خطة أوباما التفصيلية لعملية السلام في الشرق الأوسط.. وكيف تهاوى كل شيء!

واشنطن - "القدس" دوت كوم - نشرت صحيفة "هآرتس" وثيقتين لم تنشران من قبل تتحدثان عن جهود إدارة الرئيس الأميركي السابق براك أوباما لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واللتين كشفتا كيفية فشل المحادثات عام 2014.

ويمكن للوثيقتين ان تقدمان للرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، الذي يسعى حاليا لحث الطرفين على تجديد المفاوضات المباشرة، دروسا قيمة عما حدث عندما تم وضع القضايا الجوهرية مثل الحدود والقدس واللاجئين والاعتراف المتبادل، على الطاولة.

وتضع الوثيقتان اللغة المحددة التي كان يرغب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو القبول بها، بخصوص مسألة حدود 1967 خلال المفاوضات، والمدى الذي كانت ستذهب اليه إدارة الرئيس أوباما في بحث قضية القدس الحساسة في محاولة الحصول على كلمة "نعم" من الرئيس محمود عباس لخطتها للسلام.

والوثيقتان هما مسودتان طرحهما وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري "لاتفاق الإطار" عام 2014، والذي كان يفترض فيه أن يشكل القاعدة للامتداد النهائي للمفاوضات بين الطرفين.

وتعود احدى الوثائق الى منتصف شباط 2014 فيما الثانية تعود الى آذار من نفس العام. وتظهر الوثيقتان كيفية الجسر على الفجوات بين الرئيس عباس ونتنياهو، كما يأمل ترامب حاليا.

وثيقة منتصف شباط 2014: تنازل نتنياهو الحدودي

النسخة الأولى من الوثيقة التي حصلت عليها "هآرتس" تعود الى منتصف شباط 2014، وهي وثيقة أميركية داخلية صيغت قبل يومين من الاجتماع الهام بين كيري والرئيس عباس في باريس، وجاءت تحت عنوان: "مسودة العمل لاطار المفاوضات،" حيث توضح في سطرها الأول: "ما يلي هو إطار مقترح للعمل كقاعدة للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية حول الوضع النهائي، اتفاق السلام النهائي."

وصرح أحد المسؤولين السابقين الذي كان على اطلاع بمفاوضات العام 2014 بأنه في الشهرين الأولين من ذلك العام، عقد الفريق الأميركي محادثات مكثفة مع المستشارين الكبار لنتنياهو حول هذه الوثيقة. وأن الأفكار والمواقف المعبر عنها في هذه الوثيقة ترتكز أساسا على محتويات مسار المفاوضات السرية الذي عقد في لندن لغاية كانون ثاني بين مبعوث نتنياهو لعملية السلام اسحق مولخو والبروفسور حسين الآغا المستشار المقرب من عباس.

وكان نتنياهو طالب الفريق الأمريكي بجني ثمار تلك المفاوضات السرية وتحويلها الى "وثيقة أميركية" ترسم الخطوط العامة لاتفاق السلام النهائي.

وخلال الأيام التي سبقت لقاء كيري مع الرئيس عباس، ناقش الفريق الأميركي بحماس محتويات وثيقة "إطار العمل" مع مستشاري نتنياهو الكبار. وتمثلت الفكرة في أنه اذا تمكن الأميركيون والإسرائيليون من الاتفاق على معظم إطار العمل، فيمكن لكيري بعدها طرح الوثيقة على الرئيس عباس، على أمل الحصول على موافقته.

يشار الى أن الوثيقة التي حصلت عليها "هآرتس"، هي إحدى الوثائق الأخيرة التي كان يعمل على إعدادها الفريق الأميركي، وتتضمن مقترحات واعتراضات الجانب الإسرائيلي التي جرى وضع علامة واضحة عليها في الوثيقة.

وتتناول الوثيقة جميع "القضايا الجوهرية" للصراع، وهي نفس القضايا التي سيسعى فريق ترامب عاجلا أم آجلا لحث الطرفين على بحثها وحلها.

وكانت أولى القضايا الجوهرية التي ذكرتها الوثيقة تتمثل في الإعتراف المتبادل بين اسرائيل وفلسطين. وذكرت الوثيقة بأن اتفاق السلام بين الطرفين "يحتاج الى أن يكون مرتكزا الى الإلتزامات المشتركة لتلبية رؤية دولتين لشعبين بحقوق متساوية كاملة بدون تمييز ضد أي عضو في جماعة إثنية أو دينية. ولتحقيق هذه النتيجة المتمثلة بدولتين لشعبين - فلسطين، الدولة القومية للشعب الفلسطيني والتي تعيش بسلام مع إسرائيل، الدولة القومية للشعب اليهودي - ستمكن من إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الدولتين.

