بعد خطاب هنية.. مراقبون يستبعدون حدوث اختراق في ملف المصالحة الفلسطينية

غزة - "القدس" دوت كوم- استبعد مراقبون فلسطينيون حدوث اختراق قريب في ملف المصالحة الفلسطينية بعد أول خطاب يلقيه رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية، منذ توليه منصبه قبل شهرين.

ويعتبر المراقبون أن عدم تضمن خطاب هنية خطوات جدية تزيل التوتر مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مثل الإعلان عن حل اللجنة الإدارية التابعة لحماس في غزة يبقي الجمود الحاصل في ملف المصالحة دون تغيير.

وكان هنية دعا في خطابه الذي ألقاه في مدينة غزة مساء أمس الأربعاء الفصائل الفلسطينية إلى صياغة برنامج سياسي واضح وموحد يستند إلى القواسم المشتركة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تفي بكل التزاماتها تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء، والتحضير لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وقال هنية "حتى تتحقق استعادة الوحدة الفلسطينية يجب تهيئة الظروف والمناخات وإزالة كل المعيقات، وفي مقدمتها التراجع عن جميع الإجراءات العقابية بحق غزة وأهلها، وقيام حكومة التوافق بواجبها تجاه أهل القطاع".

وأضاف أنه "لا زال المجال مفتوحا أمام حكومة الوفاق لتقوم بواجبها، وحين يتم ذلك لن يكون هناك مبرر لبقاء اللجنة الإدارية (التابعة لحماس)، وسيتم وقف عملها وإنهاء دورها لأنها الآن تقوم بدورها الإداري في ظل حالة الفراغ الذي تسببت به حكومة الوفاق".

وبدأ الانقسام الفلسطيني في العام 2007 إثر سيطرة حركة حماس على الأوضاع في قطاع غزة بالقوة اثر جولات اقتتال داخلي مع قوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية.

وفي حينه أقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس حكومة الوحدة الوطنية التي كانت مشكلة بين حماس وحركة فتح برئاسة هنية، لكن حماس رفضت القرار وأبقت حكومة تابعة لها تدير القطاع.

ورغم تشكيل أول حكومة وفاق من شخصيات مستقلة منذ بدء الانقسام الداخلي وذلك مطلع يونيو عام 2014 بموجب تفاهمات لتحقيق المصالحة توصل إليها قبل ذلك بشهرين وفد من منظمة التحرير وحماس في غزة وتضمنت حل حكومة حماس المقالة في غزة، إلا إن ذلك لم يسهم عمليا في إنهاء الانقسام.

وظلت حكومة الوفاق تتهم حماس بعدم تمكينها من إدارة قطاع غزة والإبقاء على حكومة ظل تديرها، فيما تشتكى الحركة من "إهمال" الحكومة لمسؤولياتها في القطاع وعدم حل أزماته المتفاقمة خاصة صرف رواتب الموظفين الذين عينتهم على مدار سنوات الانقسام.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي من رام الله هاني المصري، لوكالة أنباء "شينخوا" إن خطاب هنية "لم يتضمن شيئا نوعيا جديدا، ولن يؤدي على الأرجح لحدوث اختراق (في ملف المصالحة الفلسطينية) بل لتعميق الانقسام".

ويشير المصري إلى أنه "كان بمقدور هنية أن يحل أو يجمد عمل اللجنة الإدارية في غزة، ويبدي استعداد حماس لإنهاء سيطرتها على القطاع إذا تم قبولها كشريك كامل، وهو ما كان سيمثل ضغطا على عباس ويمهد لاستئناف جهود المصالحة".

ويرى أن خطاب هنية جاء "ليعكس مراهنة حماس الكبيرة على فشل رهان السلطة الفلسطينية على (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب، وعلى العلاقة الجديدة بين الحركة ومصر، متناسية أنها في عين العاصفة" في ظل التطورات الإقليمية الصعبة الحاصلة.

ويعتبر المصري أن حماس "تخاطر بإعطاء الأولوية للعلاقات مع مصر وتحسين العلاقات مع السعودية والإمارات مع الحفاظ على العلاقة مع قطر وتركيا واستعادة العلاقات القديمة مع إيران، وهذا مثل الجمع المستحيل بين الشتاء والصيف على سطح واحد".

ويلوم المصري "استمرار العناد وتغليب المصالح الفردية بين طرفي الانقسام (حركتا فتح وحماس) بديلا عن إجراء حوار وطني شامل للاتفاق على كيفية تفعيل منظمة التحرير وتشكيل حكومة وحدة والاتفاق على أسس الشراكة والتوجه بعد ذلك للانتخابات من أجل إنقاذ القضية والأرض والشعب من المخاطر التي تتهددها".

وسبق أن توصلت حركتا فتح وحماس لعدة تفاهمات ثنائية وأخرى في إطار شامل للفصائل الفلسطينية، لكنها فشلت في وضع حد عملي للانقسام الداخلي واستعادة الوحدة المنشودة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبدلا من المضي في تنفيذ تفاهمات المصالحة، فإن سلسلة إجراءات تم اتخاذها من قبل الحركتين اعتبر مراقبون أنها ساهمت تدريجيا في تكريس وضع الانقسام خاصة ما يتعلق بتولي حماس كامل السيطرة الإدارية والأمنية في قطاع غزة.

