سميح القاسم في ذكرى غيابه الثالثة ما زال حيّا

لقاء تلفزيوني أجري عام 2000 مع الشاعر الكبير سميح القاسم

"مواكب الشمس" كانت أولى تجاربي الشعرية وأنا في سن الثالثة والرابعة عشره.

في المرحلة الابتدائية قال مدرس اللغة العربية للطلاب : لقد ولد اليوم في صفكم شاعر.

لدي من الاولاد أربعة "محمد ووضاح وعمر وياسر"وكنت أتمنى أن تولد لي طفلة أسميها هاجر .

ولدت عربيا من أسرة اسلامية على مذهب التوحيد والاجتهاد المذهبي في الاسلام من فضائل العبقرية الاسلامية.

أرفض مشروع تجزئة الأمة العربية الى طوائف ومذاهب وعشائر فالامة العربية واحدة، المسلم فيها أخ المسيحي العربي أمة متشاركة في الهم والحلم.

نحن في أرذل الوضع ومن خرج على نصنا وعلى روحنا حسابه عندنا وعند الله وهم لا يمثلون سوى قلة هامشية ستذهب جفاء ويمكث في الأرض أبناؤها المخلصون.

بدأت حياتي طفلا مصدوما يطرح أسئلة ويبحث عن اجابات وبدأت بسؤال لماذا. لماذا يحدث لي ما حدث؟

رفضت محاولة خلق صراع بين الهم القومي والفكر الثوري حتى 1967 كنت محسوبا على التيار القومي الناصري.

لم أكن سوى صديق للحزب الشيوعي لأنه الحزب الوحيد الذي ناهض الصهيونية بوضوح وطرح شعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني وحق اللاجئين في العودة.

رام الله - "القدس" دوت كوم - ابراهيم ملحم - كأنه كان يهجس بما ستؤول إليه الحالة العربية من تشظ وانقسام، وسط حروب ونزاعات طائفية وعرقية وإثنية عندما أجريت معه لقاء تلفزيونيا عام 2000 ضمن برنامج" خارج النص" الذي تم بثه على الفضائية الفلسطينية في ذلك الحين.

سميح القاسم في هذا اللقاء ما زال يمدنا من مدفنه بالامل بوطن حر مستقل رغم سخم الليل الذي يسد الافاق .. يرحل الكاتب وتبقى الكتابة، وتظل أشعار القاسم مهمازاً للحناجر المجروحة بصيحات الحرية في كل زمان ومكان.

تنشر "القدس" النص الكامل للمقابلة التلفزيونية من الراحل الكبير سميح القاسم في ذكرى غيابه الثالثة.

المقدمة:

ضيفنا شاعر ملأ الدنيا وشغل الناس، شاعر من جبال الجليل، أخذ عنها القوة والوضوح والارتفاع، فجاءت قصيدته عالية، واضحة، قوية.

إنه الشاعر سميح القاسم، الكبير في قصيدته، والكبير في حياته، التي بدأها صعبة وما زالت، بدأ معلما وعاملا وصحفيا، حتى استوى شاعرا، له اسهامات كبيرة وواضحة على خريطة الشعر العربي، وهو شاعر استطاع كسر الحصار وفك العزلة والتواصل مع محيطه العربي والاسلامي، ولم تقعده القيود المختلفة من الاختيار الصحيح والخيار الأمثل.

قد تختلف معه وقد تتحاور طويلا، ولكنك بالتأكيد ستتوقف طويلا عند قصيدته التي أضافت للروح الفلسطينية والعربية الشيء الكثير ، مع هذا الشاعر الكبير الذي دفع ثمن مواقفه في أشد الظروف قسوة واظلاما نرى قوة الارادة وأثر الوعي وعمق الموقف، هذا الموقف الذي ورثه لابنه محمد الذي دخل سجن الاحتلال على درب أبيه. سميح القاسم شاعر ذو صليل وأصالة، اتكأ على تاريخ قومه، فمتح منه الدلالة والأصالة.

سميح: أنا سعيد بهذا الخروج عن النص والخروج على النص، الذي قدر لشعبنا، نص الغياب من التاريخ، وها نحن في فضائية فلسطينية، شكرا لله تعالى، ولدماء شهدائنا.

س- أستاذ سميح لو فتحنا بداية بطاقتك الشخصية، ماذا نقرأ؟

ج- في الحقيقة، هناك أكثر من قراءة، تاريخ الميلاد مثلا هو الحادي عشر من أيار عام 1939 هو التاريخ الرسمي للميلاد، لكني أعلنت أكثر من مرة أن تاريخ ميلادي، هو تاريخ موتي في أيار 1948. الموت التاريخي الذي نزل كالصاعقة على طفولتي، هو أيضا تاريخ ميلادي الانساني والشعري والفكري، البطاقة لا تعني شيئا خارج سياقها التاريخي.

مكان الولادة مثلا، في مدينة الزرقاء، التي تسمى مدينة اردنية، ولكنها مدينة في بلاد الشام التي لا تتعامل مع خرائط سايكس بيكو. اذ ان اسرتي من شبه جزيرة العرب، جدي الأول كان من فرسان صلاح الدين الأيوبي، جد والدي متوفى ، مدفون في سوريا، مسقط رأسي في الأردن، حياتي في فلسطين، إذاً أنا لحسن حظي محكوم بالعروبة وبالوحدة العربية، هذه بطاقتي الأساسية.

س- كم من الأولاد لديك؟

ج - تذكرني بجلسات التحقيق، هم محمد البكر، ووضاح، وكلاهما دخلا تجربة السجن الاسرائيلي، ثم عمر وياسر، للأسف الشديد لم أرزق بهاجر، كنت أتمنى أن تولد لي طفلة أسميها هاجر.

