[فيديو] أبو علي مصطفى في لقاء قبل عام من استشهاده: نجوت من الموت باعجوبة مرتين

أبو علي مصطفى في لقاء قبل عام من استشهاده : نجوت من الموت باعجوبة مرتين

كنا نفكر بالطريقة الفيتنامية وسط بيئة جغرافية ليست فيتنامية

أسأنا فهم عبد الناصر ولم نستوعب اللحظة السياسية بسبب طفولتنا اليسارية

قلنا لديان: إن البيضة التي تريد كسرها غير قابلة للكسر لانها بيضة من حديد

نجوت من الموت باعجوبة مرتين من قصف اسرائيلي في الاغوار الاردنية ومن سيارة مفخخة في منطقة الكولا اللبنانية

ظلمنا عبد الناصر بدون وجه حق لان قبوله بمشروع روجرز كان لكسب الوقت لبناء جدار الصواريخ استعدادا لحرب اكتوبر

رام الله-"القدس"دوت كوم- ابراهيم ملحم- على مدى أربع ساعات متواصلة سرد الشهيد الخالد أبو علي مصطفى، فصولا مطولة من مسيرته وسيرته النضالية، والتي تحدث خلالها عن نجاته من الموت باعجوبة مرتين ؛ مرة في غارة اسرائيلية في منطقة كريمَة بالاغوار الاردنية؛ والثانية عندما وضعت سيارة مفخخة تحت منزله بمنطقة الكولا في بيروت لكنها لم تنفجر. فيما يلي النص الكامل للمقابلة التلفزيونية التي اجريتها معه ضمن برنامج" خارج النص" التي بثت على الفضائية الفلسطينية عام 2000 .

مقدمة الحلقة:

ضيفنا هذه الليلة، ضيف خارج النص؛ فهو يقف منذ حمل عبء النضال، في الجانب الآخر؛ في الجانب المختلف؛ المختلف في مواقفه، وفي حياته أيضا؛ إنه الأمين العاام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الأخ أبو علي مصطفى؛ ذلك الذي دخل السجن وهو في عمر الورود، وهو الذي كان من أوائل من أسسوا العمل الفدائي، وأوائل من أسسوا الجبهة الشعبية، التي يرأس أمانتها .

هو رجل اختار منذ بداية حياته أن يعمل في الخفاء، وأن يدفع ثمن هذه الحياة، ، شغل منصب نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ تأسيسها، ثم أصبح أمينها العام، والذي اصبح عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وعضوا في المجلس الوطني الفلسطيني. هذا الرجل الذي اختار أن يعود إلى الوطن، ليتمحّص الشعار بالواقع، ويطبق الفكر على التجربة، كل ذلك ضمن اختلاف في الأفكار والمنطلقات والأسلوب.

في بواكير الصبا كنا مشدودين للشعار

س- أخ أبو علي تذكر بدايات الطفولة، عرابة مسقط رأسك، وكما تعلم شأن عرابة شأن كافة القرى والريف الفلسطيني، حيث سادت في الخمسينات العشائرية والفوارق الطبقية، إلى أي مدى أثرت هذه البيئة التي عشتها باتجاهات حياتك وتحديد مساراتها في البدايات الأولى؟

ج- في السن المبكر آنذاك كان البروز الأكبر للعامل السياسي في الصراع مع العدو الصهيوني، رغم أننا كنا في سن صغير، فعندما وقعت نكبة عام 1948 كان عمري 10 سنوات.

حالة النكبة والهجرة وانتقال الناس من بلد إلى بلد، وحالة الحرب التي سادت آنذاك، كانت أكبر في تأثيرها السياسي على الجيل من حيث حجم الوعي للمسائل الطبقية، حيث أن الوعي بالموضوع الطبقي تبلور أكثر فيما بعد الخمسينيات، إلا أن هذا لا يلغي أن هناك واقعا مجتمعيا بالنسبة للمجتمع الفلسطيني، فدائما في كل المجتمعات يوجد الأغنياء والفقراء، ملاكين وغير ملاكين، وخاصة في الريف، كان دائما يظهر الملاكون أكثر، فغالبية أراضي عرابة على سبيل الحصر، كانت مملوكة لآل عبد الهادي، باعتبار وزنهم العائلي وهي عائلة كانت صاحبة النفوذ الأكبر، والأملاك الأكثر، وباقي الناس لها قطع صغيرة لتعتاش منها، وأحيانا بالمحاصصة، وأحيانا بالضمان، إلخ.

لا شك أنه يوجد فوارق، وهو امر طبيعي في مجتمعنا مثل كل المجتمعات التي تعيش هذه المرحلة، لكن كما ذكرت أن أكثر شيء أثر فينا في ذلك السن هو مشهد النكبة، ولا زال في ذاكرتي حتى الآن، فعندما تركنا المدارس، وخرجنا بمظاهرات في ذلك السن، نطالب بتحرير فلسطين، وسمعنا أن الجيش العراقي يتحرك على خط نابلس جنين، فقد خرج كل من هو في سني، والتقينا مع الجيش العراقي على مفرق عرابة - جنين-نابلس، هذا المشهد أثر فينا كثيرا، وجنين آنذاك، كادت تسقط في يد قوات الهاغاناه، إلى أن أنقذت في اللحظات الأخيرة على يد الجيش العراقي، وفي الصورة الأخرى التي يتداخل بها مشهد آخر،المتطوعون والمجاهدون العرب، وقوات الانقاذ، وكل من كان يحمل بندقية، أو يستطيع حمل بندقية، كان يركض باتجاه جنين لخوض المعركة ضد قوات الهاغاناه، لم يكن يقال آنذاك "قوات جيش الدفاع الإسرائيلي"، كان يقال الهاغاناه.

هذا المشهد أثر فيّ وفي أبناء الشعب الفلسطيني، الأمر الذي جذبنا كثيرا للشعار الذي شدنا للانتماء بوعي في سن متقدم، بالضبط بعد النكبة بسبع سنوات في عام 1955، شعار الثأر،الذي تضمنته نشرة كانت توزع أيامها في عمان، كانت تحمل صورة قبضة يد ترفع بندقية، وطاسة حرب، وتحتها الثأر. كانت ترمز لفلسطين. كانت تلك جاذبه للشباب للانتماء إلى حركة القوميين العرب باعتبارها التي تقف وراء إصدار هذه النشرة، والتي كان التوقيع عليها، باسم هيئة مقاومة الصلح مع اسرائيل.

س- أي سنة كان هذا ؟

ج- كان هذا سنة 1955 النشرة كانت تصدر قبل، لكن أنا أول مرة تعرفت على هذه النشرة وقرأتها كان عام 1955 في عمان. لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية وقتها، لم تكن تسمح بوجود المدارس الثانوية. وكلها عوامل فرضت انتقالي لعمان، وكان الامر يختلط فيما بين أن تعمل وأن تدرس في نفس الوقت. وكان هذا جاذبا للانتماء السياسي، وكانت آنذاك في بلادنا بداية صعود نهضوي للحركة الوطنية على يد ثلاث قوى سياسية أساسية، كان الحزب الشيوعي المعروف امتداده التاريخي من عصبة التحرر في فلسطين، وكان حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب.

كانت هناك حركات اسلامية، لكن لم يكن عندها زخم يجذب هذه الأعداد من الشباب الى عنوان فلسطين. حيث كان العنوان الطاغي في الحركة السياسية مهما كان مسماها هو عنوان فلسطين. هذا كان جاذبا ومؤثرا في بداية التكوين السياسي لي شخصيا، ولكثير من الشباب الذين كانوا في جيلي، حيث كنت آنذالك بعمر 17 عاما.

