معركة التغير الاجتماعي والثقافي

بقلم: الدكتور باسم الطويسي

كيف يفكر الناس في بلادنا في قراراتهم اليومية والمصيرية؟ ما هي الخلفيات التي تقف وراء تلك القرارات؟ ماهو دور كل من الجهل والتضليل والخرافة والعلم والمعرفة والمصالح والدين والدين الشعبي والعصبيات والصور النمطية والمواقف المسبقة والعلاقات الأبوية والعلاقات الرعوية التقليدية والجديدة، أي معركة تغير اجتماعي وثقافي نحتاج؟ وكم من الزمن؟ وكم من الأثمان تتطلب؟

كل ذلك يُعنى بخلخلة بنى راكدة ترتبط بأنماط الإنتاج وعلاقاته وبأنماط العيش والتفكير معا، في المقابل ما دور البنى المؤسسية في إنتاج كل تلك الأدوار بدءا من العائلة والعشيرة مرورا بالمؤسسات الدينية والمؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية.

المجتمعات العربية خسرت في القرن العشرين معارك عديدة؛ وفي هذا القرن يبدو أنها دخلت موجة ظلامية تعيد من خلالها الدوران في موجات تاريخية مرت بها سابقا؛ فسؤال الدولة الأهم هذه الأيام هو سؤال الدولة الوطنية، فقصة مدنية أو دينية يفترض أنها قصة مكرورة وتجاوزتها الوقائع وما الأوضاع الراهنة إلا استجابة للفراغ الذي أوجده فشل الدولة الوطنية؛ هذا الفشل كشف كيف أن النظم السياسية والكيانات لم تخلق إلا قشرة رقيقة تقف عليها هذه الكيانات.

وفيما نكتشف كل يوم عمق الفقر الاجتماعي والثقافي للدولة الوطنية؛ فلأول مرة تندمج القواعد الاجتماعية في النقاشات المحتدمة حول القيم الكبرى بفضل تكنولوجيا الاتصال والإعلام المعاصرة، ولأول مرة نكتشف حجم فقر فكرة الدولة وفكرة العقد الاجتماعي؛ فلا يوجد تأصيل اجتماعي وثقافي يحملهما، فماذا تحمل القواعد الاجتماعية التي تسبح على صفحات الشبكات الاتصالية سوى ترديد أفكار أسيرة بالماضي وبصورة في أغلب الاحيان غير صادقة وغير تاريخية عن ماضيها.

جدل القيم الكبرى ظاهرة صحية بالمعنى العام، ولكن محتوى هذه الشعارات ما يزال يدور في الأفكار التي سبقت عصر (الدولة – الأمة ) في أوروبا، وهو المسار الذي قد لا يعنينا أن نسلكه بالتمام، فقبل شعارات العلمانية والدولة المدنية علينا أن نجعل النقد الثقافي للمجتمع والدولة أداة لاستعادة المجتمع من هيمنة الزواج بين الدين والسياسة والاستبداد، وهذه مهمة ليست سهلة ولكنها غير مستحيلة.

ولعل هذا المدخل يوضح لنا زاوية من زوايا الإجابة عن سؤال مهم، عن صعوبة تشكل الرأي العام في الكثير من المجتمعات العربية. لا يوجد توافق ولا رفض واضح ومتبلور حول ما نريد وحول ما لا نريد؛ ثمة رمادية هائلة تتراكم في الطرقات وتعيق الحركة، لا يوجد قدرة على تصعيد توافق عام ولا توجد قدرة لخلق حالة رفض عامة، ما يعني أنه يولد رأي عام معتل وغير متماسك ويسهل اختراقه أو تحويله إلى مجرد حالة انفعالية يسهل امتصاصها؛ فالرأي العام ظاهرة اجتماعية سياسية ذات قدرة اتصالية عالية، وكما هي مرتبطة بدرجة الوعي ومستوى الحريات فإنها ترتبط بقدرة الناس على الكلام، أي اقتراح المناقشات وتصعيدها، وهنا تبدو العلة في القوى التي تحاول اصطياد الرأي العام وتعمل على إعادة تصنيعه.

المجتمعات التي لا تهتم بالشأن العام، لا مكانة لها لدى من يصنعون الشأن العام؛ هذه المسألة تحفر عميقا في ضعف التغير الاجتماعي والثقافي وعدم قدرة الأفراد والمجتمعات على التوافق حول فكرة الصالح العام. إنها مسألة أكبر من السياسة في الوقت الذي ترتع فيها السياسة وعليها تعتاش.