أين وصل الفلسطينيون بعد رُبع قرن على اتفاق أوسلو؟

رام الله - "القدس" دوت كوم - مر 24 عامًا منذ توقيع اتفاق اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الذي يكاد يجمع الفلسطينيون على أنّه (الاتفاق) لم يحقق لهم النتائج المرجوّة، لنيل الحريّة وإقامة الدولة المستقلة.

وعملت إسرائيل طوال هذه السنوات يوميًا لتقويض الاتفاق، ووجهت أولى ضرباتها له، باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين عام 1995، ووصول اليمينيّ بنيامين نتيناهو إلى سدة الحكم عام 1996، وهو الذي كان يمثل وجهة نظر حزب الليكود الرافضة للاتفاق، فيما كان اجتياح الضفة الغربية عام 2002 ضمن حملة "السور الواقي" بمثابة الضربة القاضية للاتفاق.

"القدس" دوت كوم استطلعت آراء عدد من المحللين السياسيين، حول "اوسلو" بعد هذه السنوات، وماذا حقق الفلسطينيون منه؟ وماذا كان بإمكانهم أن يحققوا؟ وأين نجحوا وأين أخفقوا؟ وهل لا يزال بالإمكان التعويل على الاتفاق الذي أريد له أن يكون مؤقتًا وان يُمهّد لحلّ نهائيّ.

ويرى المحلل السياسي، عبد المجيد سويلم، أنّ الاتفاق "انتهى عمليًا" بعد الاستهداف الإسرائيلي المباشر له، وذلك منذ أن أعلن حزب الليكود رفضه للاتفاق عقب اغتيال رابين وان إسرائيل "داست اتفاقات أوسلو ومرغتها بالتراب، عبر رفضها الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه، وتعاملها مع الفلسطينيين بمنطق القوة فقط".

وقال "نعم لقد حقق الفلسطينيون بعض المكاسب، أبرزها إقامة السلطة الفلسطينية، وعودة مئات آلاف اللاجئين إلى فلسطين بعد دخول السلطة"، لكنّه يرى أنّ مراهنة منظمة التحرير على تحويل الاتفاق والمرحلة النهائية التي تبعته إلى اتفاق سلام شامل، ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، قد فشلت، فإسرائيل بعنجهيتها وتطرّف قادتها، منعت تحويل الاتفاق من مرحلة انتقالية إلى حالة سلام دائمة" كما قال سويلم الذي يرى أنّ الفترة الانتقالية التي نص عليها الاتفاق وحددها بخمس سنوات، كانت "نقطة الضعف القاتلة فيه"، والتي أدت لفشله لاحقًا، كونها لم تحسم المسائل الخلافية بين الطرفين بصورة نهائية.

وأشار سويلم إلى أنّه و"رغم أنّ السلطة الفلسطينية لم تتمكّن من التحوّل من سلطة شبيهة بالحكم الذاتي، إلى دولة كاملة السيادة، إلّا أنها أصبحت حقيقة قائمة، ولا مجال لإنهائها، وهي ليست محكومة بسقف اتفاقيات أوسلو".

وقال المحلل السياسي عادل شديد، إنّ "أوسلو لم يبقَ منه إلا الاسم فقط، وما يصب في مصلحة إسرائيل، مُعتبرًا أنّ الاتفاق انتهى مع نهاية فترته القانونية عام 1999، أي مع نهاية الفترة الانتقالية".

ويرى شديد أنّ ما قضى على الاتفاق فعليًا، هو الاجتياح الإسرائيلي للضفة، وحصار القيادة الفلسطينية، وتدمير مؤسسات السلطة آنذاك، معربًا عن اعتقاده بأنّه "من غير الموضوعي الحديث عن إقامة دولة فلسطينية على حدود 4 حزيران 1967، بسبب صعوبة الاتفاق على ترسيم حدود واضحة للدولة الفلسطينية بعد تضاعف الاستيطان في الضفة الغربية، والمحاولات الجارية لفصل غزة، إضافة لتراجع نسبة المؤيدين لعملية السلام في الشارعين الفلسطيني والإسرائيلي.

وقال "هُناك نقاش عميق في الشارع الفلسطيني حول مستقبل السلطة الفلسطينية، وقدرتها على أن تكون أساسًا لكيانٍ سياسيّ مستقلّ في المستقبل" مشيرًا إلى الآراء التي تعتبر أنّ "حلّ السلطة هو أقل الخسائر التي قد قد يتكبّدها الشعب الفلسطيني"، باعتبار أنّ "إسرائيل تريد من السلطة أن تكون وكيلًا أمنيًا لها في الأراضي التي تسيطر عليها داخل الضفة الغربية".