"العروة الوثقى" كانت البداية"

س- ألا تعتقد أخ أبو علي أن دخولك للسياسة في هذا العمر كان دخولا مبكرا؟

ج- اذا نظرت في تاريخ القوى والحركات السياسية التي نشأت في المنطقة إجمالا، اذا استثنينا صفا قياديا معينا والذي حافظ على زخمها واستمراريتها هم الشباب، وكان هو الذي يضخ الدماء في عروق هذه الحركة السياسية.

كما تعرف كانت الجامعات في الخارج مدارس لتخريج قيادات سياسية، حيث كانت بدايات حركة القوميين العرب، اذا ما عدنا للتاريخ، وأنا لم أكن من مؤسسي الحركة، كنت في سن شبابي للانتساب لها. كانت بداياتها جمعية العروة، التي كانت جمعية طلابية، وكما تعرف، فالجمعية الطلابية تبدأ من عمر 18 عاما فما فوق، فبالتالي حتى السن القيادي للحركة آنذاك كان سنا شبابيا، بدأ من جمعية العروة الوثقى، ثم انتقل إلى كتائب الفداء العربي، ثم حركة القوميين العرب، وهي سنوات الجامعة أو التخرج منها، حيث يدخل الطالب الجامعة في سن 17 أو 18 عاما، ويخرج منها وعمره 23 عاما، بالتالي حتى الصف الذي كان منشئا للحركة آنذاك، لم يكن بسن كبير، فما بالك بالأعضاء الذين كانوا بالتأكيد من هذا السن.

كانت هناك أيضا قوة جاذبة للشباب في سننا، بواقع الهم الفلسطيني، لو لم يكن همنا الفلسطيني من نوع مختلف، لكان الإنسان أمامه فرصة، للانتماء إلى أي حركة سياسية في سن آخر.

الفقر والظلم والقهر شكلت توجهاتي الفكرية والسياسية

س- هل وضعك الاجتماعي كان له أثر في التحاقك المبكر بحركة القوميين العرب؟

ج- بالتأكيد، لا شك أن شعورنا الدائم بالظلم والقهر والغبن، الذي يمارس على الشعب الفلسطيني، سواء كان سياسيا أو اجتماعيا.كان له اثر على تكويننا، كما تعرف انتشرت آنذاك ظاهرة المخيمات واللجوء، وكانت هذه الظاهرة أكبر مشهد فقر في الوطن العربي، حتى من كان في بلده مرتاحا، ويعيش في أوضاع مستقرة ويتوفر له فيها دخل ، خرج بلا شيء، خالي الوفاض. ثم انتقلوا للخيام، ولك أن تتصور، آلاف الخيم الممتدة، والناس أرجلها في الطين، والوقوف أمام مؤسسات انسانية حتقبل أن تنشأ وكالة الغوث، حتى تأخذ كيس طحين، أو علبة بسكويت، أو شيء من هذا النوع، كان مشهد التشريد، ومشهد الفقر، كلاهما امتزجا وتداخلا مع بعضهما البعض، لدرجة التأثير في التكوين الفكري السياسي، لي شخصيا، ولجيلي تقريبا.

كنا في عمان نسكن في أحياء فقيرة، كانت تسمى أحياء الصفيح، كان لا يزيد عنها سوءا إلا المخيم. كان في عمان حي شعبي فقير يشتغل سكانه بالعمل اليومي، اسمه وادي سرور، وهذا لم يعد موجودا اليوم. لا شك أن العامل السياسي والعامل الاجتماعي كلاهمالهما اثر في نشأتي الفكرية والسياسية.

س- ولكن هذا الدخول المبكر إلى التنظيم القومي، جعلك تدفع ثمنا، 5 سنوات من السجن في سجن الجفر الصحراوي، ألا تعتقد أن ذلك كان ثمنا باهظا لشخص في مثل سنك آنذاك 17 عاما، يدخل السجن ويحرم من الدراسة الجامعية؟

ج- أنا دخلت السجن وعمري 19 عاما، لأني انتسبت لحركة القوميين العرب في عام 1955، ودخلت السجن عام 1957 . دخولي السجن كان نتيجة الانتماء بقناعة إلى خط ما، حيث كانت قناعتنا آنذاك تتكون على اعتبار أن طريق فلسطين هو طريق الوحدة العربية، وكل قوة أو نظام حاكم، كنا نعتقد أنه معيق للوحدة العربية، سواء بسبب ارتباطه بمعاهدات مع قوى أجنبية خاصة بريطانيا كانت آنذاك هي القوة السائدة في المنطقة، أو بسبب رغبة النظام بالتقيد بتركة "سايكس بيكو" في المنطقة، من تقسيم حصص وإلى آخره، كانت ثقافتنا وتربيتنا في داخل الحركة تقوم على اعتبار أن أي نظام أو قوة سياسية تعادي الوحدة العربية، فهي حكما تعادي تحرير فلسطين. في ربط ما بين الوحدة والتحرير.

كانت للمعارك التي خضناها قبل السجن، ثلاث مهمات أساسية: المهمة الأولى كانت مقاومة الأحلاف، حيث انتشرت آنذاك ما يسمى بسياسية الأحلاف، وأذكر حتى أن الأمريكان حاولوا الدخول على الخط، باستخدام شعار سد الفراغ في الشرق الأوسط، لأن بريطانيا وفرنسا بدأ نفوذهما وقوتهما العسكرية بالتراجع في المنطقة، الأمر الي جعل أمريكا تحاول أن تتقدم في مشروعها الذي كانت تطلق عليه سد الفراغ في الشرق الأوسط، وهذا الشعار كان يعني السيادة الأمريكية مكان الاستعمار البريطاني، فكانت مقاومة الأحلاف أحد المهمات الرئيسية لكل الحركة الوطنية في الأردن.

في قضية تعريب الجيش، حيث كانت قيادة الجيش انجليزية بما فيها قائد الجيش وهو جلوب باشا، وكان هذا الشخص في نظرنا كفلسطينيين، وفي نظر كل الأردنيين أنه من الذين تآمروا على فلسطين، حيث كانت الجيوش العربية تقاتل، وكان الجيش الأردني جزء من الحرب، وكان أبرز قائد أردني، اسمه عبد الله التل، حيث حرر القدس، وبدأ يتقدم باتجاه خط تل أبيب، لتأتي الأوامر له بالانسحاب، كان موضوع معركة اللد والرملة، والحديث عن الكيفية التي أخذ بها رابين اللد والرملة، والتواطؤ الذي حصل، ونحن عزينا هذا الأمر إلى موضوع قيادة الجيش، والجيش الأردني كان يشكل العنصر الرئيسي، وكانت القوات الأخرى موزعة في الفالوجة، وكان اللبنانيون والسوريون في الشمال، وفي الجنوب كان فيه قوات مصرية، والجيش الأردني في منطقة الوسط، وهذا الجيش كانت قيادته انجليزية، وكنا نعتبر المعركة مع الانجليز من أجل تحرير الجيش من هذه القيادة.

العنوان الثالث، كان إلغاء المعاهدة البريطانية، هذه العناوين الثلاثة خيضت فيها معركة شعبية باسلة، وسقط فيها قتلى وجرحى، ويجب أن أذكر أن أول فتاة فلسطينية قتلت في مواجهة الجيش في القدس، كانت فتاة اسمها رجاء أبو عمشة.

الحركة الوطنية بالمحصلة ربحت المعركة، وهذا أفزع بريطانيا وأمريكا، بريطانيا كانت تتراجع كقوة سياسية وعسكرية، وأمريكا تسعى لتأخذ مكانها، وأرسلت في وقتها ضابطا أمريكيا اسمه مالوري، سموه الملحق العسكري، ولكنه كان صاحب القرار السياسي، وبدأ يخطط لاحداث انقلاب على الحركة الوطنية التي وصلت للبرلمان في انتخابات عام 1956 التي شاركنا فيها، وأصبحت غالبية، وتشكلت حكومة سليمان النابلسي، وصار البلد يتجه نحو العلاقات الإيجابية مع عبد الناصر، وهم بدأوا يقولون أن البلد تحولت للناصرية.

