"أيقونة" الأكراد مسعود بارزاني .. أخطأ الزعيم فسقط حلم الدولة

بغداد - "القدس" دوت كوم - كان الرئيس مسعود بارزاني، الذي أعلن اليوم الأحد تنحيه عن السلطة، مؤسس إقليم الحكم الذاتي لكردستان العراق، لكنه كان ايضا المسؤول الأول عن سقوط حلم الدولة بمغامرته الخطيرة في اجراء استفتاء حول استقلال الاقليم.

لم يتخيل بارزاني أنه سيصل إلى اليوم الذي سيخسر فيه ما بدأ ببنائه قبل 26 عاما.

فلا يزال هذا المقاتل الذي بدأ نضاله مذ كان عمره 14 عاما، مرتديا زي البشمركة التقليدي، حتى صار "أيقونة" في عيون شعب يسعى إلى دولة، حسب ما يقول تييري أوبيرليه في صحيفة (لو فيغارو) الفرنسية.

ينحدر ابن الحادية والسبعين عاما من عائلة لطالما قاتلت من أجل استقلال الأكراد، وهو ابن مصطفى بارزاني، الزعيم التاريخي للحركة الوطنية الكردية في العراق.

لم ينس أبدا أنه ولد في "جمهورية كردستان الأولى" في مدينة مهاباد الإيرانية، التي استمرت عاما واحدا فقط قبل أن تنهيها القوات الإيرانية.

في العام 1978، نجح في خلافة والده كرئيس للحزب الديموقراطي الكردستاني الذي تأسس في العام 1946.

ولكن في العام 1975، برز له جلال طالباني، مؤسس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ليصبح منافسه اللدود لعقود.

في خضم الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، تعاون الحزبان مع إيران، لكن الثمن كان غاليا.

شن صدام حسين حملة الأنفال ضد الاكراد العراقيين فهجر عشرات الالاف منهم، وقصف حلبجة بالسلاح الكيميائي، ما أسفر عن خمسة آلاف قتيل في العام 1988.

بعد هزيمة صدام حسين في حرب الخليج الأولى (1990)، انتفض الأكراد مرة جديدة، ولكن الأمور انقلبت ضدهم مجددا.

وبعد ذلك، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 688 الذي يحظر على القوات الجوية العراقية التحليق فوق خط العرض 36، مطالبا بإنها القمع ضد الأكراد.

تلك كانت اللحظة التي ينتظرها مسعود بارزاني. فشكل كيانا مستقلا تقاسم فيه السلطة مع الاتحاد الوطني الكردستاني.

بيد أن التنافس بين الزعيمين، بارزاني وطالباني، تحول إلى حرب أهلية بين العامين 1994 و1996.

بعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، قام الأكراد بتوحيد إدارتهم.

وعرف عن بارزاني أنه سياسي عنيد ومراوغ ومغامر إلى أبعد الحدود.

آخر تلك المغامرات كان تصميمه على إجراء استفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق في 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، رغم معارضة بغداد ودول المنطقة والعالم.

غضب بغداد ترجمته الحكومة الاتحادية تقدما عسكريا باتجاه الإقليم، مستعيدة غالبية المناطق المتنازع عليها مع أربيل، وخصوصا محافظة كركوك الغنية بالنفط.

بعد فوزه في الانتخابات غير المباشرة في العام 2005، أعيد انتخاب بارزاني مرة أخرى في العام 2009 بنحو 70 في المئة من الأصوات في أول انتخابات عامة، ليبدأ ولاية جديدة من أربع سنوات.

وبعد انقضاء المدة، مدد البرلمان الكردستاني ولاية بارزاني لعامين.

لكن مع بداية الأسبوع الحالي، قرر البرلمان تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وتجميد عمل هيئة رئاسة الإقليم.

وصدر قرار تجميد الأنشطة الرئاسية لبارزاني بسبب عدم تمديد برلمان الإقليم ولايته الرئاسية مجددا بشكل قانوني، الأمر الذي ينهي صلاحياته الرئاسية.

ابن البشمركة الذي قاتل نظام صدام حسين، لم يقاتل اليوم. وبدأت حدود الإقليم التي توسعت في أعقاب تقدم القوات الكردية خلال قتالها تنظيم (داعش) بالانحسار مجددا إلى الخط الأزرق الذي تم تحديده في العام 2003.

حينها، كان يسعى بارزاني إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، طرد الجهاديين والتمدد جغرافيا في إطار حلم إنشاء الدولة.

هيمن بارزاني بشكل كبير على زواريب السياسة في الإقليم، وسعى إلى أن تكون لعائلته اليد الطولى في المناصب. ومنهم ابن شقيقه نجيرفان بارزاني الذي يتولى رئاسة الحكومة.

كما أن مسرور، نجل مسعود، رئيس مجلس الأمن القومي في كردستان وله كلمة الفصل في أجهزة الاستخبارات الكردية.

كان بارزاني الرئيس الأول والوحيد للأكراد حتى اليوم، لكنه وقع في فخ رهانه على الاستقلال.

يشير دبلوماسي غربي إلى أنه حين طلب من بارزاني تأجيل مشروع الاستفتاء، أجابه رئيس الإقليم "لا أستطيع، لدي فرصة لن تأتي مرة أخرى. بغداد لا تزال ضعيفة لكنها تزداد قوة، وبعدها سيفوت الأوان".

وأضاف "لا أستطيع التراجع وأعتقد أن الدول التي تنصحني بعدم إجراء الاستفتاء ستدعمني بعد ذلك". وكان ذلك الخطأ الكبير.

يقول المحلل السياسي كيرك سويل، ناشر مجلة (إنسايد إيراكي بوليتيكس)، إن رهان بارزاني لم يكن إلا "استنادا إلى دائرة ضيقة من المستشارين".

أما بالنسبة إلى المحلل المختص بالشؤون الكردية موتلو سيفير أوغلو، فإن بارزاني وضع الأكراد في موقف صعب، بعدما "أخطأ في قراءة الموقف وتفسير الرسائل"، ما جعله وحزبه معزولين داخل العراق وخارجه.