قوتنا الناعمة

بقلم: الدكتورة أماني القرم

في عالم شديد التعقيد، تسعى الدول دوماً إلى تطوير مصادر قوتها لتتناسب مع تطورات العصر، فما كان بالأمس مؤثراً، بات اليوم بالياً وعديم الفائدة. حيث نرى حالياً أن بعض الدول الصغيرة حجماً وسكاناً يفوق تأثيرها دولاً كبرى. والسبب هو اعتمادها على قوتها الناعمة. والقوة الناعمة هي استراتيجية رسمها المفكر الأمريكي جوزيف ناي في تسعينيات القرن الماضي باعتبارها أشد تأثيراً وأكثر فعالية من السلاح أو ما يعرف بالقوة الصلبة في اختراق الدول الأخرى وتشكيل الرأي العام .

وباختصار هي القدرة على جذب الآخر وامتلاك عقله وقلبه دون إكراه. وما هي إلا أدوات تملكها الدولة وتستطيع أن تؤثر بها كقيمها التي تعتنقها وتؤمن بها، أو ثقافتها وفنونها ، أو مشروعيتها السياسية بمعنى نموذجها السياسي الملهم.

ونحن كفلسطينيين وبعد أن نفضنا غبار الانقسام الذي كأنه لم يكن -آمل من الله ذلك- !! وتركنا أمور اللجان وما يعرف بتمكين الحكومة وإرساء الثقة بين ذوي الشأن والسلطان، يجب علينا الالتفات والعودة للمربع واحد لإرجاع قضيتنا الفلسطينية إلى الواجهة الأمامية عالمياً. حيث أننا نملك من أدوات القوة الناعمة ــــــ لو تم توظيفها بالشكل المجدي ــــــ ما يكفي لمحاصرة المحتل الإسرائيلي ثقافياً ودبلوماسياً وعلمياً واقتصادياً وعزله دولياً.

وأعتقد أن قوتنا الناعمة والتي تتميز بأننا أصحاب مشروع نضالي ملهم هي السبيل الأنسب حالياً ـــــ أو بالأحرى الوحيد ــــ تبعاً لمعادلات الواقع السياسي الدولي والإقليمي الحاضر لتحقيق أهدافنا. وأنا هنا لا أخترع جديداً أو أتكلم عن شيء غير مسبوق، بل الحقيقة أن هذا هو نهجنا السياسي الرسمي الحالي ونهج العديد من الفعاليات المدنية والشعبية المحلية المهتمة . ولكني أودّ التنويه لثلاثة أمور متشابكة:

الأول: أن ما ينقصنا هو استراتيجية متماسكة تتطلب حشد الطاقات وتوظيف الموارد حتى تستطيع الاختراق. فعلى سبيل المثال تعد حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) هي أحد النماذج الناجحة شعبياً للقوة الناعمة. كما أن الخطوات الدبلوماسية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية في المحافل الدولية نموذج آخر لنجاح هذه القوة. ولكن ما يلزم الاثنتين هو مزيد من التوعية والانتشار ليس فقط عالمياً بل محلياً وعربياً، عبر استغلال مهارات الشباب والطلبة في وسائل التواصل الاجتماعي لتبنّي حملات مشابهة تدعم وتصاحب أية خطوات رسمية أو شعبية. فلماذا لا ننشئ مثلاً الجيش الالكتروني الفلسطيني؟

الأمر الثاني: إعادة تسويق صورتنا كفلسطينيين، فتزايد التعصب واليمينية الإسرائيلية فرصة ذهبية لنا لإبراز صورة الإنسان الفلسطيني المبدع والساعي لاسترداد حقوقه بطريقة سلمية ومشروعية دولية. مع إظهار واستعراض مستمر للنماذج المشرفة في هذا المضمار التي نجحت رغم معاناتها الإنسانية جراء الاحتلال الإسرائيلي.

الأمر الثالث والأخير: دمج الطاقات الشبابية المبتكرِة والمهدرة في غزة لدعم هذه التوجهات. وأتحدث هنا بكل شفافية على أن واقع الجيل الحالي من الشباب الغزي يعاني من نقص شديد في مفاهيم كالمواطنة والوطنية والمقاومة الشعبية السلمية والتعددية الفكرية وغيرها، جراء نشأته طوال سنين في إطار مغلق، فتجده إما يرفضه ويتوق للهجرة أو يقبله وينخرط في سجن أيديولوجي أحادي. فالدمج ضرورة والأفعال وليس الكلمات أشد ضرورة، حيث لا يمكن إنجاح أية استراتيجية لأي دولة بإقصاء جزء دون الآخر.

أعلم أن هذا وضع يحتاج للنفس الطويل، والنتائج قد لا تكون في المدى القريب ولكنها بلا شك ناجحة لأنها تخاطب عالم اليوم بلسانه.

amaney1@yahoo.com