ظاهرة المتسللين ارعبت اسرائيل

س- لنتوقف عند حركة الجماهير، ووقوفها ضد سياسية الأحلاف، وضد أية أشكال أخرى غير وطنية أو قومية، هل المقارنة بين جماهير الخمسينات، وجماهير العام 2000، هل تجد فارقا بين جماهير ذلك الوقت وجماهير اليوم؟

ج- أعتقد أن الفارق موضوعي، ليس في الجانب الذاتي فقط، وإن كان له تأثير بالمعنى النسبي. موضوعية الصراع آنذاك، وطبيعة القوى وأحجامها، كانت تتيح نهوضا وطنيا قادرا على تحقيق الانتصارات أكثر مما هي اليوم.

أولا إسرائيل لم تكن هي نفسها التي نعرفها اليوم، كانت في بدايات التكوين والنشأة، ولم تكن الدولة النووية، أو القوة الاستراتيجية في المنطقة، وبالتالي كانت اسرائيل مرعوبة، ليست من ظاهرة الفدائيين، كانت اسرائيل أيامها مرعوبة من ظاهرة متسللين.

في تلك الفترة، كان العامل الذي يحرك الجماهير أنها تريد أن تتخلص من أشكال الاستعمار القديم، وكان الصراع على أشده، حيث اشتعلت ثورة الجزائر.

العنصر الرئيسي الذي ألقى بظلاله على طابع المهام والشعارات والصراعات في المنطقة، هو وجود عبد الناصر، حيث كان يشكل مركز استقطاب في الحالة العربية، كان مركز قيادة للجماهير العربية. بعد عشرات السنين، وعندما نقيّم نظام عبد الناصر، تقول كان عنده مشكلة في الجانب الديموقراطي، وفي المؤسسات والأجهزة، لكننا في تلك الفترة لم نكن نرى كل تلك العيوب، لأن المظهر الذي كان طاغيا، هو أن عبد الناصر ضد الاستعمار، فقد كسر احتكار السلاح، عندما اشترى صفقة سلاح تشيكية، ونذكر كيف اشتعلت شركة أرامكو والتي كانت مركز القوة الاقتصادية للشركات الأمريكية، وكان عبد الناصر عنوان، وهذا العنوان الذي قام عبد الناصر في الحركة العربية، وفي الشارع العربي، كان مربوطا بطبيعة واقع القوى على الأرض، وبالتالي درجة الالتفاف حول الشعارات التي كان يطلقها، ومادة التحرض التي كان يقدمها، كانت بدرجة عالية جدا.

وأريد أن أسوق مثلا على ذلك عشناه في تلك الفترة، أتذكر عندما اتخذ الأمريكان قرارا بالرد على عبد الناصر عندما اتخذ قرار تأميم قناة السويس، اتخذوا قرارا بعدم تفريغ سفينة شحن مصرية كان اسمها كليوبترا، صدر قرار واحد من أربعة سطور من اتحاد العمال العرب، بمقاطعة كافة وسائل النقل الأمريكية الجوية والبحرية في المنطقة العربية، وبعد 24 ساعة رضخ الأمريكان، وافرغوا السفينة المصرية.

فوق الصفر وتحت التوريط

س- أخ أبو علي، خرجت من سجن الجفر الصحراوي، وتسلمت مسؤولية الشمال، أنت في تلك الفترة كنت عضوا غير معروف، وكان هناك كوادر كبيرة مؤهلة ومعروفة في حركة القوميين العرب، هل لفتّ الأنظار إلى نفسك في تلك الفترة؟ لماذا دخلت وتبوأت هذه المواقع، في الوقت الذي كان فيه هناك قياديون معروفون في الحركة؟

ج-لقد كان التقييم الذي كانت تعطيه قيادة الحركة للشخص بعد خروجه من المعتقل، هل كان صلبا أم لا ؟ صامدا أم لا ؟ وغيرها، وهذه الأمور كانت تعتبر مقياسا أساسيا. إضافة إلى ذلك هو مدى استعداده للخروج بعد كل تلك السنوات في السجن ويتحمل المسؤوليات.

العمل كانت له شروطه وقوانينه القاسية وغير المباحة، في ذلك الوقت كان يجب أن تجمع ما بين السرية والتواصل في العمل، كان في الحركة انذاك مراتب اسمها الشّعَب، والتي تتوزع المسؤوليات على أعضائها، سواء على مستوى تولي مسؤولية منطقة، أو قطاع آخر، مثل قطاعات العمال، أو قطاع عمل خاص.

كان آنذاك بداية تشكيل العمل الخاص العسكري، وكان هذا الأمر يعطى للأفراد بشكل خاص، وبعد خروجي من المعتقل تم ترفيعي إلى مستوى عضو شعبة، حيث كنت في مستوى أقل من ذلك عند دخولي المعتقل، كانت عضوية الشعبة تعني تولي مسؤولية منطقة ومحيطها، مثلا مسؤول نابلس عضو شعبة، مسؤول قلقيلية عضو شعبة، مسؤول طولكرم عضو شعبة، هذه العضوية كانت تعتمد على مدى قدرة كل شخص لاستلام مسؤولية موقع ما، ولم يكن هناك تنظيم جيد لمنطقة شمال الضفة، كان فيها فراغ، وتوليت المسؤولية وقتها في هذا السياق. ويجب أن تدمج بين شخصيتك المعروفة، وبين أن تعمل تشكيلات غير معروفة، حيث من الممكن أن يكون لها نشاطات مثل توزيع بيان، كالدعوة لعمل اضراب في المدارس، وتعبئة الناس وخروجها في مظاهرات عند وقوع أحداث السموع.

الأهم من ذلك كله، أن تلك الفترة بدأت تشهد تكوين المنظمة السرية التي كنا نسميها العمل الخاص، وهو العمل الفدائي. هذا الأمر لم يكن معروفا إلا لبعض الأفراد، من رأس الحركة في إقليم فلسطين مع الأشخاص المناط بهم هذه المسؤولية. هذا الخط المتواصل من الشمال إلى الخليل كان يعتبر خطا ساخنا، وكان علينا آنذاك تكليف أفراد معينين ليشكلوا وحدات ممكن أن تكون نواة عمل فدائي، وتتدرب وتتسلح وذلك خارج البلد بطريقة ما.

أما النقطة الأخطر فكانت المرتبطة بالعمل الخاص، حيث كان شعار الحركة آنذاك هو فوق الصفر وتحت التوريط، لأنها كانت تريد مراعاة العلاقة مع عبد الناصر، حيث كان علي علي عامر، قائد الجيوش العربية آنذاك، يعتبر أن أي عمل فدائي على الجبهة المواجهة لإسرائيل يمكن أن يلحق الضرر بالجيوش العربية، ويفتح المعركة في غير أوانها، لذلك كانوا يسمونه توريطا، فكانت الحركة بحكم التحالف مع عبد الناصر تعتبر أنه من الممكن أن يكون لديها مساحة من للتحرك، لكن تحت سقف التوريط. بمعنى تنظيم دوريات استطلاع مثلا، إذا أخذنا سلاحا، لا نقاتل به، بل نسلمه لأناس آخرين في الداخل، وغيرها من المسائل، ولكن دون الاشتباك أو خوض معركة مع الإسرائيليين، هذه السياسية التي كانت متبعة آنذاك.

