مهندس تلحمي يحافظ على الطريقة التقليدية لإنتاج وترميم الفسيفساء

بيت لحم - "القدس" دوت كوم - يمضي المهندس خلدون البلبون جُل يومه في مشغله المتواضع لصناعة وانتاج وصيانة الفسيفساء محافظا على الطريقة التقليدية ومتكئا بذلك على منهج علمي وخبرته الطويلة في مجال ترميم الفسيفساء القديمة.

بين ازقة البلدة القديمة وبيوتها العتيقة وتحديدا في "حوش البلبول" وسط مدينة بيت لحم، اتخذ المهندس البلبول 38 عاما، من بيت جده مشغلا لانتاج وترميم الفسيفساء اطلق عليه اسم "مركز بيت لحم للفسيفساء والفنون".

هناك علاقة قوية وتكاملية بين عملية صناعة وترميم الفسيفساء كما يشير المهندس البلبول في حديث خاص مع "القدس" دوت كوم، ورغم وجود العديد من الطرق والاساليب الحديثة لانتاج الفسيفساء غير انه يعتمد على الطريقة التقليدية الاصلية في عمله.

ويقول الفنان البلبول إن انتاج الفسيفساء يحتاج الى الدقة والصبر في العمل ولا يخلو الامر من اللمسة الابداعية تبدأ من عملية جلب الحجارة الطبيعية بالوانها واشكالها المختلفة المحلية والمستوردة، وتقطيعها الى اصابع حجرية ضمن مقاسات معينة ومحددة.

ويتابع "توجد اكثر من 5 مراحل مترابطة لانتاج قطعة فنية من الفسيفساء تنطلق من اختيار الشكل او الرسمة المطلوبة ثم يتم اختيار الحجارة المناسبة وتقطيعها يدويا باستخدام المطرقة والأزميل والكماشة وبعدها تبدأ عملية التركيب والتصفيط حسب نمط محدد مسبقا ولسقها ببعضها البعض على قطعة قماش باستخدام الماء والطحين لنحصل على الشكل النهائي وبعدها نقوم بوضع مادة لاصقة لتثبيت الحجارة في مكانها ثم تترك لتجف وتكون جاهزة للاستخدام".

ويتفاخر المهندس البلبول بانه يعتمد في عمله على الطريقة التقليدية بعيدا عن الآلات الحديثة والمواد الصناعية، مضيفا "افضل الحجارة ذات الالوان الطبيعية وطريقة الانتاج التقليدية كوّنها تعطي الفسيفساء شكلا فنيا رائعا ومتميزا ومنظرا ثقافيا يحمل معاني كثيرة تختلف كثيرا عن تلك القوالب الجاهزة".

وتختلف اللوحات الفنية باختلاف اشكالها ونوعية الرسومات المستخدمة فبعضها يحتاج لاشهر وبعضها لا يتجاوز عدة ساعات وربما ايام، ومن ابرز النماذج المتداولة تكون باشكال هندسية او نباتية او دينية ولعل من اصعبها الوجوه والايقونات الدينية التي تحتاج الى كثير من الوقت والجهد لانتاجها.

بدأ شغف البلبول وحبه للفسيفساء في عام 1999 مع نهاية القرن الماضي مع انطلاقة مشروع بيت لحم 2000، اذ كان يعمل في دائرة الاثارة في وزارة السياحة الفلسطينية لترميم بعض المواقع الاثرية في البلدة القديمة ببيت لحم، وفي عام 2004 حصل على شهادة البكالوريوس في مجال فن الفسيفساء بعد حصوله على منحة لدراسة هذا الفن في موطنه الاصلي في ايطاليا ولتتشكل لديه خبرة محلية ودولية في انتاج الفسيفساء.

لاكثر من 8 سنوات، عمل المهندس البلبول مديرا لدائرة قسم الفسيفساء في الضفة الغربية بوزارة السياحة والاثار، وكان من الاوائل المهندسين الذين عملوا في ترميم الفسيفساء في "قصر هشام" باريحا وتأثر كثيرا بجمال وقيمة هذا الفن العريق، وعمل ايضا في ترميم فسيفساء "الجلجلة" بكنيسة القيامة في القدس، وفي مدينة السويداء في سوريا اضافة لبعض المواقع في الاردن ومصر، فضلا عن عشرات المواقع في القدس وبيت لحم واريحا ورام الله ونابلس وغيرها.

وفي هذا الجانب يؤكد البلبول ان "عملية الترميم لا تقلل من اهمية العمل الفني للفسيفساء بل نعمل بشكل حريص جدا على ان يكون العمل مطابقا للمواصفات والمواد المستخدمة كما نراعي الفرق الزمني بحيث تكون عملية الترميم مكملة لجمال اللوحة ولحفظها لسنوات اطول وهذا العمل يحتاج الكثير من الخبرة والتجارب السابقة".

ويضيف البلبول "عملت خلال الفترة الماضية في عدة مشاريع ترميمية مع جهات حكومية واجنبية لترميم مواقع اثرية تحتوي على فسيفساء قديمة بمختلف المناطق والمدن في فلسطين الى جانب ذلك اقوم ببعض الابحاث والتجارب الاثرية حول كيفية ترميم الفسيفساء للمحافظة عليها ولخلق وعي باهميتها وقيمتها التاريخية والثقافية والانسانية".

يعد مركز البلبول وجهة لعقد العديد من الدورات التدريبية في مجال فن وصناعة الفسيفساء ويحاول المهندس خلدون التركيز على الاشخاص ذوي الاعاقة لقدرتهم الكبيرة على استيعاب هذا الفن الذي يحتاج الكثير من الدقة والاتقان والابداع في العمل.

في مقابل ذلك، يشتكي البلبول من ضعف الاقبال المحلي على فن الفسيفساء وغياب الدعم الرسمي والاهلي له، رغم انه قيمة تراثية وتاريخية وثقافية يجب المحافظة عليه وتوعية اجيالنا وابنائنا باهميته لمواجهة كل محاولات التهويد الاسرائيلية وطمس الهوية الفلسطينية.

ويتطلع البلبول الى تشكيل فريق عمل فلسطيني متخصص في مجال انتاج وترميم الفسيفساء ليكون على عاتقه انتاج اشكال فنية تحمل الطابع الفلسطيني، اضافة الى توسعة مشغله ليصبح مركزا للتدريب والتكوين في مجال فن الفسيفساء.