"القدس" تعيد نشر تحقيق نشر قبل عامين حول مستوى النظافة في المطاعم

رام الله-" القدس" دوت كوم - في ضوء عمليات التفتيش والضبط والاغلاق التي تقوم بها الجهات المعنية لعدد من المطاعم والمحال التجارية في رام الله بسبب انعدام الشروط الصحية الواجب توفرها في تلك المطاعم فان"القدس"دوت كوم تعيد نشر تحقيق اجراه مهند الهدم قبل عامين رصد فيه تلك الظاهرة.

يحدث، أحيانا، أن يشدّك مطعم لتناول الغداء بسبب "الديكور" الجميل ومستوى النظافة أو السّمعة الطيبة، فتتناول وجبتك مستمتعا ومطمئنا ثم تدفع، نظير اعتقادك، فاتورة كبيرة نسبيا – يحدث ذلك، غير أنك قد تحس لاحقا ( خلال 72 ساعة بعد الوجبة اللذيذة ) بالمغص ثم القشعريرة والغثيان والتقيؤ ...


 إذا ما حدث الاحتمال أعلاه بعد وجبة "لذيذة" في احد المطاعم الباذخة في أي من مدن الضفة، مثلا، فاعلم أنك قد تكون وقعت ضحية جريا على المثل الشائع "من برّا رخام ومن جوّا سخام"، لكن "السخام" في حالة كهذه يكون متواريا وراء "الديكور الجميل" و "النظافة بالعين المجردة"؛ كأن تكتشف لاحقا أن "فخامة" تخفي تحت "الأناقة" الظاهرة ( في المطبخ أو في أكف الطهاة ) جيوشا جرارة من "البكتيريا" و الصراصير، وحتى الفئران ! 

 في مدن الضفة حيث تتنافس المطاعم في اجتذاب الزبائن، أشارت معطيات لدى دائرة صحة البيئة إلى وجود نسبة تلوث متباينة في معظم المطاعم، خاصة بالبكتيريا "البرازية" و"السالمونيلا"، وهو تلوث، كما تؤكد الدائرة "ناجم عن تجاوزات في تطبيق معايير الصحة والنظافة"؛ درجة أن الجولات التفتيشية كشفت عن وجود فئران و صراصير داخل المطابخ؛ وهو ما يتطلب، كما يؤكد المسؤولون في الدائرة، تشديد الرقابة والعقوبات الرادعة لمنع أصحاب المطاعم من تجاوز المعايير الصحية .



للتأكد من المعطيات المشار إليها أعلاه، قام فريق من "القدس" دوت كوم بزيارات لعدد من المطاعم الشعبية و "الراقية" في رام الله، حيث أظهرت جميع المشاهدات أن لا أحد من العاملين في المطاعم التي تمت زيارتها كان يضع أي قفازات او قبعة على الرأس، إضافة الى أن ملابس بعض الموظفين كانت متسخة ...

التلوث بالبكتيريا البرازية و"السالمونيلا" 
قال مدير دائرة صحة البيئة في وزارة الصحة المهندس إبراهيم عطية لـ"القدس" دوت كوم ، أن تحليل العينات المخبرية التي اجرتها وزارة الصحة انتهت إلى "مؤشرات مقلقة"، لا سيما فيما يخص مدى انتشار بكتيريا "السالمونيلا" التي تصبح أكثر خطورة حين تتواجد بكميات مرتفعة بالمطاعم او يصاب فيها أحد الموظفين، موضحا ان نسبة "السالمونيلا" الخطرة جدا لا تتعدى 2 في المئة، والخطر النسبي 12 في المئة، لافتا إيضا إلى أن أعراض الإصابة بـ "السالمونيلا" تشمل الحمى والمغص والإسهال، كما هناك أعراضا إضافية قد تظهر مثل القشعريرة والصداع والغثيان والتقيؤ.



"عطية " الذي أكد أنه في حال تم اكتشاف "السالمونيلا" في أحد المطاعم "يتم اخضاع العاملين للفحوصات ولا يسمح لهم بمزاولة العمل حتى الشفاء"، إضافة الى اغلاق المطعم فور اكتشافها وجودها بمعدلات خطرة .. أشار إلى أن المشكلة الاكبر تكمن في البكتيريا "البرازية" التي تشكل 30 في المئة من نسبة تلوث المطاعم، مرجعا انتشارها الى عدم نظافة أيدي العاملين واتساخ الحمامات بالمطاعم، اضافة الى استخدام خضروات ملوثة بالبكتيريا نتيجة تلوثها من روث الحيوانات وعدم غسلها بطريقة جيدة .