س-أستاذ سميح رغم هذه السنوات الطويلة، لكن يلاحظ عليك هذه النضارة وهذاالشباب الدائم، ما هو السر؟

ج- لن ألجأ إلى علم الوراثة، لكن أعتقد أن شيئا من المناكفة لا بد منه، مناكفة أولئك الذين يريدون شيخوختي ورحيلي من هذا العالم، رحيلي الجسدي والروحي، والشعري، والفكري والسياسي، مناكفة مع هؤلاء أحاول أن أظل شابا قدر المستطاع.

س- أستاذ سميح تقدم صورة حياتك بصورة غير اعتيادية، والدك كان ضابطا في الجيش الأردني، وأعمامك شاركوا في القتال ضد العصابات الصهيونية، إلى أي مدى أثرت هذه البيئة على توجهاتك الوطنية والقومية؟

ج- في الحقيقة لا نستطيع تجاهل البيئة والخلفية الاجتماعية لأي انسان، ومن الأمور المعروفة أني نشأت في بيئة تميل إلى التمرد والقتال، الى الدفاع عن الحياض، وكررت أكثر من مرة أن نشيد طفولتي لم تكن من طراز "تيجي نقسم القمر"، و"هزي يا نواعم"، أناشيد طفولتي كانت الاناشيد الثورية، الحروبيات، أغاني العنفوان الوطني، والآناشيد المعروفة، مثل موطني، "نحن الشباب"، ويا "ظلام السجن خيم"، "بلاد العرب أوطاني"، هذه الأناشيد بحكم المرحلة التاريخية، وكوني كنت عضوا في فرقة الانشاد المدرسية، هذه هي أناشيد طفولتي. وبدون شك، تاريخ الاسرة، ودور الاجداد والأب والأعمام والأخوال، وأبناء العمومة في الحياة العامة، كان له دور كبير على الصعيد الفكري، والشعري، ففي هذه الأسرة كثيرون ممن سبقوني في كتابة الشعر والغوص في أعماق الثقافة العربية والإسلامية، لذلك فتحت عيني على كتب التراث في مكتبة البيت القديم.

س- متى تفتحت موهبة الشعر لديك؟

ج- في الحقيقة، لا أذكر الهاجس الأول، لكني أذكر أن معلم اللغة العربية ذات يوم وأنا في المدرسة الابتدائية، قائلا: ولد في صفكم شاعر، ونظر أحدنا إلى الآخر بحثا عن هذا الشاعر، إلى أن كتب معلم اللغة العربية، فقرات من موضوع تعبير كنت كتبته بعنوان الربيع أو شيء من هذا القبيل، وإذا بهذه العبارات موزونة ومقفاة، لكن في الليلة نفسها، سهرت الليل بطوله، محوت وكتبت وأتلفت أطنانا من الأوراق، وفي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة كاسف البال، شاحبا، لأقول لأستاذي لست شاعرا، فطيلة الليل لم أنجح في كتابة قصيدة، وبذلك أعطاني أحد الدروس الأساسية، "لا تذهب إلى الشعر، دعه يأتي إليك". هذه في الحقيقة كانت الموعظة الأولى والدرس الاول في مجال الكتابة. طبعا في المدرسة الثانوية هموم الطالب الثانوي، غزل في زميلة، هجاء في معلم، هكذا تبدأ العلمية، إلى أن يحس الانسان بأنه متورط في هم كبير، هم وطن، هم شعب، هم أمة، ويجد في القصيدة وسيلة لحفظ التوازن بينه وبيه همومه، وبينه وبين العالم الخارجي.

س- وهل تعتقد أنك نجحت في حمل هذا الهم وتوصيله؟

ج- لو لم يكن لدي إحساس بأني حققت هذا التوازن بيني وبين ذاتي، وبيني وبين العالم من خلال القصيدة، لكنت قد ذهبت إلى منحى آخر، وسئلت مرة لو لم تكن شاعرا، ماذا يمكن أن تكون ؟ قلت ربما ممثلا أو موسيقيا أو رساما، أو قاتلا محترفا، كان لا بد لي من أداة للدفاع عن ذاتي وعن كياني وعن وجودي، ولذلك لا أتساءل أمام الاجابة الراهنة، وهي أني وجدت اكتفائي الذاتي من خلال القصيدة.

س- هل تتذكر أول قصيدة؟

ج- في الحقيقة لا أذكر، لكن مجموعتي الشعرية الأولى "مواكب الشمس" التي صدرت في العام 1958 فيها قصائد كتبتها وأنا في الثالثة والرابعة عشرة من العمر، هذه كانت البداية.

س- ماذا يعني كونك درزيا؟

ج:في الحقيقة كل واحد منا ولد في حلقات، ومن هذه الحلقات تتكون السلسلة، والسلالة، ولدت عربيا، قبل كل شيء، في أسرة إسلامية على مذهب التوحيد، أو ما يسمى المذهب الدرزي، أجدادي كانوا من الأئمة والشيوخ والفقهاء، وفهمت ما أفهمه حتى هذا اليوم، أن الاجتهاد المذهبي في الإسلام، من فضائل العبقرية الإسلامية، ومن هنا أيضا، من وجود المذاهب والفرق الأخرى، توصلت إلى الحديث النبوي الشريف، الذي اعتبره أهم مقولة في جميع الفلسفات والديانات والعقائد والايديولوجيات، الحديث الشريف (من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر). الاجتهاد بحد ذاته فضيلة، كوني درزيا يعني لي كما أسلفت أنني انتمي إلى مجموعة مقاتلة تستوطن الجبال، تدافع عن الوطن، والعروبة، والإسلام، تتشبث بالقيم العربية الأصيلة، الكرم والشجاعة، النخوة الشهامة، هذه في الحقيقة المفاهيم الأساسية، لأنني في الحقيقة لست متدينا، أنا رجل علماني، لكنني احترم الديانات، احترم المذاهب، احترم الاجهاد، هذه اللفظة تعني لي الخروج على الظلم، تعني أبا ذر الغفاري، وأوائل الشهداء العرب والمسلمين.

