من يقف خلف الاغتيالات الواسعة للنشطاء البيئيين في العالم؟

بقلم:جورج كرزم

بينما كان فين لوتر مسافرا في آب الماضي بسيارة أجرة من مطار دار السلام -عاصمة تنزانيا- التي وصلها للتو، نحو الفندق الذي يفترض أن يقيم فيه، اعترضت مركبة أخرى، فجأة، سيارة الأجرة، وخرج منها رجل مسلح متوجها نحو السيارة وأطلق النار على لوتر فأرداه قتيلا. جاء هذا الأخير إلى تنزانيا في إطار أنشطته الكثيرة كرئيس لمنظمة حماية الفيلة من الصيادين.

لوتر شكل تهديدا حقيقيا لشبكات الجريمة الدولية التي تنظم عمليات صيد الفيلة لأغراض التجارة بالعاج، وقد وجهت له في الماضي تهديدات كثيرة بالقتل. المنظمة التي يرأسها دربت ومولت الوحدة الخاصة لمكافحة صيادي الفيلة والتي أنشأتها الحكومة التنزانية. وقد أدى نشاط هذه الوحدة إلى اعتقال ألفي صياد فيلة وتاجر بالعاج. وقدّر لوتر بأن هذه الوحدة يمكنها خفض حجم صيد الفيلة في تنزانيا بنسبة 50%؛ علما أن عدد أفراد هذه المجموعة من الحيوانات انخفض بنحو الثلث خلال السنوات الثماني الماضية.

كان الاتجاه الرئيسي للنشاط الذي اعتمده لوتر هو الحصول على معلومات استخبارية دقيقة عن شبكات الجريمة، بما في ذلك السماسرة والتجار الذين زودهم الصيادون بالعاج.

ومن أبرز النجاحات المرتبطة بنشاط "لوتر" اعتقال "ليانغ فنغ غلن" المواطنة الصينية الملقبة بـ"ملكة العاج". وقد جاء اعتقالها هذا العام في تنزانيا للاشتباه بتورطها في محاولة تهريب 800 قطعة من أنياب الفيلة العاجية، وبلغت قيمة هذه البضاعة نحو 3 ملايين دولار.

اللافت أن العديد من نشطاء حماية الطبيعة والبيئة في الكثير من دول العالم دفعوا حياتهم، في السنوات الأخيرة، ثمنا لمواجهتهم منظمات إجرامية أو ملاك أراض جشعين لا يرغبون بالتخلي عن تدمير الغابات أو التجارة بالحيوانات البرية، ويتجلى هذا الوضع الكئيب في بيانات عام 2016، نشرتها مؤخرا صحيفة الغارديان البريطانية التي ترصد هذه المسألة بانتظام.

لقد كانت سنة 2016 الأسوأ بالنسبة لنشطاء حماية البيئة والطبيعة؛ إذ قتل خلالها 200 ناشط في مناطق مختلفة من العالم، بمن فيهم مفتشون في المحميات الطبيعية والحدائق الوطنية. هذا الرقم يعد زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة؛ إذ قتل 185 ناشطًا بيئيا في 16 دولة خلال العام 2015. وفي المقابل، قتل حوالي 100 ناشط منذ بداية عام 2017 (وحتى آب الماضي).

بعض أشرس الهجمات كانت في دول أميركا الوسطى واللاتينية، حيث قتل نشطاء من الشعوب الأصلية الذين حاولوا الدفاع عن أراضيهم التي ورثوها عن أجدادهم، ومنع اجتثاث الأشجار فيها أو حرقها لأغراض الزراعات الاحتكارية الكبيرة أو التنقيب عن المعادن.

العديد من القتلة تم توظيفهم من قبل شركات احتكارية كبيرة؛ بل إن بعضهم وُظِّفوا من قبل حكومات التقت مصالحها مع مصالح الاحتكارات في استغلال الأراضي لأغراض اقتصادية. فعلى سبيل المثال، قتل "إيزيدورو بِلدنغرو لوبيز" قرب قريته في المكسيك بسبب نضاله لحماية الغابات في تلك المنطقة. 43 حالة قتل حدثت بسبب هجمات الشرطة والجيش ضد نشطاء بيئيين.

ووفقا لتقديرات رصدتها مجلة آفاق البيئة والتنمية مؤخرا من مصادر دولية مختلفة، يوجد حاليا في العالم نحو ألفي بؤرة للصراعات العنيفة متصلة بحماية البيئة، متورط فيها شركات وحكومات؛ بل وأحيانا كثيرة منظمات إجرامية دولية.

