أحلام لاجئة بين أزقة عين الحلوة وربوع الوطن

بقلم: كلارا العوض

صبيحة هذا اليوم الخريفي استيقظت متعطشة على حلم يراودني منذ سبعة عشر عاما ، حلم كل فلسطيني محروم من التمتع بجمال بلاده المسلوبة محروم من دفء يافا وأسوار عكا وجبال صفد وسهول حيفا والبريق الذهبي لقبة الصخرة المشرفة .

ليس من عادتي الاستيقاظ باكرا والبدء بالكتابة لكن هذه المرة قادتني مشاعري ويحدوني الأمل في أن أتمكن من إيصال إحساسي وإحساس كل من يحلم بالعودة الى ديارنا في صفد وعكا وحيفا ويافا وكل ما وراء الجدار، أن تستنشق هواء بحر يافا حتى ولو كان عن بعد كيلو مترات هذا الاستنشاق معبق بالألم والأمل في آن واحد .

الحلم الذي راودني الليلة الماضية لمحت يافطة مدون عليها باللغتين العربية والعبرية يافا ترحب بكم، حينها شعرت بألم يمزق قلبي من جهة وفرح يمحو آلما يراود كل فلسطيني في الوطن والشتات.

تجولت في أزقة يافا ليلامس قلبي دفئها المسلوب وصولا إلى شاطئ البحر وهناك بدأت الأمواج تتلاطم كأنها ترحب بقدومي ومع كل موجة كنت أشعر برغبتي الشديدة بضم البحر والحديث معه كأنه شخص مقرب لي أهمس بين ثنايا أمواجه أخبره عن تعطش الكثيرين من أبناء جلدتي لاستنشاق نسمات عليل البحر فيها .

كانت عودتنا الأولى لقطاع غزة الجزء المتاح لنا من الوطن وأنا ابنة السبع سنوات ، بعد سنوات قضيتها عائلتنا في مخيمات لبنان في الشتات منذ النكبة، في مخيم عين الحلوة عشت طفولتي وبين أزقاته ولهيب الحياة فيه ذقت وأترابي مرارة الغربة والشتات، إلى أن تمكن والدي عام 1996من العودة إلى أرض الوطن وبعد أن التحقنا به بدأت رحلة البحث عن ممن تبقى من الأهل في فلسطين التاريخية لعائلته هذا البحث الذي أستمر لسنوات طوال سبقت العودة، وأتذكر في الأشهر الأولى التي عدنا فيها الى غزة كم كنا نبحث عن صلات قرابة وأهل في غربة داخل الوطن في حينه، الى أن جاء والدي إلى البيت ذات يوم وبيده كنز لا يفنى بالنسبة لنا وهو دليل هاتف قديم حصل عليه من مكتبة فلسطين في قطاع غزة ،التففنا نحن عائلته الصغيرة في المساء حوله مترقبين أن يفتح صفحة توصلنا للعائلة الى أن وجدناها بعد طي كل ورقة لم تكن توصلنا الى مرادنا وكنا فورا نبدأ بإجراء الاتصالات وبعد محاولات حثيثة واتصالات على عدة أرقام كانت مدونة بالدليل ومع كل اعتذار تصيبنا خيبة امل نتلقاها من المجيبين على اتصالاتنا لكن الاصرار كان حاضرا يزيدنا قوة أكثر فأكثر تارة من والدي وتارة والدتي يحاولان الإتصال على الأرقام وأعيننا نحن الأطفال مترقبة بشغف أزرار الهاتف عله أن يوصلنا للأقارب ، وبعد محاولات عدة تلقينا ألإجابة التي كنا ننتظرها من الحاجة صاحبة الصوت الشجي وتبدأ بالاستفسار وصوتها يوحي بالخوف والقلق من المتصل لتبدأ هي ووالدتي رحلة التفكير والتذكر لعائلتها وخلانها الذين هجروا إلى لبنان، وفي ذات الوقت أثمرت تلك الاتصالات على التعرف على أولاد عم والدة أبي وأقاربه الذين استقروا في قرى عكا بعد ان هجروا من صفد .

في احدى الصباحات تلقينا اتصالا هاتفيا من الحاجة ضياء وهي خالة والد أمي وأبنائها ابلغونا بقدومهم لزيارتنا في قطاع غزة للتنسيق معا لزيارة عكا وكذلك كان مع أقاربي لناحية أبي إبراهيم ونورا ووالدتهم.

وبعد السماح لنا عام 1999 بدخول عكا لزيارتهم بسنة واحدة اندلعت الانتفاضة ومن حينها لم نعد قادرين على الوصول لعكا ويافا لم نعد قادرين على لقاء الأقارب هناك، الى أن تجدد الأمل وعدت والتقيتهم برفقة أمي حيث غمرونا بحنانهم وطيبتهم في مدينة جنين في طريق عودتنا من دفن خالتي أسماء التي توفيت في مخيم العين قبل شهرين ، هذا هو حلمي الجميل الذي استيقظت عليه والدموع تملأ وجنتي ،هذه أنا، هذا حلمي ككل لاجئ، بين أيديكم.