س: ما أقصده بسؤال حول كونك درزيا تنتمي إلى طائفة التوحيد، هل تلقيت ثقافة في البيت تختلف عن ثقافة الشارع والمدرسة؟

ج: أولا بالنسبة للفرق أذكر أننا التقيان في ايطاليا في مهرجان للثقافة العرب، وصادف أن كنا في رحلة، وكان في الباص مجموعة من السنة، والدروز والمسيحيين، والشيعة والعلويين، وجرى نقاش كدعابة حول الفرقة الناجية. وإذا بالأخ المصري، قائد الفرقة الموسيقية المصرية، يقول بخفة الدم المصرية المعروفة، يقول لاتختصموا الفرقة الناجية هي الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن.

نتعامل مع هذه المسألة بروح ودية وبروح المحبة، تربيتي في البيت هي تربية عربية اسلامية لا تقبل المساومة في القيم والمفاهيم العربية والإسلامية الأصيلة، وهكذا أحاول أن أربي أبنائي، وإذا كان هناك شيء خاص فهو التواضع، لأني كنت أسمع من الشيوخ والأجداد أن التواضع هو طريق المؤمن إلى الجنة، كنت أحب تواضعهم ومصافحتهم، حيث يقبل أحدهما يد الآخر، فهذا الجو من الرحمة والألفة كان له أثر في تربيتي ومسلكيتي.

س- أستاذ سميح حسب ما عرفنا أنك لم تكن تعاني الفقر أو الحاجة، وفي احدى شهاداتك قلت أن الفقر شرطا للإبداع، هل لك أن تحدثنا عن حياتك المترفة، حياة الطفولة؟

ج- لا أسميها بالحياة المترفة، هذه الفئة من الناس الملاكين، أو من يمكن تسميتهم بأرستقراطية الريف، ليسوا من الإقطاعيين، لكنهم ملاكون، يؤمنون للأسرة العيش الكريم، لكن من حيث المبدأ أن الكثيرين من الشعراء والفنانين والكتاب والسياسيين، يميلون لتصوير الطفولة البائسة، ويشكون منها، ليبرروا وصولهم، أنا أرفض النظرية القائلة أن الألم هو مصدر الفن والإبداع. نحن نقول ذلك لأننا لم نجرب الفرح، لكن من شأن الفرح أيضا، والرفاهية والرخاء أن تكون مثارا للالهام والإبداع، لذلك لا أتوكأ على طفولتي، لا أستعير مبررات التعاطف من طفولة بائسة. الأمر البائس الوحيد في طفولتي هو النكبة.

س- أستاذ سميح كيف استطعت أن تشق عصا الطاعة على طائفتك واخترت طريقا مغايرا لخيارات الطائفة؟

ج- لا يوجد شيء اسمه قرارات الطائفة، لا توجد طائفة عن الدروز وعند السنة تجتمع وتأخذ القرارات، هذا وهم، لذلك أنا أرفض التقسيم الطائفي أصلا، لأن كل طائفة فيها التيارات المتعددة والمتفاوتة الموجودة في المجتمع. بالنسبة للعلاقة مع الإسرائيليين، لم يكن هناك قرار طائفي، فئة من الطائفة الدرزية في عام 1948 ما تقوله أنها أحست بخيانة أن فلسطين تباع، لذلك لا بد من وجود تفاهم مع اليهود، على وقف القتال مقابل البقاء في الوطن. هذه مجموعة صغيرة كان منها من هم دروز، وسنة ومسيحيون، والدليل أنه بقيت في فلسطين بعد النكبة 150 ألف نسمة، منهم 15 ألف من الدروز. إذا هذه أكذوبة إسرائيلية، لم يكن هناك قرار بالتعاون مع اسرائيل، أو الصهيونية. الليالي الثلاث قبل اجتياح قرية الرامة قضيناها أنا وأفراد أسرتي نياما في ثيابنا وأحذيتنا، لأننا كنا نتوقع العقاب الشديد من الصهاينة بسبب مشاركة الأقارب في القتال، وفقط في اللحظات الأخيرة أخبرنا أن هناك تفاهما مع بعض القيادات العربية من جميع الطوائف على بقاء بعض الناس في وطنهم.

س- ولكن أستاذ سميح الطائفة حسب ما هو معروف تتعامل مع الإسرائيليين؟

ج- هذا كلام غير صحيح، وافتراء صهيوني ومن بعض عملاء اسرائيل من داخل الطائفة.

