هل سيغير ظهور وجوه جديدة في "حماس" من سياسة الحركة؟

رام الله - خاص بـ "القدس" دوت كوم - مثّل انتخاب القيادي في حركة "حماس" صالح العاروري نائبا لرئيس المكتب السياسي للحركة مفاجأةً كبيرة للكثير من المتابعين خاصةً من خارج الحركة التي كانت تترقب بقاء القيادي موسى أبو مرزوق في منصبه، إلا أن اللوائح الداخلية المعمول بها سنحت للرجل الذي كان أول رئيس للمكتب السياسي لـ"حماس" بعد تشكيله عام 1992، في الظهور من الباب الكبير.

ولعل إسرائيل هي أكثر الجهات مفاجأة بما جرى، بحكم أنها ترى في العاروري الرجل الأخطر عليها أمنيا من حيث وقوفه خلف العديد من الهجمات وتشكيل خلايا في الضفة عبر أسرى محررين، وتقوم في السنوات الأخيرة بالتحريض الكبير ضده من خلال مطالبات بطرده تارةً من تركيا أو قطر ومؤخرا من لبنان.

ولم يشهد المكتب السياسي لـ "حماس" في السنوات الأخيرة أي تغير كبير على مستوى الشخصيات الحاضرة باستمرار، حتى الدورة قبل الأخيرة عام 2012 التي عقدت في القاهرة لأول مرة إبان حكم الرئيس المصري السابق محمد مرسي المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين. حيث شهدت تلك الفترة ظهور بعض الشخصيات في المكتب السياسي منها صالح العاروري الذي اختير بعد الإفراج عنه عام 2010 بدمجه في المكتب السياسي حينها وفي الانتخابات التي جرت عام 2012 أصبح عضوا منتخبا، بالإضافة إلى مروان عيسى قائد كتائب القسام في قطاع غزة ونائب القائد العام محمد الضيف، وأسرى محررين من صفقة "شاليط" أبرزهم روحي مشتهى.

وبقي خالد مشعل الرئيس السابق للمكتب السياسي، في منصبه حتى الدورة الانتخابية الأخيرة وفضل عدم شغل أي منصب قيادي بالحركة، مكتفيا بالبقاء بعيدا عن الحياة السياسية بعد سنوات طويلة.

وحتى دورة الانتخابات الأخيرة العام الجاري، كان أبو مرزوق نائبا لرئيس المكتب، إلى أن انتهى دوره ليصبح مسؤولا لمكتب الشؤون السياسية ويشمل التخطيط السياسي والعلاقات الدولية.

وفي الدور الانتخابية الأخيرة، شكل الأسرى المحررون في صفقة شاليط وقيادات عسكرية حضورا بارزا في تركيبة المكتب السياسي التي شهدت تراجعا كبيرا للقيادات التاريخية لـ "حماس" مثل خالد مشعل وموسى أبو مرزوق ومحمود الزهار وخليل الحية الذي تراجع نسبيا، وسامي خاطر، ومحمد نصر وغيرهم.

وظهر في تلك الانتخابات الحضور القوي للأسير المحرر يحيى السنوار الذي أصبح رئيسا للحركة في غزة، وكانت له حظوظا قوية في إمكانية أن يكون نائبا لرئيس المكتب السياسي لكن العاروري كان الشخصية الأكثر قوةً لهذا المنصب بعد تنافس مع الوجه الجديد إعلاميا جواد أبو عارف الذي يعد في "حماس" داخليا من أكثر الأشخاص تأثيرا في السنوات الأخيرة وكان يلقب بـ "رأس مال حماس".

كما لوحظ ظهور أسرى محررين من "حماس" في عضوية المكتب السياسي الجديد منهم حسام بدران، وزاهر جبارين وآخرين متواجدين في قطر وتركيا. بالإضافة للحضور القوي الذي يمثلونه للجانب العسكري إلى جانب آخرين منهم مروان عيسى الذي لا زال عضوا في المكتب السياسي الجديد.

ولعل هذا الحضور القوي للتيار العسكري والأسرى المحررين الذين هم بالأساس نواة الجهاز العسكري لـ "حماس"، يعكس بشكل واضح التغيرات داخل الحركة من وجوه تاريخية إلى أخرى شابة تسعى لأن تعيد الحركة إلى مربعها السابق بعلاقاتها المفتوحة مع إيران وسوريا وكذلك باقي الأطراف، بالإضافة إلى محاولة كسب الجمهور من جديد من خلال التوجه نحو المصالحة والتخلي عن قضايا أكثر خطورة على "حماس" بحكم قد يفقدها نفسها وشعبيتها.

إلا أن هذا ليس بالضرورة يعني أن "حماس" ستتخلى عن أن تكون ضمن نطاق منظمة التحرير وأن تسعى مستقبلا لتضع ممثلا لها في أي انتخابات رئاسية للمنافسة سواء من شخصياتها أو المقربين منها، ولكنها تحاول في ظل التغيرات الجديدة أن تتخذ خطوات للوراء من أجل كسب قوة أكبر مستقبلا تحت مظلة الشرعية الفلسطينية.

وفي المقابل كل ما سبق لا يمكن أن يخفي حقيقة أن "حماس" أيضا تسعى لأن تكون حركة شابة وتحدث تغييرا في الوجوه باستمرار، لذلك هي تعمل بشكل مؤسساتي أفضل بكثير من تنظيمات أخرى.

كما أن هذا التغير الحاصل لا يمكن أن يخفي حقيقة أن التيار العسكري ومن خلال حضوره في المكتب السياسي مع الأسرى المحررين المحسوبين عليه بالأساس يمكن أن يغير من معادلة العلاقات بإعادتها مع سوريا وإيران خاصةً وأن المتحدث باسم كتائب القسام سابقا وفي أكثر من مرة شكر إيران ووجه لها التحية لدعمها ل"حماس" خاصةً بعد حربي 2012 و2014 في إشارة واضحة كانت لعدم رضى الجناح العسكري عن الخلافات مع إيران إبان عهد مشعل.

ويعتبر العاروري الشخصية التي ستكون الأكثر حضورا في "حماس" خلال الفترة المقبلة، من الشخصيات التي تفضل العلاقة القوية مع إيران وسوريا. وقد يكون فعليا هو المقصود عندما أُشيع أن قياديا في "حماس" زار دمشق سرا، مؤخرا، لإعادة العلاقات بينهما بوساطة من حزب الله الذي يتمتع الرجل بعلاقة جيدة مع قادة الحزب.

وسيشكل القيادي فتحي حماد الذي كان من أكثر الشخصيات حصولا على الأصوات في الانتخابات الأخيرة، وجها داعما للتيار العسكري داخل المكتب السياسي ل"حماس"، والذي يسعى (أي التيار العسكري) لأن يكون له القوة الأكبر في تحديد خيارات وخطط العمل الداخلي والخارجي للحركة.

وهناك الكثير من المخاوف لدى القيادات التاريخية لـ "حماس" من هذه التغيرات التي قد تطيح بالوجوه السياسية في الدورات المقبلة بشكل أكبر مما هو عليه الآن، ليصبح التيار العسكري الأكثر قوة في تحديد مستقبل ووجهة الحركة.

لكن هذا ليس من باب الاختلاف ولكن من باب فقدان القيادة السياسية والوجوه التاريخية للحركة تأثيرها في صنع القرار بعد القرارات العاصفة التي اتخذت في السنوات الأخيرة جراء التغيرات التي جرت في المنطقة فيما يعرف باسم "ثورات الربيع العربي".