فوبيا الاغذية الفاسدة تتصاعد.. ماذا بعد الكوكتيل والبروستد؟

رام الله - "القدس" دوت كوم - نردين أبو نبعة - اكتظت صفحات "فيسبوك" بعد كشف أغذية فاسدة في مدينة رام الله خلال الأيام القليلة الماضية، بتعليقات تراوحت ما بين السخريّة من واقع الرقابة على المحال التجارية والمطاعم، إلى المطالبة بتشديد هذه الإجراءات وتوسيعها، وعدم حصرها بمواسم معيّنة.

وقالت إحدى المواطنات في تعليق لها "الدجاج صراصير، والكوكتيل فئران"، وطالبت بالعودة لـ "الزيت والزعتر" بينما علّق آخر بأنّ الحل يكمن في الابتعاد عن أجواء المدينة، واقترح "عزومة ع قلاية بندورة مع كاسة شاي في أحد الجبال"، متسائلًا في الوقت ذاته عن سرّ انكشاف هذه الأمور دفعة واحدة.

وفي التعليق على محل العصائر الذي ضبطت فيه اغذية فاسدة واهمال واضح لشروط النظافة، كتبت سجود عاصي أنّها إحدى زبونات هذا المحل منذ أربع سنوات، ولم تلحظ أي اختلاف بالطعم الذي طالما كان لذيذًا، مشيرة إلى أنّ المحل كان نظيفًا من الداخل والخارج، وهو أمر كان يُشجّع على الشراء منه، بينما كتب سيّد بدير أنّه وبعد تكرار هذه الحوادث لم يعد يثق بأي محل تجاريّ، وقال أن أفضل شيء هو "مطبخ الدار" وهو رأي وافقه عليه سامح خلف، الذي أشار ايضا إلى أنّ بعض المخابز "تضع مواد مسرطنة" في عجنة الخبز.

وكانت البداية من الكوكتيل، مروراً بمطعم "البروستد"، فهل تكتمل المسيرة وصولا الى الفلافل؟ تساءلت ميّ شحادة فيما علقت صديقة لها بالقول أنّ "هذا يحدث للاستمرار في التحدي حتى النهاية".

ولم تكتف دلال الأحمد بوصف ما حدث، وقالت إنّ التغيير يبدأ بالمواطن، واقترحت أن يتم نشر اسم أيّ محل لا يلتزم بإجراءات السلامة والنظافة فيما رأى إبراهيم عورتاني أن "الجهات الرسمية لن تفعل شيئًا جذريًا، وان هذه المواضيع لا يوقفها سوى المجتمع والوعي الشعبي"، وطالب بعدم أخذ هذه الأمور برحابة صدر، وإنما المحاسبة بدون رحمة حسب القانون، مُطالبًا في الوقت ذاته بـ "معاقبة الجهات الرسميّة التي أوجدت هذه الحالة من التسيّب".

واشار إبراهيم عطية، مدير صحة البيئة، الى ان دور صحة البيئة هو الكشف عن الأغذية الفاسدة، والسلامة الغذائية من حيث التحضير والتصنيع والتعبئة، وقال "نحن نعمل على مستويين من الرقابة، أولًا؛ التفتيش الروتيني بالاطلاع على الشروط الصحية والبيئية، والاطلاع على تداول الأغذية وطريقة العاملين في تداول الأغذية داخل المطاعم والمصانع، والمستوى الثاني، هو عملية أخذ العينات، حيث تقوم وزارة الصحة بأخذ عينات غذائية مختلفة من كافة المنشآت، أو حتى المستوردة من المطاعم والمصانع، وبناء على الفحوصات يتم التصرف، في حال كان هناك تلوث ما او وضع غير مطابق، وإذا تكرر ذلك يتم تقديمه للنيابة ومن ثم للقضاء، وأحيانًا يتم الإبلاغ لأيام معدودة لتطبيق الشروط الصحية".

وعن شروط الترخيص والمتابعة، أكد عطية أن "هناك قانونا يحدد آلية الترخيص، وهو قانون الحرف والصناعات، الذي يتم تطبيقه بالتعاون بين البلديات ووزارة الصحة، حيث "نقوم بوضع شروط محددة، وهدف هذه الشروط هو منع التلوث، ومراقبة الأرضية والجدران، الأسطح المستخدمة، الأواني، عملية التعقيم، وكل هذه الشروط موجودة ضمن القانون".