س- هناك العديد من أبناء الطائفة عملوا حكاما إداريين ومحققين في السجون، أنت تمردت ولم تخضع لهذه الخيارات، لم نراك لا حاكما بل شاعرا عربيا ملأ الدنيا وشغل الناس؟

ج- هناك مخطط صهيوني اسمه فرّق تسد، وهذا المخطط بدأه بن غوريون باعلانه الرغبة في تجنيد المواطنين العرب، حسب الوثائق الصهيونية، تدفق قرابة 50 ألف مواطن عربي للتجند في الجيش الإسرائيلي بعد 1948 مباشرة، فخاف بن غوريون أن يصبح جزء كبير من الجيش الإسرائيلي من العرب، وقال لنذهب إلى الطوائف الصغيرة، الدروز عددهم 15 ألف، الشركس عددهم قرابة الألف، المسيحيون الكاثوليك، ثم توجه نحو البدو، ثم فتح الباب للتطوع للسنة والأرثوذكس ولذلك قضية التجنيد الاجباري هي مؤامرة صهيونية تصدى لها قياديون وكبار شيوخ الطائفة العربية الدرزية، ورفضوا التجنيد الالزامي في الكرمل، ولكن في مرحلة حكم عسكري، وضع بن غوريون هذا القانون بهدف التفرقة. الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة الدرزية لا ينضمون لحزبي الليكود أو العمل، هناك جميع الأحزاب العربية، والجبهة الديموقراطية وأحزاب اليسار حصتها من الطائفة الدرزية أشبه بحصتها من الطوائف الأخرى. لا تصدقوا فرية حلف الدم، هذه فرية صهيونية سافلة، تبناها بعض الخونة والعملاء والمتعاونين، ولكنها فرية ساقطة، سقطت تاريخيا وسقطت في يوم الأرض، حين صعد عدد من المجندين الدروز إلى سطوح منازلهم بالبنادق الإسرائيلية بانتظار زحف قوى الأمن الإسرائيلية. ووجود ضابط هنا أو هناك في هذا الإطار لا يعني أكثر من وجود ضابط عربي في الجيش الفرنسي أو البريطاني. لا أقبل أن تمر الفرية الإسرائيلية وأن تنجح في خلق حاجز من الشك، لا أتكلم عن كراهية، لا يوجد كراهية بين أبناء الشعب الواحد. أرفض أن تنجح الصهيونية في بذر الشكوك بين الأخ وأخيه. هناك مجندون دروز بالقوة، وهناك آلاف دخلوا السجون لرفضهم الخدمة العسكرية، وهناك متطوعون من الطوائف الأخرى. أنا أرفض أن يقال الدروز يتجندون عنوة، والسنة يتطوعون، لأنها مسائل فردية، هناك متطوعون لغياب الوعي القومي والوطني، لكن أرفض مشروع تجزئة الشعب الفلسطيني إلى طوائف، وتجزئة الأمة العربية الى طوائف ومذاهب وعشائر، أمة عربية واحدة، المسلم فيها أخ المسيحي العربي، أمة متشاركة في الهم والحلم. فيها من خرج على نصنا وعلى روحنا حسابه عندنا وعند الله، ولكنهم لا يمثلون سوى قلة هامشية ستذهب جفاء ويمكث في الأرض أبناؤها المخلصون.

س- انت ابن هذه الطائفة، كنت معرضا بأن تنجرف مع هذا البعض، هل هو الشعر، أم الارادة أم الوعي السياسي الذي منعك أن تذهب إلى ما ذهب إليه البعض في الطائفة؟

هذا البعض ليس لديه قيمة دينية أو اجتماعية تجعله قدوة للآخرين، في الطائفة العربية الدرزية في فلسطين، لم تنشأ قيادة مركزية، مثلا في سوريا هناك آل الأطرش وآل عامر وبعض العائلات ذات النفوذ الشامل، في لبنان هناك آل أرسلان وآل جنبلاط. في فلسطين لم تنشأ هذه الظاهرة على الإطلاق، في كل قرية هناك زعامة محلية، ولم يكن من حق أي كان أن يتكلم لا في الماضي ولا اليوم ولا غدا.

هناك مجلس ديني، رئيس المجلس يتكلم بأسم المجلس، ولا يتكلم بأسم الطائفة الدرزية، عضو الكنيست هو عضو عن حزبه، عضو الكنيست عن الليكود. وعضو كنيست من حزب العمل يستطيع ان يتكلم باسم حزب العمل عن طائفته. لا يوجد حزب سني ولا درزي ولا مسيحي.

لم تنشأ قيادة يتمثلها الناس، وفي كل بلدة وقرية، كان هناك قيادة، شيوخ عائلتي كانوا قيادة في قريتهم، لم يتلقوا التوجيهات، ويرفضون أي توجيهات من خارج قريتهم.

هناك مئات من الشبان العرب الدروز، الذين رفضوا هذه المؤامرة، ودخلوا السجون، لكن الاعلام الصهيوني ركز على الوجوه الذين تعاملوا معه، ونسبتهم لا تتجاوز واحد أو اثنين بالمئة من أبناء الطائفة.

هذا الوهم يجب إلغاؤه، وبهذه المناسبة أريد أن أرد على من يقول في الوطن العربي، بأن الشعب الفلسطيني باع أرضه، ونحن نعلم أن سرسق وسلام وغيرهم من الذين باعوا الأرض في فلسطين، لم يكونوا من الشعب الفلسطيني، ولا يمثلون الشعب الفلسطيني.

الشعب الفلسطيني لم يبع أرضه، ولا يوجد لدينا طائفة عميلة ولها حلف دم مع الوحش الصهيوني، ولا يوجد لدينا بثور على جسد هذا الشعب، وأرفض القول الذي يتكرر الآن في نقاشنا مع جماعة أنطوان لحد، الذين يقولون يوجد 50 ألف فلسطيني متعاون مع اسرائيل، وحتى لو كان يوجد 50 ألف متعاون هناك 10 ملايين فلسطيني يرفضون الاحتلال والتعاون معه. أرفض دمغ شعب أو طائفة أو عائلة أو عشيرة بجريرة أفراد هامشيين زائلين مع رياح التاريخ.