هذا الأمر بقي مستمرا حتى عام 1966، حيث كنا نقوم بتوزيع الأفراد على دورات بشكل لا يلفت الانتباه، في وقتها أنا ذهبت لدورة ضباط فدائيين عام 1965 على مدرسة أنشاص الحربية، وكله بترتيبات من الحركة في الخاراج مثل الباسبورت المزور، والاسم غير الحقيقي، وغيرها من الأمور. وبالتالي يتدرب الأفراد ثم يعودون، ليأخذوا مواقعهم، يعني المزارع يبقى مزراعا، والموظف موظفا، لم يكن هناك سياسة التفرغ، هذه السياسة عرفت زمن المقاومة.

أنا وقتها وبعد خروجي من السجن اشتغلت فترة بسيطة في عمان، ثم نقلت بقرار من الحركة إلى منطقة الشمال، كنت أنا ومسؤول الإقليم متفرغين، حتى المحل الذي فتحناه في جنين، كان للتمويه، لكن الأساس كان هو العمل الخاص.

السجن المدرسة

س- بعد خروجك من السجن ازدادت مهامك، وأضيفت أعباء جديدة عليك، هل كان السجن بمثابة حاضنة لنمو أفكارك؟

ج- السجن بالنسبة لي وتحديدا معتقل الجفر كان بمثابة الجامعة، كان المستوى من الكفاءات العلمية والثقافية والأكاديمية الموجودة داخل السجن مستوى عال جدا، وكان هناك شخصيات مثقفة كثيرا في السجن، وأيامنا لا تذهب سدى.

كان معتقل الجفر الصحراوي آنذاك لا يشغلك شيء فيه إلا أن تبني نفسك. كل الوقت الذي كنا نمضيه في المعتقل، لم نكن نعلم شيئا عن العالم الخارجي، والزيارات كانت ممنوعة، حيث قضيت الأعوام الخمسة دون زيارة، وقمنا بعدها باضراب واحتجاجات على ذلك، فخافت ادارة السجن، وجلبوا جهاز راديو، وضعوه في ادارة السجن البعيدة عن المعتقل حوالي كيلو ونصف، حيث وضعوا الراديو في المركز، والسماعات في مهاجعنا، وبقي مؤشر الراديو طوال الأعوام الخمسة مثبتا على إذاعة عمان نسمع منها الأخبار، وعندما وقعت حادثة نسف رئاسة الوزراء وقتل فيها هزاع المجالي، نحن سمعنا الخبر من الراديو.

الشخص الوحيد الذي كان أحيانا تتسرب لنا من خلاله معلومة أو رسالة صغيرة، هو متعهد التموين من معان، وهو شخص من عائلة المحتسب من الخليل، وقتها كنت أنا مسؤول إدارة التموين.

الحياة وقتها في المعتقل كانت حياة داخلية، وكانت تخضع لبرنامج، مثل الرياضة الصباحية، والنظافة،ثم طورنا الحياة داخل المعتقل إلى الزراعة، حيث عملنا برنامجا للإصلاح الزراعي داخل المعتقل، حيث تتوفر مساحات رملية، وعندنا مهندسون زراعيون، وكنا نزرع الخضار وغيرها مثل البصل والفجل.

الجزء الأهم في البرنامج داخل السجن، هو الجرء الثقافي، أيام يكون فيه شعر، أو أدب، سياسة، فكر، مثلا قراءة في الاسلام، في الماركسية في الثقافة القومية، وكانت تعد مواد، وتقدم وتدرس، ويحدث نقاش، وبالتالي كان هناك حيوية داخل المعتقل، لدرجة أنك تشعر أنك في جامعة.

أنا من الناس الذين يعتبرون أن السنوات التي قضيتها في معتقل الجفر كانت أفضل مدرسة استوعبت فيها الموضوع الفكري والسياسي والتنظيمي، أكثر مما لو كنت بالخارج، لأن حياتك كلها كانت متفرغة لهذا الموضوع.

س- أخ أبو علي، حركة القوميين العرب كانت حركة غير اقليمية، وحركة وارثة لكل الأفكار الثورية والتحررية، ولكن مع ذلك فشلت، لماذا؟

ج- أنا اعتقد أن ذلك يرجع لثلاثة أسباب، الأول أنها لم تعطِ قيمة لإدراك الخصوصية في الواقع، بمعنى أن الحركة كانت تضع برنامجا عاما يصلح لكل الأزمان والأماكن.

لكن مثلا عندما ننظر لتجربة اليمن، اختلفت قيادة الحركة في اليمن، مع قيادة اللجنة التنفيذية للحركة في بيروت، لأنها لم تكن تدرك خصوصية اليمن. أنا أعرف أن هناك أسماء في قيادة الحركة استغربت الدعوة للثورة في اليمن، هذه ثورة قبائلية، مع أن قيادة الحركة في اليمن كانت تقول نحن لا نستطيع إلا أن نجند القبائل في الثورة، ولكن الثورة هي ثورة وطنية ديموقراطية للتحرر، وهذا لم يكن مستوعبا، لأنه لم يكن هناك ادراك لموضوع الخصوصية.

خذ موضوع فلسطين على سبيل المثال، عندما قالت بعض الأصوات في قيادة الحركة بأنه لا بد من إعطاء خصوصية للعمل الفلسطيني لابراز عمل نضالي، وقد تقيدنا بشعار فوق الصفر وتحت التوريط، والذي فوت علينا فرصة تاريخية عندما سقط أول شهيد لنا واسمه خالد أبو عيشة في الجليل ، حيث دخل مع مجموعة من أجل التنظيم والاستطلاع والحصول على المعلومات، ولكنه كان ممنوعا من القتال، ما أدى لاستشهاده، ولذلك لم تتمكن الحركة اصدار بيان تتبنى الشهيد لأسباب أمنية.

وبعده بسنتين استشهدت مجموعة أخرى كان على رأسها رفيق عساف من قرية قرب طولكرم اسمها كفر لاقف، ومحمد سليمان اليماني، شقيق أبو ماهر اليماني، وسعيد عبد سعيد من رام الله، هؤلاء أيضا استشهدوا في الجليل، ولم تستطع الحركة اصدار بيان باسمها، بل أصدرت بيانا باسم أبطال العودة.

س- هنا لا نستطيع أن نقول أن الحركة فشلت وإنما أُفشلت؟

ج-أعتقد أن هذا قصر نظر، الحركة لعبت دورا في عملية النهوض الوطني والقومي والتقدمي في المنطقة، وأنشأت جيلا من الوحدويين والقوميين، ولحد الآن هذا الجيل بعضهم من صناع التاريخ في المنطقة، بعضهم كان من الحركة في الكويت. حيث أن أول حركة سياسية في الكويت كانت حركة القوميين العرب على يد الدكتور أحمد الخطيب، أيضا في سوريا كان هنا أسماء لامعة في حركة القوميين العرب، وفي لبنان أيضا. لكنها في الحصيلة تفتت، لأنها لم تدرك الخصوصيات لواقع كل إقليم، ولتضع برنامجا يناسبه مشتقا من البرنامج العام للحركة.

الجانب الثاني، أنه طغى شعار الوحدة على التحرير وأنه لا يمكن أن نحرر إلا بالوحدة، بينما كان الممكن أن يكون هناك ترابط وتكامل بين العمل الوطني ضد الاحتلال، وعمل نضالي من أجل الوحدة، وكلاهما يكمل الآخر، ولا يجب أن نضعهما في موقع التناقض. العملية الجدلية التكاملية لم تكن واردة في برنامج الحركة، الوحدة طريق التحرير ونقطة آخر السطر.

العامل الثالث، الحركة بقيادتها المركزية كان عندها تردد في استلام السلطة، في العراق مثلا، حيث كان عندها فرصة لاستلام السلطة، لكنها أحجمت، وفي سوريا كذلك، وفي ليبيا أيضا.

