شاحنات الموت... بين اللوثة الدينية وفشل النظم الاجتماعية الثقافية

بقلم: الدكتور باسم الطويسي

* لا جديد في هجوم برشلونة والهجمات الأخرى التي شهدتها مدن اسبانية الا المزيد من الضحايا الأبرياء، فعمليات الدهس بالشاحنات في أوروبا، تجسد ظاهرة أخذت تتنامى منذ العام 2014، بينما الفاعل في كل مرة سجين سابق ومعروف لدى الشرطة والأجهزة الأمنية، وفي كل مرة يعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عن العملية، وكل مرة يطلع علينا خبراء الاسلام السياسي على الشاشات ويضفون على هذه التنظيمات الظلامية المزيد من القوة والقدرة على اختراق أعتى النظم الامنية. وفي كل مرة يواجه العالم الاسلامي هذه الهجمات بردود رمادية لا تملك الحسم او على الأقل الوضوح الأخلاقي، وكأن ما يحدث يجرى في كوكب آخر، ومن يرتكبون هذه الجرائم ينتمون الى أديان وقبائل من عالم آخر.

هجوم برشلونة ذهب ضحيته ١٥ شخصا، عدا الجرحى وتبعته محاولة هجوم بشاحنة في منطقة سياحية أخرى، ويقال ان وكالة الاستخبارات الاميركية حذرت من هجوم محتمل في اسبانبا. حدث هذا الهجوم في الوقت الذي يتراجع فيه "داعش" وتلاحَق عناصره في كل من العراق وسورية، ما يؤكد فرضية الحاجة الى العودة لمسار التحليل الثقافي ومسار التحليل الاجتماعي -الاقتصادي لفهم حالة الفصام التي تشهدها هذه الاجيال وعلى رأسها الأزمة الكبرى التي تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية والاسلامية.

تعد ظاهرة «الشاحنات المقدسة» أسلوبا يعود الى تنظيم «القاعدة» في اليمن والذي وصفها في أحد بياناته في العام 2010 بـ"آلات القص" في تشبيه لئيم لطريقة الشاحنات في قتل المارة بآلة القص التي تحصد الأعشاب. ومنذ العام 2014 أخذ "داعش" بتبني هذا الأسلوب بعد سنوات طويلة من العمليات الارهابية بالسيارات المفخخة.

واكبر العمليات التي جرت باستخدام الشاحنات هجوم نيس في العام الماضي 2016 حيث هاجمت شاحنة كانت تسير بسرعة كبيرة جمعا من الناس كانوا يحتفلون في يوم عطلة وطني وقتل 84 شخصا جراء الهجوم.

وامتد هجوم الشاحنات إلى المانيا حينما استهدف سائق شاحنة تونسي الاصل سوقا لأعياد الميلاد وقتل 12 شخصا، وفي آذار الماضي قتل سائق شاحنة عددًا من المارة على جسر "وستمنستر" في لندن، قبل أن تصل هذه الشاحنة إلى مبنى البرلمان، ويترجل منها شخص طعن ضابط شرطة استوقفه، ما أسفر عن سقوط خمسة قتلى، إضافة إلى 40 جريحًا.

شاحنات برشلونة وما أوقعته من ضحايا الى جانب تفجيرات مدريد العام 2004 التي راح ضحيتها نحو 200 شخص تبين أنه اصبح للعرب ذكريات اخرى مع المدينتين الإسبانيتين تضاف إلى ذكريات سوداء مع عشرات المدن الغربية، ولكن ثمة ذكريات لا تقل سوداوية بل تتجاوزها مع مدن عربية من حلب وتدمر الى الموصل وبرقة فتكت بها هذه الجماعات واخرجتها من التاريخ.

«الشاحنات المقدسة» التي تحصد البشر بدون ان تميز أجناسهم او أديانهم لا تعبر فقط عن لوثة فكرية دينية، فهذه الشاحنات لا تحمل مصاحف ولا تتوقف رمزيتها على الهتافات الدينية، بل تحمل رمزية فشل انظمة اجتماعية وثقافية، وفشل الدولة الوطنية جنوب المتوسط، وأزمة كبرى تعيشها الطبقة الوسطى في المجتمعات العربية في الداخل والخارج.

...عن «الغد الأردنية