س- بدأت حياتك شيوعيا، ولكنك عشت حالة توتر مع الحزب الشيوعي، هل لك أن تتحدث عن أسباب هذا التوجه، وأسباب حالة التوتر؟

ج- بدأت حياتي طفلا مصدوما، يطرح أسئلة ويبحث عن اجابات، وبدأت بسؤال لماذا. لماذا يحدث لي ما حدث؟ وبطبيعة الحال كان هناك التوجه القومي، وكان جزءا من تكويني النفسي والثقافي، وحين نشبت ثورة الضباط الأحرار في مصر، فقد آمنا بها جميعا، حتى إنني في نهاية فترة الخمسينات، بعد فرض قانون التجنيد الإجباري على العرب الفلسطينيين الدروز، شكلت منظمة الشبان الدروز الأحرار، وهي لمقاومة هذا المخطط الصهيوني الخطير. وفيما بعد كانت لي حركة متميزة بحركة الأرض، وكنت من المساهمين في هذه الحركة القومية. ولكن في داخل التيار القومي اتجاه أستطيع أن اسميه بالمحافظ أو اليميني، واتجاه يساري، كنت منتميا لهذا الاتجاه.

رفضت محاولة خلق صراع بين الهم القومي والفكر الثوري، حتى 1967، كنت محسوبا على التيار القومي الناصري، ولم أكن سوى صديق للحزب الشيوعي، لأنه الحزب الوحيد الذي ناهض الصهيونية بوضوح، وطرح شعار حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، وحق اللاجئين في العودة، قبل أن يطرح هذا الشعار في أي بلد عربي من أقطار سايكس بيكو، وما يسمى جامعة الدول العربية، هذا الحزب طرح هذا الشعار في الشارع أيام الحكم العسكري، دافع عن الهوية القومية، دافع عن الأوقاف الإسلامية، دافع عن الدين الحنيف وعن جميع المذاهب، عن المقدسات، لذلك في السجن الإسرائيلي، صبيحة الخامس من حزيران، حين كانت تتوالى أخبار الهزيمة، ونسمع الإذاعة الإسرائيلية العبرية، تعلن مع الموسيقى الراقصة، الضفة الغربية في أيدينا، شرم الشيخ في أيدينا، الجولان في أيدينا، القدس في أيدينا، شعرت أنني ملزم بخيار من ثلاثة، الانتحار ووضع حد لهذا العار، أو التصوف والذهاب إلى كهف من كهوف الأرض التي بقيت لي، أو الذهاب إلى طريق أكثر ثورية وأكثر وضوحا.

كان معي في السجن عدد من قادة الحزب الشيوعي، وقالوا لم يعد أمامك بعد هذه الهزيمة، بعد هذا التورط في أكاذيب الأسطول الأقوى في البحر المتوسط، والأغاني الحقيرة من طراز في البحر حندفنكم في البحر، وحندحر قواتكم دحر، وكل هذا الضجيج الأحمق والكاذب، كان علي أن أختار واحدة من ثلاث، فاخترت الانضمام للحزب الشيرعي، الحزب الوحيد المناهض للصهيونية، والذي يعترف وينادي بحقوق شعبي وأمتي.

س-هل اخترت هذا لاتجاه كون هذا الحزب هو الذي تصدر واستوعب نضالات الجماهير العربية في ذلك الوقت؟

ج- بدون شك، قلت في لقاء سابق مع التلفزيون السوري: الذي يحب لا يستطيع أن يكذب على المحبوب، وأنا لم أذهب إلى صفوف الحزب الشيوعي من أجل دحر الرأسمالية وإقامة النظام الشيوعي العالمي، بل من أجل الدفاع عن كياني وأرضي ووطني وهويتي القومية التي لا تتناقض مع الوعي التقدمي المكتسب من وعيي القومي والديني والمذهبي، فأنا أومن الآن أن القيم الأساسية في الإسلام، هي قيم ثورية، والقيم الأساسية في مذهب التوحيد هي قيم ثورية، لذلك لم أجد اطارا أقرب لنشاطي، وأنا انسان لا أومن فقط بالكلمة، اريد الفعل.

س- ولكن علاقتك بالحزب شابها القلق والتوتر، لماذا؟

لأكثر من سبب، ذاتي وموضوعي كما يقال في التحليل الفلسفي، السبب الذاتي هو انني لا اطيق التعليمات ولا اطيق الالتزام بما لا يقنعني مئة بالمئة، هذه الصفة حولتني لطفل متمرد في العائلة، وادخلتني في صراعات ونقاشات مع رفاقي القياديين وغير القياديين، والمسألة الاخرى يبدو انني لم اجد في ايدلوجيا الحزب ما تستجيب لكل البراكين التي تعتمل في آعماقي ولم أجد في الحزب البعد الحضاري والقومي والعربي والاسلامي بصراحة، على سبيل المثال حتى لا نتكلم في التجريد، كنت في اطار وفد من الحزب في الاتحاد السوفيتي، ودعينا هناك في تبيلسي عاصمة جمهورية جورجيا، وهناك يوجد مسجد، فطلبت زيارته فكان هناك شيخ قوقازي وحيد، هو حارس المسجد وهو الطائفة وهو الامام وهو كل شيء، كان هناك صندوق صغير على أحد الجدران، سألته عنه، قال هذا للتبرعات من أجل تجديد السجاد وترميم المسجد، فقد يأتي ذات يوم ويصلوا. بحركة عفوية أخرجت ما معي من نقود ووضعتها بالصندوق، لان المسجد بالنسبة لي ليس مكانا دينيا فقط، المسجد هو معلم قومي، معلم حضاري لا يمكن الا ان يقشعر بدن العربي سواء كان مسلما أم مسيحيا، لا بد أن يقشعر بدنه وهو يزور معلما عربيا اسلاميا في بقاع الارض. لا اعتقد ان هناك عربيا لا ينفعل عندما يزور قصور الحمراء، ومسجد قرطبة، لذلك أنا تصرفت بعفوية وبصدق، وهذا التصرف ساء مرافقي السوفييت واحتجوا، واعتبروا ذلك نوعا من السلفية والتخلف او عدم التخلص بما يسمونه الرواسب القومية والدينية.