تتبع "القدس" دوت كوم لمشكلة التلوث البكتيري في المطاعم، كشف عن احصائيات صادمة حول نتائج فحوصات وزارة الصحة للمطاعم خلال العام 2014 ، حيث أجرت الوزارة 4806 زيارة ميدانية للمطاعم، تم خلالها توجيه 1165 اخطار لتصويب اوضاعها، اضافة الى اتلاف 1220 كغم من المواد الغذائية الفاسدة ، وإحالة أصحاب 15 مطعما الى القضاء، بينما تشير العينات التي اجرتها وزارة الصحة خلال العام الى نسبة تلوث مرتفعة داخل المطاعم، حيث تم إخضاع 659 عينة للفحوصات الكيماوية، ليتبين أن 32 منها ملوثة ( بمعدل 5 في المئة )، فيما أجري فحص مخبري لـ797 عينة، ليتبين أن 237 عينة ملوثة ( بمعدل 27 في المئة ).




 

انتشار الصراصير والفئران جزء من المشكلة



 قال شاب ( فضل عدم الإشارة إلى هويته ) عمل سابقا في احد مطاعم رام الله، أن كل شيء كان يبدو نظيفا و "أنيقا" داخل المطعم صباحا ، غير أن جيوشا من الصراصير كانت تزحف فوق كل شيء مساء، فيما يؤكد "عطية" في الخصوص أن المطاعم مصابة بظاهرة انتشار الصراصير والفئران؛ بسبب غياب المكافحة السليمة ، وبسبب عدم استخدام مبيدات للفئران و الصراصير مخصصة للمطاعم. 

للتقليل من اخطار التلوث في المطاعم، تلجأ وزارة الصحة، الى اغلاق المطاعم التي تشكل خطرا على حياة المواطنين؛ "بعد الاتفاق مع صاحب المطعم على اغلاقه ووضع لافتة على مدخله تشير الى ان المطعم "مغلق بسبب اعمال الصيانة او التجديد او أي من المبررات التمويهية"، حيث تشرف وزارة الصحة على عملية التعقيم وفحص المطعم مرة اخرى، وفي حال تم تصويب الوضع يسمح بإعادة فتحه.

من جهته، قال مدير دائرة الطب الوقائي في وزارة الصحة الدكتور ضياء حجاجي في حديث مع "القدس" دوت كوم ، ان حالات التسمم الغذائي انخفضت بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة نتيجة الرقابة والتوعية، مشيرا الى حدوث 221 حالة تسمم غذائي في العام 2014 ، و 99 حالة حتى منتصف العام الجاري، فيما لا توجد احصائية منفصلة عن التسمم جراء تناول وجبات في المطاعم، لافتا إلى أن معظم اصابات التلوث بالمطاعم تنتج عنها أعراض مشاكل في الهضم، والاسهال، وأعراض اخرى لا يتوجه المصابون بها الى المستشفيات أو الاطباء للمعالجة.

وفي الاطار أيضا، تشير الملاحظات التي خلصت إليها "القدس دوت كوم" في تتبعها لمشكلة التلوث بالمطاعم إلى ان بعض الأخيرة تستخدم عبوات غير صحية لوضع الوجبات الساخنة ( عبوات من البلاستيك "الفلين" )، حيث تؤكد دراسات علمية أن المواد بلاستيكية غير المطابقة للمعايير والمواصفات قد تتفاعل مع الطعام؛ ما يسبب امراض خطرة كالمسرطنات، فيما أشار "عطية" في هذا المجال إلى ان وزارة الصحة "بصدد اصدار مواصفات فنية إلزامية لعبوات تخزين ووضع الطعام داخل المطاعم لتفادي اي مشكلات صحية".



هل ساهم تلوث المطاعم في زيادة الأمراض ؟ 

فيما تقول بعض المعلومات أن الغذاء الذي يحتوي على البكتريا الضارة أو الفيروسات أو الطفيليات أو المواد الكيميائية مسؤولاً عن ما يزيد على 200 مرض ( تبدأ من الإسهال وتصل إلى السرطان )، قال المستشار وخبير التغذية كفاح القواسمي لـ "القدس" دوت كوم ان المطاعم في الاراضي الفلسطينية "تحولت إلى مصدر للامراض؛ في ظل غياب الرقابة الحقيقية والعقوبات الرادعة ضد المخالفين"، لافتا في المجال إلى أن المطاعم "لا تقوم بحفظ الغذاء بالطرق الصحية، ولا تقوم باختيار المكونات الغذائية بعناية، اضافة الى ان العاملين اصبحوا ناقلين للامراض في ظل عدم اتباع معايير النظافة الجسدية" ، وفوق ذلك، "عدم وجود فحوصات وشهادات طبية من قبل وزارة الصحة تسمح بمزاولة مهنة الطبخ" .