وأضاف شديد "إسرائيل لا ترغب بالقضاء نهائيًا على السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة، ولكنّها تريد تفكيكها إلى سلطات متعددة"، محذرًا من أنّ المساعي الإسرائيلية قد تنجح في ظلّ غياب مشروع فلسطيني، مقنع للشعب وللعالم.

من جانبه يرى المحلل السياسي طلال عوكل، أنّ اتفاقات "أوسلو بكل أحداثها شكّلت منعطفًا خطيرًا في التاريخ الفلسطيني، ولم يتمكّن الفلسطينيون من خلالها من تحصيل الكثير من حقوقهم"، رغم أنّ عوكل لا يغفل أنّ "القضية الفلسطينية بعد أوسلو باتت جزءًا من المجتمع الدولي، وبات العالم يعترف بالشعب الفلسطيني".

وفيما يتعلّق بالخسائر الفلسطينية الناجمة عن الاتفاق، يرى عوكل أنّها كانت "كثيرة وضخمة"، فإسرائيل مثلًا استطاعت مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وبناء الكثير من المستوطنات، ومزاحمة الفلسطينيين على أرضهم التي شكلت أساس عملية السلام في أوسلو.

ويشير عوكل، إلى أنّ "الأمل في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة أصبح حلمًا، فبعد اغتيال رابين اغتيلت عمليّة السلام، وجاء اليمين الإسرائيليّ المتطرّف بمخططاته". ويرى أنّ "ما بقي فعليًا هو بروتوكول باريس الاقتصادي، والسلطة الفلسطينية" التي يعتقد أنّ "المناداة بحلّها في هذا التوقيت أمرٌ خاطئ، وأنه ينبغي تبديل وظيفتها (السلطة) وبرنامجها، بأن تُكيّف نفسها مع مرحلة صراع مفتوح مع الاحتلال".

اوسلو والاستيطان

وأوضح خبير الخرائط والاستيطان في بيت الشرق في القدس، خليل التفكجي، أنّ "أعداد المستوطنين ارتفعت في القدس من 150 ألفًا، قبل أوسلو، إلى 210 آلاف بعده، وصارت إسرائيل تتحدث عن القدس على أنّها عاصمتها الموحدة، بأغلبية يهودية، وأقليّة عربية".

أمّا بالنسبة للخطط الإسرائيلية المستقبلية في المدينة المقدسة فإن التفكجي يشير إلى ما يسمى مشروع "القدس 2050" الذي "يتضمن التخلّص من الأحياء العربية، وحفر أنفاق، ومدّ سكك قطارات تصل بين القدس ومدن الساحل، وإقامة مطار قريب من مستوطنة معاليه أدوميم" شرق القدس.

وأوضح أن الاستيطان لم يقتصر على مدينة القدس وأن "أعداد المستوطنين تزايدت في الضفة من 105 آلاف مستوطن قبل أوسلو، إلى نحو نصف مليون هذه الأيام، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد حتى يبلغ مليون مستوطن في الضفة الغربية، وفقًا للمخططات التي وضعتها حكومة إسرائيل عام 1979".

وقال "تستخدم إسرائيل في هذا التوسع الأوامر العسكرية التي تصادر الأراضي الفلسطيني في الضفة الغربيّة لغايات شقّ الطرق الالتفافية التي تربط المستوطنات الإسرائيلية ببعضها، وفي ذات الوقت تُقطّع أوصال الضفة، وتمنع أي إمكانية للتواصل الجغرافي الطبيعي بين المناطق الفلسطينية".

وبحسب التفجكي فإنّ إسرائيل تلتف على اتفاق أوسلو الذي ينص على وقف بناء المستوطنات، من خلال توسيع المستوطنات القائمة أصلًا، وآخرها المشاريع التي أقرّتها حكومة الاحتلال لتوسيع التجمع الاستيطاني المسمى "غوش عتصيون" جنوب بيت لحم، وتوسيع مستوطنات جبل الخليل.

اقتصاد فلسطينيّ تابع للإسرائيليّ

ولم يقتصر اتفاق أوسلو على الجانب السياسي فقط، بل تعدّاه لجوانب أمنيّة واقتصادية، وفق بروتوكولات نظمت العلاقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ولعلّ أبرزها بروتوكول باريس الاقتصادي أو "اتفاقية باريس" التي وقعت في 29 نيسان 1994، وجاءت لتنظيم العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وفق المصالح المشتركة والعلاقات التجارية المتبادلة، لكنّها تحولت فيما بعد إلى قيد يجعل الاقتصاد الفلسطيني تابعًا بشكل مباشر للاقتصاد الإسرائيلي.