هناك حقيقة قضايا اخرى كانت سببا للخلاف في قضية غورباتشوف وكانت هناك أسباب، ولكن يجب أن يكون واضح بأنني اعتز بكل لحظة قضيتها في صفوف هذا الحزب، ولا أتبرأ كما يفعل البعض، ولم يكن لانتمائي وعملي في المظاهرات، في السجون وفي الصدامات والمواجهات، وفي تنظيم يوم الارض المجيد، لم أجد تشكيل لجان الدفاع عن الاوقاف كلجنة المبادرة الاسلامية، ولجنة المبادرة التركية، ولجان الدفاع عن الاوقاف الاسلامية، وكل ذلك النشاط الذي قمنا به في اطار الحزب الشيوعي ليس سببا للاعتذار، كل ما في الامر أنني انتقلت من خندق نضالي بدا لي ضيقا، الى خندق الوطن الكبير من المحيط الى الخليج، والوطن الصغير والعالم. معركتي لا تنحصر في حدود الرامه، او في حدود فلسطين او الوطن العربي. اخترت بمحض ارادتي أن أكون داعيا للعروبة ولفلسطين وللاسلام الحنيف والنظيف والحر والحي في كل مكان من اصقاع الارض.

-س: كيف وفقت بين اسرائيليتك وقوميتك، وأنت تنتمي لشعب يعادي دولتك، ودولة تعادي شعبك، كيف توفق بين ذلك؟

في السؤال شيء من المناكفة الجميلة، وهي طرفة بين اسرائيليتك وفلسطينيتك، فأنا لم أكن اسرائيليا في أي وقت من الأوقات، لا استطيع أن أكون اسرائيليا واسرائيل لا تريدني أن اكون اسرائيليا، هناك وهم، نحن نحمل الهوية وجواز السفر الاسرائيلي وكل ما يجعل اقامتنا وتحركنا ممكنا. لا يحق لاحد أن يعرفني بأنني اسرائيلي ، انا أحمل بطاقة التعريف وجواز السفر الاسرائيلي، لكن الاسرائيلية انتماء فكري وسياسي وديني وعقائدي، وليست انتماء سياسيا أو جغرافيا. أنا لم أختر ولم إنشئ اسرائيل وليست حلمي الشخصي آو القومي أو الوطني، لذلك لم أشعر بما يسمى التناقض الذي تلمظ به بعض الاخوان، ومشكلة المواجهة بين دولتي وشعبي، هذا كلام سخيف، كلام متأسرلين ولا علاقة لي به على الاطلاق. اعرف ما يتوجب عليّ من أجل البقاء في وطني، المهم أن أبقى في وطني وأحافظ على هذا التراب في الوطن. قلت سابقا وأكرر هذا الان، حتى لو فرض عليّ أن أدمغ بنجمة داوود على جبيني، مقابل البقاء في الوطن، فسأفتح جبيني لنجمة داوود.

أنا لا أشتغل بالشعارات الفارغة، الذي يعنيني هو الممارسة، والبقاء في الوطن هو المهمة الأولى، أنا أحمي حفنة من تراب الوطن، الثمن هو مهر هذه العروس. العروس جميلة، وبلادي جميلة، وقريتي جميلة وبيتي جميل، وزوجتي نوال وأبنائي وطن ووضاح وعمر ومحمد وياسر، وأبي وأمي وأجدادي وأقاربي ،قريتي، جديرون بأن أدفع هذه الضريبة وهذا المهر للبقاء في الوطن.

-س: أنت تنتمي لأقلية طائفية داخل أقلية قومية، كيف تعيش؟

أيضا هذا السؤال غريب عليّ، بصراحة اسمح لي، قد أبدو لكم ديناصورا أو كائنا فضائيا، ولم أبد كذلك، ولكن لم أشعر في أي وقت من الاوقات بأنني أقلية، أو أنني أنتمي لأقلية، لم أشعر على الاطلاق، أنا أنتمي لـ 250 مليون عربي، وهم ليسو أقلية، الانتماء الاول هو الانتماء الكبير، أنا في بريطانيا أشعر أنني أكبر من الانجليز، وفي فرنسا أشعر أنني أنتمي لأمة أكبر من الفرنسيين، انتمائي الاول والعفوي والمباشر هو الانتماء لـ 250 مليون وهم ليسو أقلية. وبالدخول للتفاصيل أنت من الشعب العربي الفلسطيني، هو شعب صغير، "شُعيب" من شعوب هذا العالم وهذه الامة، ولكنه شعب جميل وشجاع وذكي ومناضل وعنيد، وهو شعب من برج الثور مثلي. لذلك فانتمائي عربي وطني فلسطيني، والانتماء الاسلامي العريض، والانتماء المذهبي الدرزي التوحيدي، ثم الانتماء الاسري. أنا أنتمي إلى عائلة كما ينتمي كل عربي وكل أوروبي. هذه الانتماءات كما قلت هي دوائر، أنا لا أبدأ بالدائرة الصغيرة، ولا أبدأ بتعداد أفراد عائلتي آل حسين، من أكبر آل حسين او آل الحسيني؟ أنا لا أتعامل مع تعداد أفراد العائلة، من أكبر حمولتي أم حمولتك؟ وهذا سؤال غريب عجيب بالنسبة لي.