س- لماذا؟

ج- كان بسبب النظرية المثالية، وهذا الكلام ناقشت فيه أشخاصا كثيرين بمن فيهم الحكيم، حيث كان عندهم نظرية مثالية، أنه إذا اقتربت من السلطة واستلمتها، تصبح قابليتك للاندماج في السلطة وألاعيبها، مما ينهي ثوريتك. مع أن أي حزب ثوري يجب أن يطمح لاستلام السلطة حتى يطبق برنامجه.

كان هناك النظرية المثالية، أي أننا يجب أن نبقى طاهرين ونبتعد عن السلطة، لذلك كان هناك فرص فُوّتت على الحركة وكان يمكن أن تستلم فيها السلطة، حتى قبل عام 1969 في ليبيا، كان معروضا على الحركة، من ضباط منظمين، أننا قادرون على استلام السلطة فورا قبل القذافي وآدم حواز وغيرهم الذي قاموا بالانقلاب في ليبيا.

أيضا صبحي عبد الحميد وتجربته في العراق، وباسل القبيسي الذي كان أكبر موظف في مجلس الوزراء، وكان هو مسؤول الحركة، وغير معروف، وهو من وضع القنبلة في سيارة نور السعيد عندما حاول اغتياله.

س- عندما وقعت حرب 1967 أين كنت ؟

ج- كنت في عمان، قبلها كان هناك حملة اعتقالات عام 1966، وجهت ضربة للاحزاب الوطنية، حيث كانوا قد اعتبروا كل الاحزاب غير مشروعة منذ عام 1957، ثم بدأ العمل ينتظم في سنوات الستينات، وبدأت تعود الحياة للحركة.

تعرضنا لحملة اعتقالات سنة 1963 بتهمة محاولة القيام بانقلاب بالاستيلاء على الاذاعة في رام الله، لكن الحملة لم تكن واسعة واعتقلوا عددا بسيطا، وهرب عدد اخر إلى الجنوب على طريق غزة ولجأ إلى مصر.

في نيسان 1966 شُنّت علينا حملة واسعة، وكنت وقتها في جنين، عندما استلمت منطقة الشمال، أعتقد أنهم بدأوا يشتموا رائحة امكانية نهوض وطني قادر أن يعمل قضية ما في البلد، اضافة إلى ذلك، أعتقد أنهم لمسوا تشكيل فرق مسلحة، قوى مسلحة، وكانت فتح بدأت بالظهور، بدأوا يعتقلون افرادا تحت اسم فتح. أذكر أن أكبر حادثة اعتقال وقعت في جنين عندما اعتقل شخص من دار كميل على ميدان الشهداء وكان يحمل سلة مليئة بالقنابل. وبدأت الناس تتداول اسم فتح. والسلطة بدأت تخاف من أن هناك قوى بدأت تتشكل بالاضافة للقوى السياسية.

فكانت جنين ضمن مسؤولياتي سواء في العمل الخاص السري، أو في العمل التنظيمي العام، كان عندنا خطأ في عدم توزيع المسؤوليات، كان يجب أن يكون هناك فصل للمسؤوليات في هذا المستوى، لأنه لا يجوز لمن يعمل في العلن أن يعمل في العمل الخطير.

الحملة لم تكن علينا وحدثنا، بل الشيوعيين والبعثيين أيضا، في هذه الحملة أبقونا لمدة شهور بين السجن العسكري، وبين زنازين التحقيق، كان أيامها محمد رسول الكيلاني هو مدير المخابرات العامة.

ما لفت انتباهنا في ذلك الوقت، انهم كانوا يحققون معنا حول التشكيلات العسكرية، صار عندهم حد ادنى من المعلومات، ونحن أيامها كنا ننسق مع قيادة منظمة التحرير في القاهرة، وكان قائد جيش التحرير أيامها لواء أحضروه من الكويت، كان ضابط فلسطيني في الكويت، اسمه وجيه المدني، هو أول من أسس جيش التحرير الفلسطيني آنذاك. وكان لنا علاقة جيدة وننسق معهم في التدريب والتسليح والتمويل بحدود معينة، ويبدو أنه تسربت معلومات لهم بنسبة معينة، فكانوا يركزون على قضية عبد الناصر، وقضية السلاح والتدريب والمجموعات الفدائية.

نحن لم نتوقع أن تقع حرب حزيران في أعقابها، لكن لفت انتباهنا أنه خلال ثلاثة شهور أطلقوا سراحنا جميعا بدون محاكمات، وأخذوا صفا من القياديين في الحزب، البعثيين ، والقوميين العرب، وأجبروهم على الادلاء باعترافات على الاذاعة، ونقلتها الصحافة، بحيث اهتزت ثقة القاعدة والجمهور بكل القوي السياسية، صار هناك ضربة أسميها ضربة ثقة، إلى درجة أن الكوادر عندما خرجوا من السجون وانعدمت الثقة بينهم وبين قياداتهم. وهذا أثر علينا لاحقا في اعادة التشكيلات بعد حرب حزيران. عندما خرجت من السجن أخذت زوجتي وبنتي لأعمل في عمان، حتى وقعت حرب حزيران.

الوحدة المقدسة

س- كيف استولدتم في حركة القوميين العرب جبهة شعبية لينينية ماركسية؟ ما هي الأرضية الفكرية التي استندتم عليها للانتقال من العصبية القومية الى جبهة شعبية تحمل فكرا لينينيا ماركسيا أمميا؟

ج- كان هناك ميزة في التربية والثقافة داخل الحركة انذاك، نحن لم نكن قوميين على طريقة الاتراك، كنا متأثرين بساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وعبد الناصر.

أكثر شخص كتب في الجانب القومي، لبناني اسمه علي ناصر الدين، لكن كانت هناك ميزة في تربية الحركة وثقافتها الداخلية، أن البناء كان تقدميا، وليس على طريقة الحركة النازية، أو الحركة الفاشية عند موسوليني، كنا نقرأ لغاريبالدي والوحدة الايطالية، كنا نقرأ لبيسمارك والوحدة الألمانية، ونتأثر بتلك الأفكار.

ولا شك أنه كان عندنا نزعة تقديسية لمسألة الوحدة، لدرجة أننا قرأنا كتاب كفاحي لهتلر. وكان هناك عدد كبير من الشباب المثقفين في الحركة وخريجي الجامعات.

وما لفت انتباهنا أن حكم دروزة وكان أحد المنظرين الأساسيين في الحركة، ألف كتابا اسمه (الحركة الشيوعية ومعركة العرب القومية)، وكان كله هجموما على الشيوعية والشيوعيين، لأنهم وقتها لم يكونوا يستوعبون المعطيات الوطنية، لذلك تعرضوا لحملة عندما وافقوا على قرار التقسيم، وأيضا عندما اعترضوا على الوحدة العربية مع عبد الناصر، كان هناك موجة عداء تؤهل أي كتاب يصدر أن يتلقفه الناس.

س- هل الانتقال من الحركة القومية إلى الجبهة الشعبية جلب لكم انصارا أم فقدتم أنصارا؟

ج- لا شك أن الجبهة لم تكن مولودا طارئا، بل جاءت تواصلا مع مسار معين، ولكنها جاءت في لحظة وقع فيها تفتت حركة القوميين العرب، وأخذ شكل التفتت الاقليمي، حيث ان المركز لم يعد قائما، بعد الاختلافات التي حصلت على اثر هزيمة حزيران، واجتمعت اللجنة التنفيذية وأصدرت كراسا سمته (هزيمة حزيران وتقرير المصير)، وقالت فيه البرجوازية فشلت في برنامجها، وهزمت، وقيمت تجربة عبد الناصر.

عندما وقع هذا الاشتباك الداخلي والخلاف الفكري، حدث الانقسام وأخذ شكلا أفقيا وعموديا في نفس الوقت، بمعنى أن اقليم اليمن على سبيل المثال، اعتبر نفسه مستقلا، ولا علاقة له بالمركز، وكل البلدان الأخرى فعلت ذات الشيء.

