اليأس يخنق شباب غزة ويبدد تطلعاتهم للمستقبل

غزة - "القدس" دوت كوم - (شينخوا) يسيطر اليأس على الشاب محمود طه، في منتصف العشرينات من عمره من قطاع غزة حتى أنه لا يضع فكرة الزواج ضمن تطلعاته للمستقبل الذي لا يرى فيه أفقا لوضع أفضل.

ويعزو طه ذلك إلى أن أقصى ما يحصله من عمله اليومي على مدار 15 ساعة لا يتعدى مبلغ 20 شيكلا إسرائيليا (نحو ستة دولارات أمريكية)، وهو بالكاد ما يؤمن من خلاله الحد الأدنى من احتياجاته اليومية. ويعمل طه بائعا في "كشك" صغير للمشروبات الساخنة يستأجره في مرفأ غزة البحري، وعادة ما يبدأ نهاره من الساعة السابعة صباحا حتى ساعة متأخرة بعد منتصف الليل.

ويقول طه عشية اليوم الدولي للشباب الذي يصادف يوم غد السبت إن عمله شاق ويستنزف معظم وقته ومن دون إجازات، لكن من شبه المستحيل العثور على عمل بديل بمواصفات أفضل. ويضيف أن ما يزعجه أكثر من إرهاق عمله هو ضعف المردود المالي وتأثير ذلك على انعدام فرصة تكوين مستقبل جيد إذ أنه يعمل منذ سبعة أعوام ولم يدخر أي مال حتى الآن.

لذلك فإن طه يقول، إنه يستبعد من تفكيره التخطيط للزواج والارتباط "فما أحصل عليه من مال بالكاد يكفيني لمصروفي اليومي ولا يمكن أن يساعدني على تكوين عائلة أو مجرد التفكير بذلك".

ويُفرض على قطاع غزة الذي يقطنه ما يزيد عن مليوني نسمة حصار إسرائيلي مشدد منذ منتصف عام 2007 أثر سيطرة حركة حماس على الأوضاع فيه بالقوة.

وإلى جانب الحصار، شنت إسرائيل ثلاث عمليات عسكرية واسعة النطاق ضد قطاع غزة، الأولى نهاية العام 2008 وبداية عام 2009، والثانية في نوفمبر 2012 وصولا إلى الهجوم الأخير في صيف عام 2014 لخمسين يوم متواصلة.

كما يعاني قطاع غزة من استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي مع الضفة الغربية وتعثر جهود المصالحة وعدم بسط حكومة الوفاق التي تشكلت قبل ثلاثة أعوام سيطرتها على الأوضاع فيه مع استمرار خلافاتها مع حركة حماس.

ودفع ذلك إلى أن تصبح نسبة البطالة في أوساط سكان قطاع غزة بشكل عام من بين الأعلى في العالم بحيث وصلت إلى أكثر من 42 في المائة من إجمالي السكان، بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للإحصاء.

وتقدر تلك الإحصائيات عدد الشباب في قطاع غزة للعام 2015 بحوالي 542 ألف نسمة، منهم 275 ألف ذكر و267 ألف أنثى بنسبة جنس مقدارها 103.0 ذكر لكل 100 أنثى.

وتظهر الإحصائيات نفسها، أن 23.6 في المائة من الشباب الفلسطينيين يرغبون بالهجرة، وهي نسبة تصل إلى 37 في المائة في قطاع غزة وتنخفض إلى 15.2 في الضفة الغربية.

وحول سبب رغبة الشباب في الهجرة للخارج تحتل الأسباب الاقتصادية المتعلقة بتحسين الظروف المعيشية وعدم توفر فرص العمل السبب الرئيسي بواقع 40.8 في المائة، و15.1 في المائة للحصول على عمل، مقابل 12.5 في المائة للتعليم والتدريب والبقية لأسباب أخرى.

ويقول عبد الله بريدة، وهو طالب جامعي من قطاع غزة، إن خيار الهجرة مسيطر على غالبية الشباب في القطاع خصوصا طلبة الجامعات أمثاله بسبب يأسهم من العثور على فرصة عمل مستقبلا.

ويشير بريدة إلى أنه شخصيا يركز على العمل أكثر من الدراسة بسبب الإحباط من الوضع العام في قطاع غزة ومعاينته معاناة اثنين من أشقائه والكثير من أصدقائه الخريجين من البطالة.

كما يشتكى من عزلة عامة يعانيها وأمثاله من الشباب بفعل محدودية أماكن ووسائل الترفيه المتاحة أمامهم وحتى وإن وُجدت فإن أوضاعهم المالية لا تساعدهم على الترويح عن أنفسهم.

ويضيف بريدة أنه يحلم أن تتاح له فرصة هجرة إلى الخارج "فوقتها لن أتردد في اغتنام الفرصة حتى لو كلفني ذلك عدم اكمال دراستي الجامعية لأنني لا أثق تماما في العثور على فرصة عمل".

وتقدر إحصائيات محلية بأن نحو 18 ألف طالبة وطالبة يتخرجون في قطاع غزة في وقت تقدر فيه نفس الإحصائيات بوجود أكثر من 100 ألف خريج جامعي حاليا من دون فرص عمل.

وفيما لا يتوقف عداد الخريجين عن الاستمرار في التزايد فإن فرص العمل والوظائف تستمر في الشح والندرة في مشكلة تفاقهما الظروف السياسية وتتيه في تفاصيلها طموحات الشباب.

وحتى خيار الهجرة فإنه يبقى مثار إحباط لدى الشباب في قطاع غزة كون أن أمر السفر يعد أمرا بالغ التعقيد وهو ما يزيد من نقمتهم وسخطهم. إذ تتحكم إسرائيل بحركة عبور البضائع والأفراد إلى قطاع غزة، وعادة ما يقتصر السفر من خلالها لسكان القطاع على الحالات الإنسانية الطارئة ولمن هم فوق سن 40 عاما وبإجراءات تنسيق خاصة.

وبموازاة ذلك يغلق معبر رفح بين قطاع غزة ومصر غالبية الوقت منذ منتصف عام 2013 ولا يعمل إلا في فترات نادرة استثنائيا أمام سفر المرضى والحالات الإنسانية.

ويقول الناشط الحقوقي الفلسطيني مصطفى إبراهيم إن يأس الشباب في غزة وتفكيرهم الدائم بالهجرة بأي وسيلة بات "مشكلة متفاقمة بعد تحول القطاع على مدار سنوات إلى سجن كبير".

ويشير إبراهيم إلى أن قطاع غزة يعاني "أوضاعا كارثية" بعد عشرة أعوام على الحصار الإسرائيلي ووصول معدلات الفقر والبطالة فيه إلى مستويات قياسية خصوصا بين الشباب المحبطين للغاية.

ويعتبر أن جوهر الأزمة هو في عدم وجود أفق للمستقبل في ظل غياب استراتيجيات محلية لخلق فرص العمل بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة وإغلاق المعابر والحصار.

وينبه إبراهيم إلى أن معطيات الواقع الحاصل للشباب في قطاع غزة لا تنتج سوى الإحباط والاكتئاب، ما يدفع العديد منهم إلى الانتحار والإصابة بأمراض نفسية بفعل التهميش والانعزال.

وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 17 ديسمبر عام 1999 أن يكون يوم 12 أغسطس من كل عام يوما دوليا للشباب.

وخصصت الأمم المتحدة يوم الشباب الدولي للعام الجاري للاحتفال بمساهمات الشباب في منع الصراعات والتحول، فضلا عن الإدماج والعدالة الاجتماعية والسلام المستدام.