العدد الأكبر لجرائم القتل وقع بسبب محاولات الناشطين منع التعدين أو إزالة الغابات. وقد حدث تدهور خطير للغاية في السنوات الأخيرة في كولومبيا، كما أن الوضع مقلق في البرازيل والفلبين. ففي عام 2015 تمت تصفية 50 ناشطا بيئيا في البرازيل وحدها، معظمهم بسبب نضالهم ضد غزو الأراضي واجتثاث الغابات بطرق غير قانونية في منطقة الأمازون. وفي ذات السنة، قتل في الفلبين 33 ناشطا، وفي كولومبيا 26. واللافت أن أكثر من 40% من ضحايا جرائم القتل ينتمون إلى السكان الأصليين في بلدانهم؛ ما يعكس ارتفاع الطلب على المعادن والأخشاب والأراضي والطاقة الهيدرولية والتي غالبا ما تتواجد في مناطق السكان المحليين النائية.

وفي جميع الحالات يدور الحديث عن بلدان غنية بصفة خاصة بالمعادن والغابات؛ علما أن بعض هذه الدول تحوي مواقع تعتبر الأهم عالميا في مجال التنوع البيولوجي. وقد برزت البرازيل خلال السنة الماضية (2016) باعتبارها الأكثر دموية بالنسبة للناشطين البيئيين، إذ قُتِلَ هناك 49 ناشطاً. وفي كثير من الحالات كان سبب القتل معارضة الناشطين لاجتثاث الغابات في منطقة الأمازون. وفي اسبانيا قَتَلَ أحد الصيادين هذا العام مُفَتِشَيْن في محمية طبيعية، بعد أن طلبا منه إبراز التراخيص.

ضغوط وتهديدات شرسة

في غياب الدعم واسع النطاق من جانب المجتمع المدني في مختلف البلدان، ومساعدة المنظمات الدولية، سيكون من الصعب على مفتشي المحميات الطبيعية وناشطي الحركات والمنظمات البيئية غير الحكومية أن يصمدوا في مواجهة الواقع الدموي الذي وَصَمَ السنوات الأخيرة.

الحفاظ على الطبيعة في كثير من البلدان يعاني من الهشاشة، ويعتمد، إلى حد كبير، على إصرار عدد قليل من النشطاء الذين يشكلون حاجزا أخيرا أمام أصحاب المصالح. هناك بعض الهيئات الدولية التي تساعد في هذا المجال، بما فيها "الانتربول". ففي السنوات الأخيرة، أدارت هذه المنظمة "مشروع ويسدوم" الهادف إلى إحباط تجارة العاج والمساعدة في اعتقال المجرمين.

صعوبة تحرك نشطاء البيئة لا يقتصر على اليابسة فقط، بل إن الحكومة الروسية اعتقلت منذ بضع سنوات نشطاء منظمة "غرين بيس" بسبب احتجاجهم ضد التنقيب عن النفط في القطب الشمالي. وفي السنوات الأخيرة، عملت منظمة Sea Shepherd بشكل حاسم ضد السفن اليابانية العاملة على صيد الحيتان؛ وذلك في انتهاك للاتفاقيات الدولية. وفي أواخر آب الماضي، قررت المنظمة إيقاف نشاطها هذا. "بول واتسون" رئيس هذه المنظمة، اعترف بأن منظمته الصغيرة لا تستطيع التعامل مع المعدات المتطورة التي بحوزة الجيش الياباني، والتي تساعد في تحديد موقع سفينة المنظمة وإحباط جهودها لحماية الحيتان.

الحقيقة أن ليس فقط النشطاء البيئيون في أفريقيا وأميركا اللاتينية هم الذين يعانون وحدهم من التهديدات؛ بل طالما تعرض بعض الناشطين والكتاب والصحفيين البيئيين الفلسطينيين للتهديدات، كما تعرض بعض الطوافين الفلسطينيين (حراس الأحراش) في السنوات الأخيرة للتهديدات من ثلة من الحطابين والمعتدين على الثروة الشجرية.

وفي عددها الصادر في أيلول 2016، كشفت مجلة آفاق البيئة والتنمية تعرض بعض كتاب وصحفيي المجلة لضغوط وتهديدات شرسة من بعض المتنفذين، بسبب التقارير والتحقيقات التي نشرت فيها في السنوات الأخيرة والتي كشفت عمليات التضليل والخداع التي يمارسها أولئك المتنفذون والتجار خدمة لمصالحهم المالية والشخصية، على حساب البلد والبيئة الفلسطينية والصحة العامة للناس.