أما اقليم فلسطين، وبعد وقوع الانقسامات، فاعتبر أنه لا بد أن يؤسس تنظيما يتناسب مع طبيعة المرحلة، ويعلن الكفاح المسلح. لكنه ليس مقطوع الجذور عن التجربة وبنيتها، خاصة أن الشخص الذي يجمع بين التجربتين موجود، وهو جورج حبش، مؤسس حركة القوميين العرب، رئيس اللجنة التنفيذية في الحركة، مؤسس الجبهة الشعبية.

س- أخ أبو علي، يُوجه لكم الاتهام بأنكم كنتم وراد تفجر أحداث أيلول الأسود في الأردن، هل لهذا الاتهام ارضية واقعية ؟

ج- سياسيا كان واقع الحال يشير الى تناقض بين نمو ظاهرة المقاومة المسلحة على أرض الأردن، خاصة في جسمها الرئيسي بعد أن وُجه لها عدد من الضربات من الداخل، ثم وقعت حوادث تشير إلى صعوبة التعايش بين سلطة تتحمل مسؤولية تاريخية عن سقوط الضفة، واعتبرت أن حصتها الباقية وهي الضفة الشرقية لا يجب أن تذهب، وبين شعورها بالتناقض مع هذه الظاهرة كطريق للتحرير، حيث أنها كنظام تعتبر أن التحرير بحاجة إلى جيوش وحروب كلاسيكية، وغيرها من المسائل.

تفاقم هذا الشعور بعد معركة الكرامة، رغم أن قطاعا من الجيش الاردني لعب دورا رئيسيا في المعركة، لكن لا اعتقد أنهم لعبوا هذا الدور بقرار سياسي، بل قرارا من قادة الوحدات العسكرية التي خاضت المعركة ببسالة، لكنها شكلت مرحلة نوعية لظاهرة المقاومة، واصبحت تستقطب الجمهور والقوى السياسية، واستقطاب عربي وعالمي.

كلما نمت ظاهرة المقاومة المسلحة، كانت تثير مزيدا من الخوف في داخل النظام، من حيث الواقع السياسي، أي أن هذه الظاهرة قد تكون نقيضا ونافيا لوجود نظام، ومن حيث الممارسات اليومية كازدواجية حال على الارض.

وحقيقة كان هناك سلطتان على الأرض، سلطة المقاومة، وسلطة الدولة، المخيم الفلسطيني كان تحت سلطة المقاومة.

وكانت ابرز ظاهرتين، هما فتح والجبهة الشعبية، كأجسام مميزة، و بالتالي كان هناك اساس سياسي للتناقض. والأساس الثاني هو الازدواجية في السلطة.

ازدواجية السلطة بدأت تظهر علاماتها من خلال التعبئة التي كانت تتم داخل الجيش، أنا لا أنفي وقوع أخطاء فردية، ولكن ليس هذا ما يفسر الحدث، هذه القضايا كان يمكن أن تعالج بمستويات أقل.

س- في مرحلة ما أخ أبو علي انتهجتم سياسة خطف الطائرات؟

ج- لا شك أن غرضنا من خطف الطائرات لا علاقة له ابدا بالنظام، بل كان الغرض اطلاق سراح الأسرى في سجون الإسرائيلي، حيث كان في ذلك الوقت عدد الأسرى 4000-4500 أسير، وكان غالبيتهم من المقاتلين في الدوريات، ولهذا كان هدفنا هو الضغط من اجل اطلاق سراح الأسرى لا غير، ولذلك اخترنا مكانا بعيدا عن العاصمة، في خو، وليس في مطار العاصمة، وكان عندنا قوة عسكرية تستطيع أن تذهب إلى مطار ماركا، وتستولي عليه. لكننا لم نختر مطارا في العاصمة أو قريب من العاصمة، بل اخترنا منطقة صحراوية، في منطقة تصلح لهبوط الطائرات، اكتشفناها عبر مهندسين طيران، اسمها (قيعان خنه) في الخريطة، وقلنا أن الطائرات ستهبط هنا، وسنفاوض ونساوم من هذا المكان، دون أي غرض لنا في الأردن.

طبعا هذا الحدث كان كبيرا، وكان مخيفا ومرعبا، وأسرنا إسرائيليين من حملة الجنسيات المزدوجة، وطبعا كان هؤلاء أفضل رهينة بين يدينا، وأطلقنا سراح النساء والرجال والكبار في السن، وبقي بين يدنا رهائن حتى نخرج الأسرى.

وفي تلك اللحظة بدأوا بمساومتنا، لكن أثناء المساومة كان هناك محاولة للاقتحام، ونحن كنا قد نبهناهم أن أي عملية اقتحام ستحدث فيها مجرزة منا ومنكم ومن الرهائن، فتوقفوا وتركونا، وقد زارنا رئيس أكان الجيش الأردني مشهور حديثة، ووفود من أجل المفاوضات، ولكننا كنا قد نفذنا العملية من أجل هدف، وليس عملا استعراضيا.

التوقيت استخدم، ولكن عملية التعبئة والتحريض كانت قائمة، وجاءت هذه اللحظة المناسبة وبتغطية دولية واقليمية، وكنا قد نسفنا الطائرات وأخذنا الرهائن معنا إلى عمان.

وفي يوم 16 أيلول 1970 فاجأونا بقصف مدفعي عنيف على المخيمات والقواعد العسكرية الفلسطينية. وكثيرا من الأصوات سواء سياسية أو اعلامية ربطت موضوع الحرب بخطف الطائرات، والحقيقة ليست كذلك، أنا هنا لا أبرر بل أفسر، وأقول أنها ربما كانت عامل تحريض وزادت الشحنة، وسرعت القرار، وعملت تغطية للنظام، لكنها ليست السبب، وأستطيع أن أقول بثقة تامة يا ترى لو لم يحدث حادث الطائرات، ألم يكن من المحتمل نشوب حرب أهلية في الأردن في ظل ازدواجية السلطة ؟

س- أخ أبو علي، عرفتم دائما بأنكم تقفون في الموقف المتشدد، رفضكم لمشروع روجرز عام 1971، إلى أي مدى خدم هذا الموقف الدبلوماسية الفلسطينية في الصراع؟

ج- الموقف من روجرز كان عام 1970 قبل حرب أيلول، وإذا أردت أن أقيم، أعتقد أن الرأي العام الفلسطيني كان متسرعا، ظلمنا عبد الناصر بدون وجه حق، لأن مشروع روجرز في وقتها كان ربطنا بحرب الاستنزاف، وكانت حرب الاستتنزاف طاحنة، وعبد الناصر كان بحاجة لكسب وقت مع اجل بناء جدار الصواريخ، وكان يستعين بالخبراء السوفييت من أجل ذلك، وأذكر ان 80 خبيرا سوفييتيا قتلوا في حرب الاستنزاف، وعبد الناصر كان هو صاحب حرب اكتوبر، ولكن القدر لم يشأ ذلك، لكنه كان يحاول كسب الوقت، وكان عبد الناصر آنذاك مرنا سياسيا، وكان يرفع شعار مسح آثار العدوان، ونحن لم نفهم عبد الناصر جيدا، وكان هناك طفولة يسارية، وعدم استيعاب للحظة السياسية، لأنه تبين بعد ذلك أن الموضوع كان تكتيكا لكسب الوقت من أجل بناء جدار الصواريخ.

وهذا الأمر أثر علينا، وكان الهدف هو كيف يمكن أن نوفر للحالة الشعبية بعدها في ادارج الصراع بما يسندها بعد ذلك بالحالة العسكرية الرسمية، وكنا نحشى أن أي مناورة سياسية من هذا النوع، هي ضرب للحالة الشعبية التي نعدها من أجل حرب التحرير.