وفي المجال، أيضا، قال "القواسمي" أن بعض المطاعم "تخلط الاطعمة والسلطات القديمة الفائضة مع وجبات اليوم التالي، وهو ما يرفع من نسبة التلوث الغذائي والبكتيري فيها"، موضحا ان طريقة تحضير الطعام في المطاعم "تفقد الطعام قيمته الغذائية من بروتينات وفيتامينات؛ وهو ما قد يتسبب في سوء تغذية عند المدمنين على اكل المطاعم"، محذرا من استخدام الزيوت الرخيصة و تكرار استخدامها في إعداد الأطعمة المقلية؛ بسبب أنها قد تؤدي إلى إصابة المدمنين عليها بالفشل الكلوي و "السرطان" .



هل توجد رقابة كافية على المطاعم ؟


تقول مصادر وزارة الصحة إن المطاعم تخضع لجولات تفتيشية من خلال 120 مراقبا مهمتهم مراقبة مختلف انواع الأغذية والمياه والمطاعم في اكثر من 2000 مطعم مرخص في الضفة ( تقدر المصادر وجود عدد مماثل من المطاعم غير المرخصة )، مشيرة إلى أن التركيز في الجولات الرقابية يتركز على المطاعم التي يرتداها أعداد كبيرة من المواطنين، اضافة الى المطاعم التي تشملها شكاوي المواطنين، فيما يقول "عطية" ان طواقم الوزارة لا تكفي لمراقبة المطاعم، اضافة الى وجود مشكلة في تنقل طواقم الرقابة بسبب عدم وجود سيارات لنقلهم خلال الجولات !


وتقول مصادر "الصحة"، أن من بين الاسباب التي تساهم في مشكلة التلوث بالمطاعم، غياب قانون واضح ينظم عملها، حيث تستند وزارة الصحة على قانون الصحة العام، من حيث شروط عامة للترخيص، ومواءمة البناء مع معايير النظافة والصحة ( أرضيات ملساء، وجدران يسهل تنظيفها، حمام بباب رفاص، و تهوية كافية )، الا ان قسما كبيرا من المطاعم لا تلتزم حتى بهذه الشروط .. إضافة إلى أن ضعف احكام القضاء يشجيع أصحاب المطاعم على عدم الالتزام بالمعايير؛ حيث يفرض القانون على المخالف وفق الحالة الاولى غرامة مالية لا تزيد عن الف دينار والحالة الثانية الفين دينار، والحالة الثالثة بالسجن، فيما يشير "عطية" إلى صدور احكام قضائية بالغرامة على المخالفين بـ20 دينارا، وأحكام اخرى بالسجن لمدة 90 يوما، لافتا إلى أن أن أحد المحكومين بالسجن "اشترى أيام محكوميته مقابل دينارين عن يوم"!


بدوره، قال مدير عام السياحة في فلسطين علي ابو سرور في حديث مع "القدس" دوت كوم ، ان غياب قانون ينظم عمل المطاعم ويصنف خدماتها، يساهم في خلق حالة من الفوضى، لافتا إلى ان وزارة السياحة شرعت في وضع قانون خاص لتنظيم عمل المطاعم السياحية، من خلال وضع دليل يصنيف المطاعم من درجة 1-3 وفق معايير ومواصفات خاصة تتناسب فيها القيمة التي يدفعها المواطن مع جودة الخدمة ( نوعية الوجبات، المساحة، النظافة، الطهاة، سعر الوجبة )، فيما سيضم التصنيف الجديد 100 مطعم سياحي في مختلف المحافظات.



فواتير المطاعم أكبر من خدماتها المقدمة !



أخيرا، قال رئيس جمعية حماية المستهلك صلاح هنية لـ "القدس" دوت كوم أن الجمعية تتلقى شكاوي بشكل مستمر من ارتفاع قيمة فواتير الوجبات بالمطاعم، اضافة الى مشاكل تتعلق بقلة النظافة، "كما تردنا شكاوي تتعلق بافتقار الوجبات الى كمية الطعام المناسبة مقارنة مع السعر المدفوع، لا سيما في مطاعم "الشاورما" .. إضافة إلى المطعام تفتقر الى ارشادات حول مصادر الخضروات واللحوم، وما إذا كانت الاخيرة مجمدة او طازجة، وفي بعض الاحيان يدفع مرتادو المطاعم قيمة فواتير عن لحم طازج وهو في الحقيقة لحم مجمد؛ يحدث كل ذلك – كما يشير "هنية" - رغم أن بعض المطاعم تتقاضى بدل خدمة، وبدل ضريبة، بينما لا تعطي المواطن فاتورة الضريبة !