وصرح مسؤول أميركي كبير لـ "هآرتس"، بأن هذه العبارة كانت تشكل محاولة لإرضاء الزعيمين، حيث سيحصل نتنياهو على اشارة واضحة على أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهود، بينما يحصل الرئيس عباس على توضيح مباشر بأن ذلك يتضمن الحقوق المتساوية الكاملة بدون تمييز ضد الأقلية العربية في إسرائيل.

أما القضية الجوهرية الثانية التي بحثتها الوثيقة فكانت الحدود. وشكلت تلك أكثر جزء دراماتيكي في الوثيقة، التي نصت بأن "الحدود الدولية الآمنة الجديدة المعترف بها من إسرائيل وفلسطين سيتم التفاوض عليها استنادا الى خطوط 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه بشكل تبادلي، حيث أن حجمها ومكانها سيتم التفاوض عليهما، حتى تحصل فلسطين على اراض حيوية تتطابق في الحجم مع الأراضي التي كانت خاضعة للسيطرة المصرية والأردنية قبل الرابع من حزيران 1967، مع تواصل جغرافي في الضفة الغربية. وفي التفاوض على الحدود، يحتاج الطرفان الى الأخذ في الإعتبار التطورات اللاحقة، المتطلبات الأمنية الإسرائيلية وهدف تقليل حركة السكان المقيمين مع تجنب الإحتكاك."

وقال العديد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين لـ "هآرتس"، بأن نتنياهو كان يعي بأن هذه الفقرة، التي تعني بشكل فاعل أن اسرائيل تقبل حدود 1967 كقاعدة للمفاوضات، ستظهر في اطار العمل الذي يعده كيري. ووفقا لتلك المصادر، فقد كان نتنياهو يرغب بالانخراط بمفاوضات الوضع النهائي استنادا الى هذه الكلمات. لكن كان لديه تحفظا واحدا والذي ذكر فعلا في الوثيقة الأميركية، فهو يريد تجنب الاستخدام المباشر لهذه الكلمات "التواصل الجغرافي."

ومع هذا، رفض الأميركيون قبول طلب رئيس الوزراء، قائلين أن ذلك سيفرغ قسم بقية الحدود من أي معنى.

يجب أن لا يعاد تقسيم القدس

شكل مصير القدس أحد القضايا المعقدة في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن في مسودة كانون ثاني 2014 لإطار العمل الأميركي، كرست فقرة صغيرة واحدة فقط لهذه المسألة.

وقالت الوثيقة "ربما القدس أكثر القضايا تعقيدا وحساسية للحل في الإتفاق." وأن أي حل لهذه القضايا يجب أن يتفق مع الروابط التاريخية والدينية والثقافية والعاطفية العميقة للشعبين مع المواقع المقدسة، والتي يجب أن تحمى. وتتفق الأطراف على عدم إعادة تقسيم المدينة، وبأنه لن يكون اتفاقا نهائيا دائما بدون حل قضية القدس."

وترافق مع هذه الفقرة ملاحظتين. الأولى تتضمن جملتين مختلفتين، كان يفترض بإحداها بأن تكون ضمن إطار العمل. والرجل الذي كان يفترض أن يقرر بين الطرفين هو نتنياهو.

وفيما يلي الجملتين:

الخيار الأول: "تسعى اسرائيل بأن يعترف دوليا بالقدس كعاصمة لها، بينما يسعى الفلسطينيون بأن القدس الشرقية عاصمة لدولتهم."

الخيار الثاني: "يسعى الفلسطينيون الى الاعتراف الدولي بالقدس الشرقية عاصمة لدولتهم، بينما يسعى الإسرائيليون الى الإعتراف الدولي بالقدس عاصمة لهم."

ووفقا لهآرتس، لا يمكن تأكيد أي من الجملتين قال نتنياهو لكيري بأنه يفضلها، لكن من الواضح أن الجملتين أقل بكثير من المطلب الفلسطيني بالحصول على دولة في القدس الشرقية، التي احتلتها اسرائيل عام 1967. وعندما طرح كيري مثل هذه المعادلة على عباس، غضب الرئيس الفلسطيني، وقال بأن لا يستطيع أن يضع توقيعه على مثل هكذا وثيقة - وفقا ما ذكره مسؤول أميركي سابق.

وما لم يرفضه عباس، تمثل في الجملة التي تنص على أن القدس لا يمكن إعادة تقسيمها. وقد شكل ذلك مفاجأة للعديد من الإسرائيليين، لكن الرئيس عباس صرح علانية في الماضي، بأنه لا يؤمن بتقسيم القدس في عملية السلام.

لا حق للعودة الى إسرائيل

وبالنسبة للقضية الجوهرية حول اللاجئين الفلسطينيين، قالت الوثيقة: "إن اقامة دولة فلسطينية مستقلة سيوفر الوطن القومي لجميع الفلسطينيين، وبضمنهم اللاجئين، وبهذا وضع نهاية للقضية التاريخية للاجئين الفلسطينيين، وأية مطالب من إسرائيل ناجمة عن ذلك."