س- أخ أبو علي في الفترة من 69 حتى 71 كنت مسؤولا عن تنظيم الخلايا في الداخل، وكنتم تعتمدون أسلوب حرب التحرير الشعبية، هل تعتقد أنكم نجحتم في تثوير الجماهير من أجل أن تكون قادرة على القيام بمهام بمثل تلك في فيتنام، لماذا لم تستيطعوا تثوير الجماهير؟

ج- أنا استلمت موضوع بناء الخلايا الأولى في عام 67-69، ثم استلمت المسؤول العسكري لكل قوات الجبهة، في تلك الفترة كان عندنا حماس شديد لضرورة بناء قوة عسكرية على الطريقة الفيتنامية والتجربة الصينية، والتي تقول بنظرية تطويق المدن من الريف، والتجربة الفيتنامية التي تقول بحرب التحرير الشعبية، لكن يؤسفني أن أقول أننا لم ندرس خصوصية تجارب غيرنا، أنا رحت فيتنام في زيارتين، وكان واقعا مختلفا، وتستطيع أن تقتل كل قوات حلف الناتو في فيتنام وتلحق بها الهزيمة، وأي حرب شعبية من هذا النوع بحاجة لحماية جغرافية ومجتمعية، نحن الجغرافيا لم تخدمنا، وحرب المدن السرية كان ممكن أن يكون أفضل من المجموعات العصابية في الجبل، لذلك أول ما أنشأنا المجموعات العصابية في جبال الخليل، ظاهرة أبو منصور، سعيد السويركيو ومنطقة الريف في نابلس وبيت فوريك، وضربنا فيها وكان على رأسها الشهيد عبد السلام السرور، وكذلك ضربنا في منطقة رام الله، وفي بيت عور، وكنا نحاول التفكير بالطريقة الفيتنامية، ولكن الجغرافيا غير فيتنامية، وكنا نقول أن عمقنا الاستراتيجي في عربي.

كان لدينا مجموعة من التصورات غير الواقعية، بمعنى أننا تريد أن ننشئ مجموعات عصابية، وأذكر أن اخواننا في حركة فتح، أنشؤوا معسكر تدريب في جبال قباطية، ودمره الجيش الاسرائيلي، ولم نكن نعطي قيمة للجغرافيا، لذلك ضربت مجموعاتنا بسرعة لذلك اسنحبنا إلى ما وراء النهر، وفي وقتها قال موسى ديان عبارته الشهيرة "أن كل هذه الحركة الفدائية أنها بيضة سأكسرها بيدي" ونحن رددنا عليه أنك يا ديان ستجد أنها بيضة من حديد غير قابلة للكسر".

ثمة نجاح تحقق على صعيد بناء الوحدات السرية كان في قطاع غزة، وخاصة التي نشأت على يد يوسف أبو النصر، وبقيت حتى عام 1973 وهي التي وتولى فيها شارون تدمير البيارات وقمعها.

محاولات الاغتيال

س- أخ أبو علي، في مراحل مختلفة من النضال وفي بيروت تحديدا، كنت الرجل الثاني في الجبهة الشعبية، لا بد أنك تعرضت للتعقب من الموساد وجهات معادية، هل لك أن تحدثنا عن لحظات صعبة عشتها، هل نجوت من محاولات اغتيال؟

ج- بالنسبة للسؤال، بالتأكيد تعرضت لمحاولات اغتيال، كان هناك محاولات تعقب في الأراضي المحتلة، جرى تعقبي من بلد لبلد عندما علم الاسرائيليون أنني في الداخل، ولكن الاحتلال في تلك الفترة لم يكن لديه عيون كثيرة، كنا نستخدم ورقة احصاء مثل الهوية، وكنا قد زورناها، وكانت تساعدنا على التمويه والتنقل من الشمال للجنوب.

في الأردن كان هناك تقصد، وكانت أحيانا ترصد السيارات التي نتحرك فيها، وفي احدى المرات قصفونا بشكل عنيف، كنت أركب سيارة مدنية من نوع فيات، وعندما خرجت من منطقة اسمها كريمَة حتى وصلت لمنطقة الشونة، واستغرب الذين معي كيف نجوت من شدة القصف، ووصلت لمنطقة فيها بساتين موز ووضعت السيارة فيها، وانتقلت إلى مكان آخر.

أبشع عملية تعرضت لها، كانت بوضع سيارة مفخخة تحت بيتي في بيروت، وكان بيتي في منطقة الكولا، وجنب بيتي كان هناك حاجز أمن فلسطيني تشرف عليه الجبهة الشعبية، وكان الاستقطاب للعمل العسكري دون تدقيق، وكان هناك استقطاب لبناني من الجنوب من جماعة سعد حداد ولم يدققوا فيه، ووضعوه على الحاجز، وأصبح يعرف كل تفاصيل بيتي وحياتي، ونقل معلومات تفصيلية عني لضابط الأمن الاسرائيلي، وكان تحت بنايتي كراج تجليس سيارات، ووضعوا سيارات مليئة بالمتفجرات، ويبدو أن هذا الشخص ارتبك، وتم التحقيق معه واعترف أن هناك سيارة ستنفجر تحت البناية. هذه بعض المحاولات التي كانت تجري على يد الاحتلال، وأحيانا على يد المخابرات العربية.

انشقاقات الشعبية

س- أخ ابو علي، الجبهة الشعبية تعرضت لعدة انشقاقات حزبية وفكرية، هل هي ناتجة عن الدكتاتورية الثورية التي مارستموها؟

ج- في الواقع، حصل انشقاقان، لأن الجبهة عندما نشأت، كانت ائتلافا، لم تكن تنظيما واحدا منسجما فكريا وسياسيا وتنظيميا، وكانت البدايات ما بعد حزيران ٦٧ تشاور فيما بين عدد من التنظيمات لتشكيل ائتلاف اسمه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان فيه الشباب الثائر لحركة القوميين العرب، اقليم فلسطين، جبهة التحرير الفلسطينية، الضباط الناصريين، آبطال العودة، وبعض الشخصيات المستقلة.

ولما حدث الخروج للمرة الأولى من جماعة أحمد جبريل، لم نعتبره انشقاقا، ولكن بعد ذلك أخذت الحياة داخل الجبهة مداها، في التطور الداخلي باتجاه تحويلها الى تنظيم واحد، من يريد ان يندمج في اطار هذا التنظيم فكريا وسياسيا وتنظيميا فليبق في هذا الاطار، وأصبحت الجبهة الشعبية منذ ذلك الوقت عام ١٩٦٨ جسما واحدا منسجما، إلا أن الاضطراب الفكري الذي عاشته الحركة قبل تأسيس الجبهة الشعبية، وعكس نفسه في شكل خلاف ظاهر في اثر تقديم تموز عام 1967 عن اللجنة التنفيذية للحركة، نقل تأثيراته على جسم الجبهة العشبية في بداية تكونها، وجرت محاولات كثيفة من اجل تحاشي ان يتحول الخلاف الفكري الى حالة انقسام تنظيمي، إلا أن الأمور لم تجرِ كما كنا نقدر، حيث أن الوضع الفكري مستقر ، وهو ما اطلقنا عليه مرحلة التحول من الفكر القومي الى الفكر الماركسي اللينيني.

وهنا نشأ تعارض بين من يريد للفكرة أن تأخذ مداها بتطور الحياة ونموها، وبين من يريد للفكرة أن تصدر بقرار، وصار فيه نهجان، النهج الذي عبر نفسه بانشقاق، الجبهة الديموقراطية، كان يتصرف على أساس أن الفكر الماركسي قرار، وهو ما اعتبرناه انشقاقا.

