من كن معها بالنضال وخلصنها من براثن الموت باعجوبه، موضحا أن نساء حلحول كان لهم دور بطولي إثر سماعهن باليوم المشؤوم، فقد جمعن الطعام والماء في اليوم الثاني للطوق، ولما حال الانجليز دون ايصال الطعام والماء الى المعتقلين اشتبكن معهم بالحجارة، مضيفا انه في اليوم التالي حضرن ومعهن قطعا من السكر اوهمن الجنود انها حجارة قذفنها بها علها تصل الى المحجوزين، وقد جمع الانجليز النساء في طوق على بيادر المرحوم حسن هرماس الى الجهة الشمالية الشرقية من الطوق.

وأوضح، ان النساء شكلن وفدا منهن وسافرن الى القدس لمقابلة الحاكم الانجليزي " كيتروسن" للافراج عن المعتقلين غير أنه سلط الحراس عليهن وضربوهن بالسياط، ثم توجهن لمقابلة قناصل الدول الاجنبية كالقنصل الالماني الذي تعاطف مع أهالي حلحول، وأذاع النبأ بواسطة إذاعة برلين، مشيرا الى أنه نجا من أسعده الحظ وقدرت له الحياة وروى للاهل قصة ووقائع المأساة، منوها بأن الله اقتص من فرقة "البلاك ووتش" وقضى عليها في معركة طاحنة مع الالمان، موضحا أنه قيل في مأساة حلحول عن طريق الاذاعات والصحف والشعراء، حتى أن هتلر ذكر في إحدى خطبه:" لا تظن بريطانيا العجوز أن المانيا بلد صغير في فلسطين يعذبون أهله كيفما يشاؤون".