قرار واشنطن الأحادي بشأن الاتفاق الإيراني يهدد نظام منع الانتشار النووي

بكين- "القدس" دوت كوم- كل الطرق تقود إلى روما كما يقول المثل الغربي القديم. لكن عندما يتعلق الأمر ببناء عالم خال من التهديدات النووية، فإن الحل الوحيد القابل للتطبيق هو الحل الدبلوماسي والمتعدد الأطراف.

ومن المتوقع أن يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الجمعة أن الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في عام 2015 ليس في مصلحة بلاده.

ومن شأن هذا القرار الأحادي أن يشكل صدمة شديدة للجهود الدبلوماسية العالمية الرامية الى عدم الانتشار النووي ويثير المزيد من الاضطراب في الشرق الأوسط .

وتم التوصل الى الاتفاق الهام المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015 بين إيران ومجموعة الخمس زائد واحد ( بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة إضافة إلى ألمانيا)، وصدق عليه مجلس الأمن الدولي في قرار اعتمد بالإجماع .

وأعلن مجلس الأمن المكون من 15 عضوا وتشغل فيه الولايات المتحدة مقعدا دائما بوضوح أنه سيرفع العقوبات المفروضة على إيران تدريجيا إذا أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية للأمم المتحدة امتثال إيران للاتفاق .

ولم تصدر الوكالة حتى الآن تحذيرا عن عدم وفاء طهران بالتزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق واكد مفتشوها بأن إيران تمتثل لبنوده.

وبدون أن تذكر أي انتهاكات محددة من جانب طهران، يثير قرار واشنطن عدم التصديق على الاتفاق شكوكا عميقة إزاء دوافعها.

ويبدو أن ما يهم واشنطن حقا ليس بقاء طهران من عدمه مخلصة للاتفاق النووي، إذ يشعر البيت الأبيض بالقلق من الصفقة لأنها أصبحت حجر عثرة أمام إعادة تشكيل سياسته في الشرق الأوسط.

وفي السنوات التي كان باراك أوباما في المكتب البيضاوي، اتخذ الرئيس الأمريكي السابق موقفا حياديا في العلاقة العدائية بين إيران، عدو أمريكا اللدود في الشرق الأوسط ، والمملكة العربية السعودية، شريك واشنطن التقليدي الرئيسي في المنطقة. لكن في تصميم ترامب للنفوذ الأمريكي في المنطقة، حاولت واشنطن العودة إلى نهج أكثر تقليدية يرتكز على التحالفات القديمة.

ثم جاءت لعبة اللوم.

وفي أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي أتهم ترامب طهران باستخدام أرباحها النفطية لتمويل الإرهابيين في " قتل الأبرياء المسلمين والهجوم على جيرانها المسالمين من العرب والإسرائيليين".

لكن، إلغاء الاتفاق النووي ليس قرارا حكيما.

فهجر الاتفاق يؤدي إلى اعادة فرض العقوبات الأمريكية وتحرك طهران للبحث عن اتجاه جديد لبرنامجها النووي. وهذا بدون شك سيلحق المزيد من الأذى بمنطقة الشرق الأوسط الممزقة بالحرب وعدم الاستقرار. وستصبح الجهود الدولية لإدارة الوضع للأسف بلا جدوى.

فوق كل ذلك، ستضعف مصداقية واشنطن في الوفاء باتفاقياتها الدولية بشدة.

ففي ظل نظام عدم الانتشار الحالي، جاءت خطة العمل الشاملة المشتركة ثمرة مفاوضات دؤوبة متعددة الأطراف أدت إلى تسوية سلمية للقضية النووية الإيرانية.

ولحماية نظام عدم الانتشار، ولاسيما عندما تكون القضية النووية في شبه الجزيرة الكورية في حالة حمى، فإن جميع الأطراف ذات الصلة بالاتفاق النووي الإيراني بحاجة إلى الحفاظ على إرث المفاوضات والإصرار على تنفيذ الاتفاق بحزم.

فذلك، قد يؤدي الى الثقة في معالجة الأزمات النووية سلميا في جميع أنحاء العالم. وإلا ستنزلق الصورة الكاملة لمكافحة الانتشار إلى حالة من الغموض، ويخيم تهديد نووي مدمر على جميع الدول على سطح المعمورة.

وفي ظل هذا السيناريو الكابوسي، ستواجه واشنطن نفس المستقبل المظلم مثل أي أحد آخر لأنها تضع مصالحها الخاصة فوق كل شئ آخر.

إن واشنطن بحاجة إلى مراجعة نفسها واتباع نهج جديد أكثر شمولا في معالجة القضايا النووية العالمية، وإلا ستكون العواقب كارثية.