-س: ولكن هذا واقع معقد؟

صحيح هذا ليس واقعا معقدا بالنسبة لي، والتعامل مع الواقع اذا كان معقدا أو غير معقد فهذا يعود لنا، فنحن نقرر ما هو المعقد وما هو غير المعقد، في انتمائي وفي حياتي لا يوجد شيء معقد على الاطلاق، الكل واضح، انتماءاتي واضحة، هناك انسجام بين انتماءاتي جميعها، ولا أجد تناقضا كون جدي من هذا المذهب أو ذاك، لو كان جدي قبطيا أو علويا أو مارونيا، لكنت تسمع مني هذا الكلام نفسه. ليس لدي حساسيات وتعقيدات انتمائية، وربما لهذ السبب يميل الكثير من النقاد بتقدمي بـ " شاعر العروبة" هي ليست قيمة نقدية بل برأيي قيمة فكرية يراها النقاد. وأراها بحق لم أسقط في شرك سايكس بيكو، أحتقر ما يسمى بالدويلات العربية وأسميها بالحظائر العربية وأرفض هذا المشروع وسأظل رافضا الى يومي الأخير، وكل من يقول إن هذه حقائق تحولت إلى حقائق، هي مرفوضة ولا توجد هذه الحقائق. حدود سايكس بيكو هي عدونا الأول، وكما قلت قبل فترة في مصر ما هو مصير اسرائيل؟ مصير اسرائيل من مصير سكايس بيكو، اسرائيل لم تنشأ إلا بمشروع سايكس بيكو والدول العربية شيء آخر، اسرائيل والدويلات العربية أقيمت لضربي والاعتداء عليّ شخصيا.

-س: كيف ترى الصورة الآن استاذ سميح من حقك أن تقول أنك لا تنتمي الى طائفة، وأنك تنتمي لـ 250 مليون؟

ج:أنا أعتز بكل انتماءاتي، ولا استطيع أن أتعامل مع العالم من منظار طائفي.

-س: كيف ترى الصورة الان وقد تفككت الجماعة وتفرق الصحب، وانهارت المبادئ وذابت الدولة القومية، كيف ترى الصورة؟

ج: نحن في أرذل الوضع....

س: هل ما زلت متمسكا بالذي تتحدث عنه؟

ليس أني متمسك، بل ازددت تمسكا، وكلما زاد ظلام الحالة العربية كلما تأكد لي أنه لا خلاص لنا إلا بهذا الطريق، وأبدا على هذا الطريق، وكل الويلات التي أصابتنا نحن نعرف سببها، نحن نعرف أن 250 مليون يستطيعون أن يقيموا دولة عظمى، لا تقل جبروتا عن أمريكا وروسيا واليابان والصين، لدنيا العدد والارض والخيرات، ولدينا العقول، ولدينا كل ما يتيح لنا أن نكون أمة قائدة ودولة عظمى. هذا متوفر لدينا والذي يمنع تحقق هذا هم فئات مستفيدة من التجزئة الاقليمية، بمثل ما يوجد فئات مستفيدة من التجزئة الطائفية في لبنان. الطائفية السياسية في لبنان هي ليست خيار الشعب العربي في لبنان وليست خيار أشقائنا العرب هناك، هي خيار فئة ارتبطت بالاستعمار، ووضعت هذا الاطار ووضعت ما يسمى بالطائفية السياسية، والطائفية العربية هي جزء من تمرير مصالح فئات ضيقة في المجتمع اللبناني، والدويلات العربية جزء من مؤامرة لتمرير مصالح الدول المستفيدة. اذا كان هناك مختار في قرية صغيرة، لا يريد أن يكون عضو مجلس بلدي في مدينة، هو يريد أن يظل المختار في قريته، وانا أقول له قريتك ستبقى قرية متخلفه، كن مختارا، ولكن القرية ستظل قرية متخلفة. إذا أردت أن يصبح لديك مدينة متطورة فعليك أن تتنازل عن أبهة المختار إلى مسؤولية عضو المجلس البلدي. كيف يتم ذلك؟ هناك من يدعو للوحدة القصرية على طريقة بسمارك، وأنا أدعو لوحدة باسم الله، وليس وحدة بسمارك، وأعني بوحدة باسم الله القناعة والتثقيف،التوعية، الرضا، الديموقراطية،حرية الانسان، حرية الفرد. لا يوجد تناقض بين مصلحة الانسان العربي في العراق ومصالح الانسان العربي في فلسطين والاردن، التناقضات هي فوقية، لذلك الحلول لا يمكن أن تكون فوقية، الحلول الفوقية سقطت، فمشروع الوحدة والجمهورية العربية بين القطر المصري والسوري. الشعب العربي في مصر وسوريا رقَص وغنّى ورحّب، من الذي تآمر على الوحدة وأسقطها؟ الشركة الخماسية وأشخاص مرتبطون بالاستعمار وبالصهيونية مباشرة. اذن من حقي كعربي وكمواطن عادي، دع الشعر والسياسية جانبا، كانسان عربي من حقي أن تكون لي كرامة في هذا العالم، ما دمنا بدون دولة عربية ديموقراطية علمانية حرة، لن تكون لي كرامة لا في اوروبا ولا في أمريكا، لا تصدق، ولا أحد يحترمني لا في الشرق ولا في الغرب.