عام 1972 وبعد الخروج من الأردن، وانتهاء الظاهرة العلنية للمقاومة، وانتقال الى لبنان، واعادة احياء الجسم وترتيبه، نشأ اختلاف في التحليل السياسي لأسباب الهزيمة، هناك من قرأها بشكل فج، وقال ان الظاهرة المقاومة انتهت، وهناك من قرأها بقراءة علمية، وأعطينا مثلا وهو تجربة الصين، والتي فشلت في 12 مرة، ونجحت في المرة 13، ونحن يمكن أن ينطبق علينا نفس الشيء. النزعة الفوقية في قراءة الحدث تصرفت بطريقة فجة، الأمر الذي دفعها أن تنشق، وتشكل ما يسمى الجبهة الثورية، وأخبرناهم أن بامكانهم ان يفعلوا ذلك. عاشت هذه الظاهرة ٦ شهور وانتهت، ولم يعد لها وجود، وبعد ذلك استطاعت الجبهة أن تتغلب على كل الخلافات، وبقي جسمها موحدا.

انهيار الاتحاد السوفييتي

س- ما هو تأثير انهيار الاتجاد السوفييتي السابق على الجبهة الشعبية؟

ج- انهيار الاتحاد السوفييتي أثر على كل العالم ، والجبهة الشعبية جزء من العالم.

س- هل اكتشفتم بعد ذلك أنكم نتاج لعالم ثنائي القطب، والآن عليكم أن تغيروا من برامجكم وسياساتكم ليتم استيعابكم في عالمم أحادي القطب؟

ج- الصدمة الأساسية اذا اردت أن تقرأ الواقع الذي أثر على الجبهة، في الحقيقة هي حرب عدن، قبل أن تحدث في انهيار الاتحاد السوفييتي. نحن في تجربتنا النضالية على الصعيد القومي، ونحن نؤمن في ضرورة تلازم البعد الوطني والقومي، ولا زلنا نؤمن بالوحدة العربية.

كان اليمن الديموقراطي بالنسبة لنا تجربة رائدة، وكنا نعتبر أن هذه التجربة هي تجربتنا، وهي ثورة شعبية انتصرت على الاستعمار، وحققت تقدما اجتماعيا وحققت شيئا من التطور النسبي في حياة اليمنيين، وكنا نعتبرها ثروة لنا في تجربتنا النضالية، وكانت ثروة لكل حركة التحرر العربي، رغم أنها لم تأخذ مكان مصر وعبد الناصر، وحوربت من قبل العديد من القوى العربية بسبب ميولها الاشتراكية والفكر العلمي.

الذي حدث عام 1986 في الحرب الداخلية الطاحنة، ضرب نقاء الفكرة، بين رفاق الطريق، وقيادة الحزب، وتدخلنا لحل التناقضات بطريقة ديموقراطية، بعيدا عن الدكتاتورية، دون الوصول لاستخدام السلاح لحسم التناقض الداخلي.

وهذه كانت الصدمة الأكبر، وخلقت نوعا من الاهتزاز في جاذبية الفكرة التي كانت تعبر عنها الجبهة الشعبية كأحدى قوى اليسار الفلسطيني، والجبهة الديموقراطية، وقيل وقتها على صفحة احدى المجلات العربية، وأعتقد أنها الحوادث، "ماركس يذبح في عدن" هذا شكل اهتزازا، ثم أتت ضربة الاتحاد السوفييتي.

نحن لم نكن سوفييت على طريقة الاحزاب الشيوعية التقليدية، نحن كنا نمارس خطا مستقلا عن الانتماء لأي معسكر، أحيانا كنا نتصادم في الرأي السياسي مع السوفييت، مثل قرار التقسيم، على التسوية، قرار 242، الجبهة الشعبية تعتبر نفسها تنظيما سياسيا فلسطينيا له علاقات اممية، وليست تابعا لأحد، ولم يعاملونا كما يعاملون الاحزاب التقليدية الشيوعية، كانوا يعاملوننا على أساس أننا حالة نافرة.

ونحن نقدر أن وزن الاتحاد السوفييتي كان وزنا دوليا في خلق توازنات في الوضع العالمي، بما يحمي قوى التحرر، وإذا عدت لأدبياتنا التي صدرت عن المؤتمرات، تلاحظ أن وثيقة المؤتمر الرابع تبنت تقرير كان مكتوبا عن النمو الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي، لأننا كنا نعتقد أننا كلما تحدثنا عن انجازات، فالعالم بخير.

ثانيا، كنا نشخص أن قوى التحرر في العالم، لها ثلاث كتل، المنظور الاشتراكي، قوى الطبقة العاملة الأممية، وحركات التحرر في العالم الثالث، وكل هذه القوى ضربت مع انهيار الاتحاد السوفييتي، كثير من حركات التحرر في العالم انتكست، واختلال التوازن العالمي، كان هناك ميزان رعب يخلق معادلات دولية، لها علاقة في وضع التوازنات الدولية، ونحن جزء من حركات التحرر في العالم.

س- أخ أبو علي، هل اختياركم أمينا عاما للجبهة الشعبية خلفا للدكتور جورج حبش كان انتصارا للتيار المتعدل على التيار المتشدد؟

ج- لم ينتصر أحد على أحد، نحن في الجبهة الشعبية مثل كل جسم حي، في داخله اراء ووجهات نظر وتعارضات، وفلسفة نظامنا الداخلي تقوم على الأقلية والأغلبية.

في تفسيرات بسيطة تخرج أحيانا من بعض الناس أنه كلما ظهر اختلاف في الرأي يعتقودن أنه حدث اقسام . ولكن مسؤولياتي لم تختلف منذ كنت نائبا للأمين العام.

س- ألم يؤثر غياب جورج حبش عن قيادة الجبهة؟

ج- بالتأكيد يؤثر بما يمثله من تاريخ وتجربة وخبرة، ولكن تاريخيا في تربيتنا لم يكن الأمر مرتبط بفرد، وبالتالي كان لدينا قناعة بمسألة تداول القيادة، ولذلك نسبة التجديد لدينا تقليد ثابت، وكانت نسبة التجديد في اللجنة المركزية المنتخبة في المؤتمر الثالث ٥٦ ٪، ،نسبة التجديد في المكتب السياسي ثلثين جديد وثلث قديم.

الدكتور جورج حبش كانت عنده رغبة من المؤتمر الخامس بترك القيادة، ،نفس الرغبة التي أبداها في رسالته للمؤتمر الخامس، وكانت رغبته انطلقت من ثلاثة اعتبارات؛ الأول: حقه في أن يكسب فرصة لكتابة تجربة حركة القوميين العرب باعتباره مؤسسها، وثانيا: حقه في أن يقدم مثلا للكثير من القوى والأحزاب بأن القائد لا يظل للأبد، وثالثا: رغبته في انشاء مركز دراسات وأبحاث حول الصهيونية يستطيع من خلاله أن يقدم شيئا ما موثقا ومكتوبا للحركة الوطنية العربية والفلسطينية.

س- أخ ابو علي، الأمين العام السابق الدكتور جورج حبش، كان قد حصل على هالة كبيرة من خلال العمل الثوري وبعده عن الوطن، أنت الآن بين شعبك وأهلك، ولا تمارس العمل المسلح والثوري، هل تعتقد أنك في ظل هذا الواقع لك نفس الشعبية التي كانت للدكتور جورج حبش؟

ج- هذه مسألة لست أنا من يقرر فيها ويمكن أن يُسأل غيري عنها، أنا يهمني الأمانة في المسؤولية تقتضي بأن أكون أمينا على برنامج التنظيم وسياسته والعلاقات الرفاقية في التنظيم، التي تحفظ نمو وتطور التنظيم، وكل انسان منا قابل للنجاح والفشل.

منسوب الأداء النضالي لا شك أنه يتأثر بكثير من العوامل والمؤثرات، عوامل النهوض التي تعرضت لها في مرحلة ما، في تمثيل الصورة والمشهد الوطني الفلسطيني في الصراع مع العدو الصهيوني بالكفاح المسلح.