ويؤكد الخبير المالي والاقتصادي، نصر عبد الكريم، أنّ اتفاق أوسلو وملحقاته لم تحقق مكاسب اقتصادية جوهرية للاقتصاد الفلسطيني، رغم أن السلطة الفلسطينية توظّف أكثر من 200 ألف شخص، ولكن بتكلفة سياسية وأمنيّة عالية.

ويرى عبد الكريم أنّ "اتفاقية باريس" جلبت سلطة اقتصادية بشكل محدود، لكنّها لم تسهم في التخلص من حالة التبعية الاقتصادية لإسرائيل، بل زادتها وعمّقتها، وأصبح الاقتصاد الفلسطيني بمثابة "حديقة خلفيّة" للاقتصاد الإسرائيلي.

وأشار إلى بعض عيوب اتفاقية باريس وأوّلها أنّها "جعلت مفاتيح التجارة الخارجيّة بيد إسرائيل، التي توظّف سوق العمل لديها بطريقة أمنيّة، عبر الإجراءات التي تطبقها على العمالة الفلسطينية التي تعمل في الداخل".

وقال عبد الكريم "اتفاقية باريس جعلت الاستدامة المالية للسلطة مرتهنة لقرار أمنيّ وسياسي إسرائيلي، غير موثوق وغير مستدام، حيث تأتي 75% من الإيرادات المالية الشهرية للسلطة عبر المقاصة الإسرائيلية"، معربًا عن اعتقاده بأن السلطة الفلسطينية لا تملك خيار التخلص من "اتفاقية باريس"، وأنها مجبرة على أن تبقي العلاقات الاقتصادية قائمة مع المحتل، بحكم الواقع على الأرض، بغض النظر عن الاتفاقية الاقتصادية التي أطاحت بها إسرائيل منذ اجتياحها للضفة الغربية عام 2002، وانسحابها من قطاع غزة عام 2005.

وأوضح أن إسرائيل تدير علاقاتها الاقتصادية مع الفلسطينيين بعيدًا عن تلك الاتفاقية.

ويرى أن "الاقتصاد الفلسطيني يسير بالاتجاه الخاطئ تمامًا، فالسلطة الوطنية ذهبت إلى خيارات اقتصادية لا تنسجم مع تطلعات الشعب، وهو ما أحدث شرخًا عميقًا بين الطرفين، وبما أنّ الخيارات الاقتصادية محدودة للغاية أمام الفلسطينيين، فمن غير الممكن تغيير قواعد اللعبة الاقتصادية مع إسرائيل، دون تغيير قواعد العلاقة السياسية والأمنية معها، عبر إعادة النظر في اتفاق أوسلو، وتغيير قواعد العمل مع الاحتلال على أساس التخلص من الاتفاق، أو الذهاب باتجاه المواجهة الشاملة معه" وفقًا لعبد الكريم.

ولكن ماذا يقول السياسيّون، والفصائل عن أوسلو؟

طالبت حركة حماس، التي أصدرت بيانًا في الذكرى الـ24 لتوقيع أوسلو، بـ "إعادة النظر" في الاتفاق، وقالت إنّه "كان سقوطًا كبيرًا في مستنقع التنازلات، وبداية المنحنى بالتفريط في الحقوق الفلسطينية".

وقالت إنّ الاتفاق "خنق الشعب الفلسطيني وضرب عليه حصارًا ماليًا وتجاريًا، وتوج بحصار سياسي ظالم، فسمح لدولة الاحتلال بالسيطرة على الاقتصاد الفلسطيني وموارده".

من جهته، قال تيسير خالد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إن تلك الاتفاقية وما تلاها من اتفاقيات "كانت كارثية بجميع المقاييس، وأنّ الشعب الفلسطيني دفع ثمنًا باهظًا من حاضره ومن مستقبله ومن أرضه لهذه الاتفاقيات الظالمة والمجحفة"، مشيرًا إلى أنّ "الوقت حان للتحرر من قيود هذه الاتفاقيات وسحب الاعتراف بدولة إسرائيل وإعادة بناء العلاقة معها باعتبارها دولة احتلال استعماري استيطاني ودولة تمييز عنصري وتطهير عرقي والتعامل معها على هذا الأساس في المحافل الدولية".

أمّا مهندس اتفاق أوسلو، أحمد قريع، فقال في مقابلة خاصّة أجرتها معه "القدس" دوت كوم، إنّ "الاتفاق كان مرحليًا وبضمانة دولية، وصولًا لإقامة الدولة الفلسطينية، لكن الإسرائيليين انقلبوا عليه باغتيال اسحق رابين، وأن اتفاق اوسلو لم يكن خديعة".