ومعنى ذلك فعليا، بأن لن يكون هناك "حق للعودة" للاجئين الفلسطينيين وأحفادهم الى إسرائيل. وعوضا عن ذلك، يعرض إطار العمل أربعة حلول مختلفة للاجئين: إعادة توطينهم في الدولة الفلسطينية أو التوطين النهائي في الدول المضيفة لهم أو إعادة توطينهم في دولة ثالثة في أنحاء العالم والتي تقبل باستقبالهم، وفي بعض الحالات الإنسانية قبولهم في اسرائيل وفقا لما تقرره اسرائيل بدون إلتزام وطبقا لتقديره الخاص."

وينص قسم آخر من الوثيقة بأنه "خلال المفاوضات، تسعى الأطراف الى ترويج للأجواء البناءة للمفاوضات وعمل كل ما بوسعها لمنع تدهور تلك الأجواء." وعلى الأرجح أن هذه الصياغة تؤدي الى التجميد الجزئي للبناء في المستوطنات أثناء مفاوضات الوضع النهائي. ولم يوجد أي اعتراض اسرائيلي ملحق بها، على الأقل ليس في النسخة التي حصلت عليها هآرتس.

وتتضمن الوثيقة أيضا إشارة الى "الجهد الدولي للتعامل مع المطالب بممتلكات اليهود الذي طردوا من الدول العربية نيجة الصراع الطويل مع اسرائيل.

وبخصوص الترتيبات الأمنية، تنص مسودة الإطار على الانسحاب الإسرائيلي "الكامل والنهائي" من جميع أجزاء الدولة الفلسطينية، لكن هذا الانسحاب سيكون مرحليا وتدريجيا. ولم تحدد الوثيقة جدول زمني لذلك، وتقول فقط بأنه سيتم التفاوض على ذلك بين الطرفين.

وتنص الوثيقة أيضا بأن إسرائيل ستحتفظ بالقدرة على الدفاع عن نفسها بنفسها في أي حالة من حالات الطوارىء أو في "حال ظهور خطر" بينما ستكون فلسطين منزوعة السلاح لكن مع الاحتفاظ بقوة أمن داخلي فاعلة.

الرئيس عباس يرد بغضب - وجرى تعديل الوثيقة

وعندما التقى كيري مع الرئيس عباس في باريس في 19 شباط 2014، وعرض عليه نسخة اتفاق إطار العمل، رد الرئيس الفلسطيني بغضب وبخيبة أمل. وقال مسؤولون أميركيون سابقون بأن قلقه الأكبر تمثل في كيفية تناول الوثيقة لقضية القدس. ولم تشكل الصياغة الضعيفة لهذه القضية الكبرى، تحفيزا له.

ونتيجة ردة فعل الرئيس عباس، أدرك الفريق الأميركي بأنه للحصول على "نعم" من الرئيس عباس، كان عليهم تغيير بعض الأجزاء في وثيقة اطار العمل. وتمثل التحدي في كيفية القيام بذلك بدون خسارة نتنياهو، الذي عبر لفظيا عن انفتاحه تجاه نسخة شهر شباط من الوثيقة، مع أنه لم يقبل بها كتابيا.

وكان من المتوقع أن يلتقي الرئيس عباس مع الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض في 16 آذار 2014، أي بعد أقل من شهر من عشائه مع الوزير كيري في باريس. وقبيل اللقاء، صاغ الفريق الأميركي نسخة معدلة من إطار العمل، والتي بخلاف نسخة شباط، لم يتم التفاوض عليها مع الإسرائيليين. وكانت النتيجة وثيقة مختلفة، تميل في العديد من القضايا الى الجانب الفلسطيني.

وثيقة آذار: العاصمة الفلسطينية في القدس الشرقية

كتبت الوثيقة في 15 آذار 2014، قبل يوم من لقاء أوباما مع الرئيس عباس في البيت الأبيض. وشكلت تلك الوثيقة أيضا، مسودة أميركية داخلية. وبدأت الاختلافات بين هذه الوثيقة والسابقة في القسم الأول، "هدف المفاوضات." وتنص هذه الوثيقة أن أحد الأهداف "إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وهي الكلمات التي لم تظهر في وثيقة شباط.

وبينما تضمنت وثيقة شباط لغة مبهمة جدا بشأن مستقبل القدس، نصت وثيقة آذار بوضوح على أنه "لتلبية احتياجات الطرفين، يتعين باتفاق الوضع النهائي أن يوفر لاسرائيل وفلسطين الاعتراف الدولي بعاصمتيهما في القدس، حيث ان القدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين."

وذكرت الوثيقة أيضا، أن "البلدة القديمة والأماكن الدينية والأحياء اليهودية سيتم تناولها بشكل منفصل كجزء من مفاوضات الحل النهائي."