وعملت حماس منذ سيطرتها على قطاع غزة على تشكيل سلطة خاصة بها من خلال تعيين ما يزيد عن 40 ألف موظف مدني وعسكري وبسط سيطرتها التامة على كافة مقاليد الحكم في القطاع.

في المقابل، واصلت السلطة الفلسطينية صرف رواتب لنحو 58 ألف موظف يتبعون لها في قطاع غزة بعد أن طلبت من غالبيتهم التوقف عن العمل فور سيطرة حماس على القطاع، إلى جانب إنفاقها على خدمات أساسية أخرى مثل مجالات الكهرباء والماء والصحة والتعليم.

وقبل أيام قررت حكومة الوفاق الفلسطينية إحالة أكثر من ستة آلاف موظف تابع للسلطة الفلسطينية من المدنيين ممن هم على رأس عملهم للتقاعد المبكر وذلك بعد ثلاثة أشهر من فرضها خصومات تقدر بأكثر من 30 في المائة على رواتب جميع موظفيها في غزة.

كما أوقفت السلطة الفلسطينية تغطية تمويل جزء من إمدادات الكهرباء التي تزود بها إسرائيل قطاع غزة ضمن ما أعلنه عباس من عزمه اتخاذ "خطوات صعبة وغير مسبوقة" بشأن استمرار الانقسام الفلسطيني، وهو ما تم تفسيره بوقف كل ما تنفقه السلطة على القطاع في وقت لاحق.

ويقول رئيس مؤسسة الدراسات الديمقراطية في رام الله بالضفة الغربية جورج جقمان لـ"شينخوا" إن تسارع حدة تفاقم الخلافات بين فتح وحماس في الأشهر الأخيرة يظهر بوضوح حجم تعمق الانقسام الفلسطيني الداخلي وصعوبة توقع إنهائه قريبا.

وينبه جقمان من أن الانقسام الداخلي خلق واقعا فلسطينيا مشتتا بين سلطتين تحكمان بشكل منفرد في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، وكلاهما ترفض التنازل للطرف الآخر، في وقت لديهما مصالح خاصة مرتبطة بالسلطة، ومناقضة لأسس الشراكة.

ويبرز وجود اعتبارات سياسية زادت من حدة تكريس الانقسام، منها الرفض الإسرائيلي والأمريكي بدخول حماس بمواقفها السياسية المعروفة منظمة التحرير أو دمج عناصرها في إطار الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية.

ويوافق جقمان على أن استمرار الانقسام الفلسطيني على مدار السنوات العشر الماضية وتكريسه بالوضع الراهن لا يمثل إرادة فلسطينية فقط، بل أن العامل الأبرز هو انسداد الأفق السياسي، وغياب حل مقبول فلسطينيا (مع إسرائيل).

كما أنه يعتبر أن غياب حل سياسي للقضية الفلسطينية "يمنع وجود مفاوضات جوهرية على تقاسم الأدوار والحصص" بين فتح وحماس ويزيد الأدوار الخارجية المؤثرة لكل من إسرائيل وعدة دول عربية والولايات المتحدة الأمريكية لتكريس الانقسام الحاصل.

وعلى مدار سنوات الانقسام أثرت تطورات الأوضاع الإقليمية في الانقسام الفلسطيني خصوصا لجهة تقدم أو تراجع أي من طرفيه (فتح وحماس) ورغبة كل طرف في بناء تحالفات تعزز مكانته على حساب الطرف الآخر.

ومؤخرا أعلن مسؤولون في حماس عن عقد لقاءات في القاهرة مع تيار القيادي المفصول من حركة فتح منذ سنوات محمد دحلان والذي يقيم علاقات وثيقة مع مصر.

وقال هنية في خطابه إن وفد حماس الذي زار مصر الشهر الماضي برئاسة زعيم الحركة في قطاع غزة يحيى السنوار أجرى لقاءات فلسطينية- فلسطينية ستنعكس إيجابا على الأوضاع في القطاع.

وبهذا الصدد، يرجح المحلل السياسي من غزة حمزة ابو شنب في حديث لـ "شينخوا" أن تسير حماس قدما في ترتيب وتوسيع العلاقة مع تيار دحلان، وإن كان ذلك لم يذكر صراحة في خطاب هنية.

كما يتوقع ابو شنب وجود "تغير جوهري في تطوير العلاقات بين حماس ومصر، وأن هنالك تفاهمات واسعة بين الجانبين وإن كانت تفاصيلها غير معلنة حتى الآن".

وحول علاقات حماس الإقليمية، يرى ابو شنب أن خطاب هنية أظهر أن الإجراءات ضد قطر من قبل بعض الدول العربية لن تغير مواقف حماس تجاه الدوحة، وأن الحركة ستواصل تعزيز علاقاتها معها.

كما أنه ينبه إلى أنه "بات واضحاً بأن العلاقات بين حماس وإيران تشهد تمتينا وأن تغير قيادة الحركة مؤخرا انعكس بالإيجاب الملموس على العلاقة، إلى جانب حرص حماس على استمرار العلاقات مع تركيا وتعزيزها مستقبلا".

ويخلص ابو شنب إلى أن خطاب هنية أظهر تركيز حماس على الاتجاه أكثر نحو الانفتاح والخروج من السمة الإسلامية في بناء العلاقات إلى التقاطعات الوطنية الواسعة مع دول العالم المساندة لقضية فلسطين.