وقال، "هناك آلاف الزيارات التي تقوم بها وزارة الصحة والمراقبين على كافة المحالات والمطاعم، ويتم تفتيش المطاعم الأكثر زيارة واستهلاكًا من الناس، خاصة في مراكز المدن، فكلما زاد إقبال الناس على المطعم زادت زياراتنا".

وعلّق مدير عام الصحة على لوحة "يمنع الدخول إلّا للعاملين"، بالقول أنّها أمر طبيعي، فلا يمكن تخيّل أن يستطيع كل زبون دخول المطبخ، أولا من ناحية صحية لا يجوز، فهذا مكان عمل ويجب أن يبقى نظيفًا، ولو سُمح للجميع بالدخول فهذا سيشكل إعاقة للعمل، وهذه الإشارة لم توضع للرقابة، بل للناس العاديين".

وقال عطية إنّ الأرقام التي لديهم تؤشّر إلى جهد كبير يُبذل، فهناك 11 ألف عينة تُفحص سنويًا، وآلاف الزيارات للمطاعم، ومئات الإخطارات، وعشرات القضايا في المحاكم، لكنّه ألمح إلى أنّ كادر العمل قليل العدد، ولا يكفي لهذا القدر الهائل من المتابعة اليوميّة، فعدد المشرفين لا تجاوز 4-5 مشرفين في كلّ محافظة.

الاهمال وراء فساد المواد الغذائية

وقال إياد عنبتاوي، رئيس جمعية حماية المستهلك في نابلس، والناطق باسمها، ان دورهم توعوي وتثقيفي للمستهلك لمعرفة حقوقه، والتأكد من البضائع وعدم تعرضها لأشعة الشمس، وإشهار الأسعار، والتأكد من تواريخ الصلاحية، ولكن من الممكن بالخطأ إيجاد مواد منتهية صلاحيتها نتيجة الإهمال وعدم الانتباه، ولكن إذا تكرر ذلك نتواصل مع الجهات الرقابية للقيام بالدور القانوني تجاه الموضوع.

واشار عنبتاوي الى ان ما كشف مؤخرا بهذا الشأن "ناتج عن الجولات المستمرة التي تقوم بها الجهات المختصة، أو شكاوى المواطنين" وقال "أنا لا أريد التعميم، ولكن هناك مشكلة كبيرة في موضوع المطاعم، فأصحاب المطاعم والعاملين بها، لا يملكون الخبرة الكافية لكيفية اتخاذ إجراءات السلامة، فتجد أحيانا الخضروات واللحوم في نفس الثلاجة، وهذا شيء خاطئ، أو شبابيك مفتوحة داخل المطبخ، ولا توجد حماية خارجية لمنع دخول الحشرات والقوارض، وهذا ناتج عن الإهمال، إضافة إلى أنّ الجهات الرقابية لا تقوم بدورها الكامل، ويجب تشديد الإجراءات على كافة المحال".

واشار عنبتاوي إلى أنّهم (جمعية حماية المستهلك) لا يملكون الصلاحيّة لتطبيق القانون، فإذا أرادوا دخول مطعم أو محل تجاري بشكل علني باسم حماية المستهلك، فبإمكان صاحبه أن يمنعهم، بعكس الجهات الرقابيّة الرسمية موضحا ان "القانون الحالي لا يشمل عقوبات رادعة".

واعرب عن امله في ان يتضمن القانون الجديد المنتظر المصادقة عليه من قبل الرئيس خلال الشهر القادم، عقوبات رادعة، من ضمنها إشهار أسماء المحلات والمطاعم التي تضبط فيها مخالفات واضحة ومقصودة.

دعوات لتغليظ العقوبات

واعتبر بسام زكارنة، رئيس نقابة العاملين في الوظيفة العمومية (التي تعتبرها الجهات الرسميّة جسمًا غير قانوني)، أنّ إغلاق الضابطة الجمركية ووزارة الصحة، محلات تقوم باعمال تماثل الشروع بالقتل، يعتبر إنجازًا يجب أن تشكر عليه وهو يُسجل لهم، ولكن الجهد في هذا المجال يظل ضعيفًا وغير منتظم.