-س: هل ترى الصورة؟

نعم أنا أرى وأحتك بالناس وأعرف الناس.

-س: هل تراها صورة شاعرية؟

لا لا، ليست صورة شاعرية، وأريد أن أذكركم قبل أعوام حين كنت في تونس في مهرجان، وقلت للاخوة هناك في منظمة التحرير سنلتقي في الوطن قريبا، قال أحدهم هذا خيال شعراء - قلت وهذا كلام مسجل ومعروف - قلت ليس هناك على الأرض ما هو أكثر واقعية من خيال الشعراء. الوحدة العربية ممكنة، وليست مستحلية، بمثل ما أصبح قيام الدولة الفلسطينية الحرة كمرحلة لانقاذ الارض من الاحتلال الاسرائيلي، لان قيام الأرض الفلسطينية سيعقبه على الفور دعوات للوحدة مع أي قطر عربي.

-س: ما الذي يدفعك في الشواهد المرئية على الساحة العربية للاعتقاد بوجود ما يبرر مفهوم الوحدة العربية في الوقت الذي نرى القطرية انهارت في ظل العولمة وانفتاح العالم؟

القطرية والاقليمية والمذهبية أيضا، هناك دويلات مذهبية، لا تنسى ذلك، هذه الامور ليست من صنعنا نحن، هي من صنع اعدائنا، اعتقد ان العربي المتوسط في الثقافة والوعي يدرك هذه الحقيقة، يدرك أننا ننهب اقتصاديا، يدرك أننا عاجزون عن مواجهة اسرائيل عسكريا، يدرك أننا ليس لدينا مكان محترم بين شعوب العالم، يدرك أن أي موظف امريكي او اسرائيلي أو بريطاني يستطيع أن يهيننا في بيوتنا لأننا مجزأون، لذلك ليس بخيال الشعراء بل بالضرورة من أجل أن نعيش بكرامة، من أجل أن لا تسرق لقمة أطفالنا، من أجل أن يحترمنا العالم، من أن أن تحترم لغتنا وثقافتنا وحضارتنا وديننا، من أجل كل تلك الامور البسيطة. اسمح لي شوي، أنا لا أبني مواقفي ورؤياي على رؤيتي، لا أبني الرؤيا على الرؤية، وهي مرعبة، ولكن الرؤيا تبنى على تاريخ عميق وعلى ثقافة وحضارة. سؤال بسيط: ألم نكن في يوم من الايام دولة عظمى؟ الجواب بلى كنا. ألم نكن الأمة الرائدة حضاريا؟ بلى كنا. أربعمئة عام واوروبا تعيش على الطب العربي، ثمانمئة عام والحضارة العربية تغطي العالم. الحضارة الاوروبية الان هي الامتداد الشرعي للحضارة العربية الاسلامية، لذلك ارفض العدميين العرب، الذين فقدوا كرامتهم الشخصية والقومية وذهبوا الى العدمية القومية والى التماهي والذوبان الى كل ما هو عربي وأرفض ايضا الاصولية المتخلفة الجاهلة القاصرة، التي تزعم أن حضارة الغرب هي عدوتنا، أقول أن حضارة الغرب هي امتداد لحضارة العرب، ليست عدوتنا وليست نقيض لنا، هي امتداد نأخذ منه ليس فقط سيارات المرسيدس ومكيفات الهواء والدمى ومكيفات آخر الليل، هناك الكثير نأخذه من الغرب دون أن نشعر بأننا نشحد، نحن نسترد بضاعتنا.

-س:نعود لبداياتك في الحزب الشيوعي، هل استطاع الحزب الشيوعي ان يستوعب نضالات الجماهير العربية وأن يشكل خطابا ثقافيا وسياسيا مختلفا في اسرائيل، وأين أصاب الحزب وأين أخطأ؟

نعم، اعتقدت بأنك ستسألني بأن نظرتي الأممية مستمدة من الحزب الشيوعي. في الحقيقة نظرتي الاممية التي لا ترى التناقض بين عربي وعلوي، ولا ترى التناقض بين عربي وأجبني أيضا، في المحصلة النهائية هي الاساس مصلحة عربية اسلامية، الحضارة العربية الاسلامية هي حضارة انفتاح وتفاعل وأخذ وعطاء، وليست حضارة انغلاق وانسداد وتحفظ من الاخر. وجاء الفكر الماركسي اللينيني أيضا ليعمق هذا التوجه لدي، وليس لمواجهة مع هذا الاثر. توجهي كما قلت للحضارة العربية الاسلامية هو توجه لفكر ثوري تقدمي ومتنور، ولم أجد في الشيوعية نقيضا لهذا الوعي الحضاري. لا أدخل في التفاصيل في أصل الكون وفي الخالق وفي الطبيعة، نحن نرى كيف تنهب أرضنا شبرا شبرا، وكيف تحرق قبورنا، وكيف تبنى الفنادق على مقابرنا، وكيف تحول المساجد والمعابد والأماكن المقدسة الى خمارات ونواد ليلية والى مطاعم ومتاحف. لذلك لم ندخل إلى التفاصيل الفكرية والايدولوجية. ووجدنا القاسم المشترك الأعظم في قضية الشعب، قضية الارض، قضية اللاجئين المشردين، لذلك كما قلت بالفعل هذا الحزب هو الموقع الوحيد الذي رفع الشعارات المنسجمة الى حد بعيد، وبعيد جدا مع طموحاتي كعربي فلسطيني قومي اسلامي موحد تقدمي انساني وشمولي، لم اجد التناقض الجوهري بين همي وهم هذا الحزب لذلك تعاونا ردحا طويلا من الزمن.