ويرى زكارنة، أن بعض التجار "لهم ظهر" يحميهم، وهؤلاء تعتبر معاقبتهم إنجازا، مشيرا الى أن "القانون غير رادع، والحلّ في ذلك أن يكون الخطأ الأول هو الأخير، لتكوين موقف رادع".

وقال الرائد لؤي بني عودة، مدير العلاقات العامة والإعلام في الضابطة الجمركية، ان "الضبط والرقابة هو من مجالات عمل الضابطة الجمركية، لضمان جودة المنتج والسلعة، وضبط هذه المحلات دليل على وجود إنجاز ورقابة ومتابعة وآليات عمل جديدة، من خلال العمل وجمع البيانات، وتجنيد المصادر لضمان ضبط السوق والحفاظ على جودة المنتج، والعمل على تطبيق شروط السلامة الصحية والعامة في المحلات التجارية".

وأشار بني عودة إلى أنّ أبرز المعيقات التي تواجه وتؤثر على عمل الضابطة الجمركية هي كثرة المداخل والمخارج للمدن والمحافظات، وقلة الإمكانيات، وعدم الالتزام، والتهاون من التجار إضافة إلى أنّ بعض القضايا تأخذ وقتًا طويلًا أمام القضاء، وهو أمر يجب الإسراع في معالجته.

هل اللوم على القانون؟

ويقول إبراهيم عطية إنهم يعملون وفقا لقانون الصحة العامة وقانون الحرف والصناعات، وان الوزارة لا تملك صلاحية الإغلاق، فهذا من اختصاص القضاء، أما من ناحية ردع التجار وفعالية القانون، فانه يرى ان الردع غير كاف، وهناك تكرار للحالات والقضايا دائمًا، وقد تكون في بعض الأحيان مشجعة للآخرين، فإذا وجد التجار المخالفين أن هذه هي عقوبة مخالفتهم، فانهم سيستمرون في تجاوزاتهم، إضافة إلى أن هناك بعض القضايا في هذا الموضوع تتنظر لسنوات في المحاكم.

المواطن ماذا يترتّب عليه؟

ويقول زكارنة بهذا الخصوص انه يتوجب على المواطن القيام بالرقابة وإذا لاحظ وجود أي خلل عليه أن يقوم بالإبلاغ والتصوير والتوثيق، وعلى المواطنين دعم الجهود التي تقوم بها الجهات المختصة في الرقابة والتفتيش، وهذا سيكون له دور في ردع الآخرين.

من جانبه ناشد الرائد بني عودة المواطنين للتبليغ والتواصل مع الجهات المختصة بشأن المخالفين، مشيرا الى أن المواطن لديه الوعي الكافي فيما يتعلق بالرقابة.

ماذا يقول أصحاب المحال التجاريّة؟

وقال أحمد حبيب، صاحب محل "سما كوكتيل" ان عمله لم يتأثر رغم قصص التلوّث وقلّة النظافة، معتبراً أنّ زبائنه يعرفون جودة الخدمة لديه.

واكد أن الجهات الرسمية تقوم بحملات تفتيش دورية أو عشوائية بشكل مستمر، وهناك تعليمات صادرة عن البلدية ووزارة الصحة ومعظم التجار يلتزمون بها موضحا أن الفساد موجود في كل مكان، ولكن طريقة التعامل مع الموضوع وإغلاق المحل والتشهير به، هو الذي أعطى الموضوع هذا الزخم وهذه الردود من الناس، لافتا الى ان فساد وضبط عدة محلات لا يعني أن كل المحال فاسدة.

من جانبه علّق صاحب أحد مطاعم دجاج "البروستد" بالقول إنّ "انعدام الضمير في قلوب بعض التجار وأصحاب المحال، يؤثر كثيراً على سمعتنا، ويجعل المواطن والزبون في حالة شكّ، وهذا أمر مزعج للطرفين ويؤثر على البيع والشراء" غير أنّه طالب في الوقت ذاته بعقوبات مشددة بحق المخالفين، لأن التساهل معهم يدفعهم لارتكاب مزيد من الأخطاء، والإضرار بصحة الناس.